فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

طب الأسنان في مصر.. من حلم «المجموع العالي» إلى أزمة سوق العمل

نقابة أطباء الأسنان
نقابة أطباء الأسنان

لم تعد أزمة أعداد خريجي كليات طب الأسنان في مصر مجرد نقاش مهني داخل أروقة النقابة، وإنما تحولت إلى قضية ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل آلاف الطلاب وأسرهم، في ظل الزيادة المتسارعة في أعداد خريجي الكليات خلال السنوات الأخيرة، وما يصاحبها من ضغوط متزايدة على سوق العمل.

وفي هذا السياق، أطلقت النقابة العامة لأطباء الأسنان حملة توعوية تحت عنوان «قرارك يبني مستقبلك»، تستهدف طلاب الثانوية العامة المقبلين على اختيار مسارهم الجامعي، وتدعوهم إلى عدم النظر إلى كليات طب الأسنان باعتبارها مجرد اختيار مضمون بسبب ارتفاع مجموعها، وإنما باعتبارها مهنة لها سوق عمل واحتياجات وقدرة محددة على استيعاب الخريجين.

أرقام الخريجين تكشف التحول

يكشف تحليل النقابة لأعداد خريجي طب الأسنان خلال الفترة من 2010 وحتى 2023 عن مسار تصاعدي واضح، بدأ بزيادة تدريجية خلال السنوات الأولى، ثم تحول إلى ارتفاع أكثر سرعة خلال النصف الثاني من الفترة، وصولًا إلى قفزات كبيرة في أعداد الخريجين خلال السنوات من 2021 إلى 2023.

وهذا التصاعد لا يمكن فصله عن التوسع الذي شهدته منظومة التعليم الجامعي وازدياد أعداد المقبولين في كليات طب الأسنان، إلى جانب إنشاء المزيد من الكليات، وهو ما يعني أن الزيادة الحالية في أعداد الخريجين هي في جانب منها نتيجة طبيعية لقرارات قبول واتساع في الطاقة التعليمية تمت قبل سنوات.

وبعبارة أخرى، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الخريجين الذين يظهرون في سوق العمل اليوم، وإنما بالمسار الذي أنتج هذه الأعداد، ومدى توافقه مع الاحتياجات الفعلية للمنظومة الصحية وسوق الخدمات الطبية.

عندما يتحول الإقبال إلى ضغط

في السنوات الماضية، ارتبطت كليات القطاع الطبي بصورة عامة، ومن بينها طب الأسنان، بمكانة اجتماعية ومهنية مرتفعة، وهو ما جعلها هدفًا لعدد كبير من طلاب الثانوية العامة، خاصة أصحاب المجاميع المرتفعة.

لكن ارتفاع الإقبال على تخصص معين لا يعني بالضرورة أن سوق العمل قادر على استيعاب جميع خريجيه.

وهنا تظهر المفارقة؛ فبينما ينظر الطالب وأسرته إلى مجموع الثانوية العامة باعتباره المؤشر الأساسي لاختيار الكلية، قد يكون المؤشر الأهم على المدى البعيد هو طبيعة سوق العمل، وحجم الطلب على التخصص، وعدد الخريجين المنافسين، وتكلفة ممارسة المهنة، والقدرة على بناء مسار مهني مستقر بعد التخرج.

ومن ثم، فإن اختيار طب الأسنان لمجرد أن الطالب حصل على مجموع يؤهله للالتحاق به قد يكون قرارًا غير مكتمل، إذا لم يصاحبه سؤال أكثر أهمية: ماذا سيحدث بعد التخرج؟

المشكلة لا تبدأ يوم التخرج

أحد أهم أبعاد الأزمة أن زيادة أعداد الخريجين لا تظهر آثارها فورًا عند اتخاذ قرار الالتحاق بالكلية، وإنما بعد سنوات، عندما يصل آلاف الطلاب إلى مرحلة التخرج في الوقت نفسه.

فالطالب الذي يلتحق بالكلية اليوم يتخذ قرارًا بشأن سوق عمل سيصل إليه بعد عدة سنوات، وليس بشأن واقع السوق في اللحظة التي يكتب فيها رغبات التنسيق.

وهذا يجعل قرارات القبول الجامعي مرتبطة بصورة وثيقة بالتخطيط المستقبلي، وليس فقط بمؤشرات التنسيق والمجاميع.

