الإدارية العليا: توصيل المرافق لا يمنح العقار المخالف ترخيصًا
أودعت دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا، برئاسة المستشار عادل فهيم محمد عزب،رئيس المحكمة، حيثيات حكمها بترجيح الاتجاه القضائي القائل بأن مخالفات البناء تعد من قبيل المخالفات المستمرة وليست الوقتية، ومن ثم لا تسري عليها أحكام التقادم، وتظل سلطة الجهة الإدارية قائمة في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإزالة أو تصحيح الأعمال المخالفة، مهما طال الزمن على ارتكابها أو اكتشافها، ما دامت المخالفة لا تزال قائمة.
وأضافت المحكمة أن القوانين المنظمة للبناء، ومنها القانون رقم 106 لسنة 1976 والقانون رقم 119 لسنة 2008، لم تتضمن نصًا يقرر سقوط سلطة جهة الإدارة في إزالة أو تصحيح مخالفات البناء بمضي مدة معينة، ومن ثم لا يجوز تقييد سلطة الإدارة بمدد تقادم أو سقوط لم ينص عليها المشرع.
توصيل المرافق لا يعني الترخيص
وحسمت المحكمة كذلك مسألة توصيل المرافق إلى العقارات المخالفة، مؤكدة أن توصيل المياه أو الكهرباء أو غيرها من المرافق إلى العقار المقام بالمخالفة للقانون لا يعني منحه ترخيصًا ضمنيًا، ولا يفيد التنازل عن المخالفة أو التصالح بشأنها.
وبالتالي، فإن وجود المرافق بالعقار لا يحول دون تدخل الجهة الإدارية المختصة لإزالة الأعمال المخالفة أو تصحيحها وفقًا للقانون.
وأشارت المحكمة إلى أن الإحالة إليها جاءت في ظل وجود اتجاهين قضائيين بالمحكمة الإدارية العليا؛ أولهما يرى أن مخالفات البناء من المخالفات المستمرة التي لا تسقط بالتقادم، بينما ذهب الاتجاه الثاني إلى اعتبار جريمة البناء دون ترخيص من الجرائم الوقتية التي تكتمل بمجرد انتهاء أعمال البناء، وبالتالي تخضع للقانون الساري وقت ارتكابها.
وصدر الحكم في الطعن رقم 98064 لسنة 69 قضائية عليا، والذي أحيل إلى دائرة توحيد المبادئ لحسم الخلاف بين اتجاهين داخل المحكمة الإدارية العليا بشأن الطبيعة القانونية لمخالفات البناء، ومدى خضوع سلطة الإدارة في مواجهتها لقواعد التقادم.
وأكدت المحكمة أن مخالفات البناء دون ترخيص، أو الأعمال التي تتم بالمخالفة لشروط الترخيص أو لأحكام القوانين المنظمة للبناء، تُعد مخالفات مستمرة، باعتبار أنها تقع في كل لحظة أو في كل جزء من الزمن تمتد فيه المخالفة، طالما ظلت الأعمال المخالفة قائمة دون إزالة أو تصحيح.
وذكرت المحكمة على أن مرور مدة زمنية طويلة على وقوع مخالفة البناء لا يؤدي، كأصل عام، إلى سقوط سلطة الجهة الإدارية في إزالتها أو تصحيحها، حتى لو تجاوزت هذه المدة خمس عشرة سنة، طالما ظلت المخالفة قائمة.
وأوضحت دائرة توحيد المبادئ أن جهة الإدارة لا تخضع في استعمال سلطتها تجاه مخالفات البناء لقواعد التقادم المنصوص عليها في القانون المدني، ذلك أن سلطتها في هذا المجال ليست مجرد حق شخصي يمكن أن يسقط بعدم استعماله، وإنما هي مكنة وامتياز قانوني منحها المشرع لفرض احترام أحكام القانون وتنفيذها على الأعمال المخالفة.
المحكمة: لا حصانة لمركز قانوني نشأ بالمخالفة للقانون
وأقامت المحكمة قضاءها على أن الحماية التي يسبغها التقادم على المراكز القانونية تستهدف في الأصل استقرار الأوضاع القانونية المشروعة، أما المركز الذي نشأ ابتداءً نتيجة مخالفة القانون فلا يستحق الحماية لمجرد مرور الزمن.
وأكدت أن مرور سنوات طويلة على إقامة بناء مخالف لا ينشئ لصاحبه حقًا مكتسبًا في الإبقاء عليه، ولا يكسبه حصانة في مواجهة أحكام القانون، طالما لم يصدر ترخيص قانوني بإنشائه أو بالأعمال التي أجريت عليه.
وبعد بحث الاتجاهين وأسانيد كل منهما، انتهت دائرة توحيد المبادئ إلى أن الاتجاه الأول هو الأرجح، باعتبار أن استمرار وجود البناء المخالف يعني استمرار المخالفة ذاتها، بما يبقي سلطة الإدارة في مواجهتها قائمة ما دامت المخالفة مستمرة.
وأكدت المحكمة أن مضي مدة معينة على ارتكاب الفعل قد يكون له أثر على إمكانية توقيع العقوبة الجنائية وفقًا للقواعد المنظمة لذلك، إلا أن ذلك لا يعني سقوط سلطة الجهة الإدارية في التعامل مع المخالفة وإزالة آثارها أو تصحيحها، طالما ظلت المخالفة قائمة.
واستندت دائرة توحيد المبادئ، في ترجيحها لهذا الاتجاه، إلى أن القوانين المنظمة للبناء لم تحدد مدة زمنية تنقضي بانقضائها سلطة الإدارة في مواجهة مخالفات البناء، فضلًا عن أن الرخص والمكنات التي يمنحها المشرع للجهة الإدارية لا تسقط بالتقادم إلا بنص خاص.
كما استندت المحكمة إلى ما سبق أن استقر عليه قضاؤها بشأن التقادم في مجال روابط القانون العام، وإلى ما انتهت إليه الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع في فتواها الصادرة بجلسة 31 يناير 2024، ملف رقم 7/2/368، من عدم خضوع حق جهة الإدارة في إزالة الأعمال المخالفة أو تصحيحها للتقادم الطويل.
وخلصت المحكمة إلى أن مخالفات قوانين البناء، ما دامت قائمة، تعد من المخالفات المستمرة التي لا تغل يد الجهة الإدارية عن اتخاذ الإجراءات القانونية بشأنها وقت اكتشافها، وفقًا لأحكام القانون الساري في ذلك الوقت، دون اعتداد بمرور مدة زمنية طويلة على ارتكابها.
وانتهت دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا إلى الحكم بـترجيح الاتجاه الذي يقضي بأن مخالفات البناء تعد من قبيل المخالفات المستمرة وليست الوقتية، ولا تسري عليها أحكام التقادم، وأمرت بإعادة الطعن إلى الدائرة المختصة للفصل فيه في ضوء ما انتهت إليه من مبادئ.
في الطعن الذي أحيل إلى دائرة توحيد المبادئ لحسم الخلاف القضائي حول تقادم مخالفات البناء، ليضع بذلك مبدأً حاكمًا في شأن مدى استمرار سلطة الإدارة في إزالة وتصحيح الأعمال المخالفة مهما طال الزمن على إقامتها.