وفي حالة طب الأسنان، فإن زيادة أعداد الخريجين عامًا بعد عام تعني ارتفاع حجم المنافسة، سواء على فرص العمل المتاحة أو على المرضى في سوق العيادات الخاصة، وهو ما قد يفرض على الخريج الجديد البحث عن وسائل مختلفة للتميز، بداية من اكتساب مهارات عملية قوية وصولًا إلى التخصص في مجالات دقيقة.

هل الحل في تقليل الأعداد فقط؟

تطرح بيانات النقابة سؤالًا أساسيًا حول العلاقة بين أعداد المقبولين في كليات طب الأسنان والاحتياجات الحقيقية لسوق العمل.

ومن الناحية التخطيطية، فإن تحقيق التوازن بين أعداد الطلاب واحتياجات السوق يمثل أحد أهم عناصر التعامل مع الأزمة، لكن معالجة المشكلة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود تقليل أعداد المقبولين فقط.

فالسوق الطبي نفسه يتغير، والتكنولوجيا تعيد تشكيل طبيعة ممارسة المهنة، كما تظهر تخصصات وتقنيات جديدة يمكن أن تستوعب جزءًا من الكفاءات إذا جرى إعداد الخريجين بصورة تتناسب مع هذه التحولات.

لذلك تبدو الدعوة إلى التوسع في التخصصات الدقيقة والحديثة واحدة من المسارات المهمة، إلى جانب إعادة النظر بصورة دورية في أعداد المقبولين وفقًا لمؤشرات حقيقية عن الاحتياجات المستقبلية.

«المجموع» لا يكفي لصناعة القرار

الحملة التي أطلقتها النقابة تحمل رسالة تتجاوز طب الأسنان إلى فلسفة اختيار التخصص الجامعي بشكل عام.

فارتفاع مجموع الطالب لا يجب أن يتحول إلى معيار وحيد لتحديد مستقبله، كما أن المكانة الاجتماعية للتخصص لا تضمن بالضرورة سهولة الحصول على فرصة عمل بعد التخرج.

الاختيار الأكثر وعيًا يجب أن يجمع بين قدرات الطالب وميوله، وطبيعة الدراسة، وتكاليفها، ومدة التأهيل، وحجم المنافسة، وفرص العمل، والاتجاهات المستقبلية للمهنة.

وهنا يصبح دور الأسرة مهمًا أيضًا؛ لأن الضغط على الطالب للالتحاق بتخصص بعينه بسبب «المجموع» أو المكانة الاجتماعية قد يدفعه إلى مسار لا يتوافق بالضرورة مع قدراته أو مع تطلعاته المهنية.

من أزمة أعداد إلى ضرورة إعادة التخطيط

أزمة خريجي طب الأسنان تكشف في جوهرها عن قضية أوسع تتعلق بالتخطيط للتعليم العالي وربطه بسوق العمل.

فالتوسع في إنشاء الكليات وزيادة الطاقة الاستيعابية يمكن أن يحقق أهدافًا تعليمية مهمة، لكن نجاح هذا التوسع يظل مرتبطًا بمدى قدرته على إنتاج خريجين تتناسب أعدادهم ومهاراتهم مع احتياجات المجتمع.

وبالتالي، فإن التعامل مع الملف يحتاج إلى رؤية طويلة المدى تجمع بين الدولة والجامعات والنقابات المهنية، بحيث لا يكون الهدف فقط إتاحة مقاعد جامعية أكبر، وإنما بناء منظومة تربط بين أعداد الطلاب واحتياجات سوق العمل المستقبلية.

الرسالة الأهم للطلاب

لا تعني حملة «قرارك يبني مستقبلك» أن دراسة طب الأسنان أصبحت بلا مستقبل، ولا أن كل خريج سيواجه بالضرورة البطالة، وإنما تضع أمام الطالب حقيقة أكثر أهمية: المهنة التي تختارها اليوم ستنافس فيها بعد سنوات، وقد يكون شكل سوقها مختلفًا تمامًا عما تراه الآن.

ولهذا فإن قرار الالتحاق بكلية طب الأسنان، أو أي كلية أخرى، يجب ألا يُبنى على سؤال «مجموعي يدخلني إيه؟» فقط، وإنما على مجموعة أسئلة أكثر عمقًا: هل أحب هذا المجال؟ هل أمتلك القدرة على الاستمرار فيه؟ كيف سيكون سوق العمل عند تخرجي؟ وما المهارات التي سأحتاج إليها حتى أكون قادرًا على المنافسة؟

ففي سوق عمل يتغير بسرعة، لم يعد الحصول على مقعد في الكلية هو نهاية الطريق، بل أصبح مجرد بداية لمنافسة طويلة، يكون الفارق فيها لمن يمتلك رؤية أوضح لمستقبله.