سلسلة 200 عام على قصر العيني، إنصاف تاريخي لعهد عيسى حمدي باشا.. حقائق ترد على محاولات التهميش
في إطار سلسلة 200 عام على إنشاء قصر العيني، وبمناسبة اقتراب الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيسه، أعلن قصر العيني إصدار سلسلة مقالات أسبوعية تروي حكايات تأسيس أول مدرسة للطب في مصر.

إنصاف تاريخي لعهد عيسى حمدي باشا.. حقائق ترد على محاولات التهميش
لا يمكن لمؤرخ منصف، أو متابع لتاريخ النهضة الطبية في مصر، أن يمر على صفحة الدكتور عيسى حمدي باشا دون أن يتوقف أمام حقائق تاريخية ناصعة، تعيد إلى رائد التحديث حقه الأدبي والعلمي.
فعلى الرغم مما شهده عهده من نهضة مؤسسية وتعليمية غير مسبوقة، تعرضت هذه المرحلة التاريخية لروايات انتقصت من إنجازاته، ومن أبرزها ما نُشر في العدد الأول من «المجلة الطبية المصرية»، الصادر عام 1917؛ إذ ورد في الصفحة الحادية عشرة منه:
«المدرسة كانت قبل وجود الدكتور كيتنج مديرًا لها ولمستشفى قصر العيني سائرة على النظام القديم، بعيدة عن حركة الرقي والنشاط العلمي الذي كان جاريًا في أوروبا، فبقيت حافظة صيغتها الأولى من غير أن تخطو الخطوات التي كانت تسير فيها جامعات أوروبا، فلما عُيّن كيتنج وضع نظامًا جديدًا يكفل الرقي للمدرسة وتقدمها ومتابعتها للحركة العلمية الأوروبية».
غير أن هذا الحكم يجافي الحقائق التاريخية الموثقة؛ فقد امتلكت مدرسة الطب بقصر العيني في عهد عيسى حمدي باشا نظامًا تعليميًا دقيقًا، ومناهج علمية متقدمة، وتدريبًا عمليًا وإكلينيكيًا يضاهي ما كان مطبقًا في كبرى كليات الطب الأوروبية، وفي مقدمتها كلية طب باريس.

استقالة دفاعًا عن القانون واستقلال المؤسسة
ومن الواجب، إنصافًا للتاريخ، تأكيد أن استقالة عيسى حمدي باشا عام 1889 لم تكن نتيجة قصور في إدارته أو تراجع في المستوى الأكاديمي للمدرسة، بل جاءت تعبيرًا عن موقف مبدئي رافض لتجاوز ناظر المعارف آنذاك القوانين واللوائح المنظمة للعمل داخل المدرسة.
وكان عيسى حمدي باشا قد وضع هذه اللوائح بعناية، مستخلصًا أحكامها من نظم الجامعات الأوروبية بعد زياراته الميدانية لها، ثم حظيت بتصديق رسمي من مجلس الوزراء.
إلا أن ناظر المعارف أقدم على تعيين أحد الأطباء أستاذًا بالمدرسة من دون خضوعه للامتحانات والمسابقات المقررة قانونًا، فاختار عيسى حمدي باشا تقديم استقالته دفاعًا عن سيادة القانون، وصونًا لاستقلال المؤسسة العلمية وكرامتها.
منظومة تعليمية سبقت عصرها
ولإدراك حجم النهضة العلمية والدراسية التي شهدها قصر العيني في عهده، يكفي استعراض المنظومة التعليمية المتطورة التي كانت مطبقة آنذاك؛ إذ امتدت الدراسة خمس سنوات أكاديمية، أعقبتها سنة سادسة للتدريب العملي بالمستشفى.

السنة الأولى
كان الطالب يدرس مبادئ العلوم الطبية، ويتدرب على تحضير المواد الدوائية تحت إشراف أستاذ الكيمياء، ثم يجري التجارب المتعلقة بالظواهر الطبيعية تحت إشراف أستاذ الطبيعة.
كما كان يتلقى تدريبًا عمليًا في حديقة النباتات والحقول والبساتين تحت إشراف أستاذ علم النبات، ويخرج إلى الصحراء للتعرف إلى طبقات الأرض ومعادنها تحت إشراف أستاذ الجيولوجيا والمعادن.
وفي نهاية العام، يؤدي الطالب امتحانًا يؤهله للانتقال إلى السنة الثانية.
السنة الثانية
يدرس الطالب العلوم التشريحية والمجهرية داخل المشرحة وقاعة الأعمال الميكروسكوبية، ويتلقى تدريبًا عمليًا على إعداد التحضيرات التشريحية والمجهرية وطرق زرع الميكروبات وتلقيحها.
كما يدرس علم وظائف الأعضاء نظريًا وعمليًا، ويجري التجارب الفسيولوجية لمشاهدة وظائف أعضاء الجسم بصورة مباشرة، ثم يؤدي في نهاية العام امتحان الانتقال إلى السنة الثالثة.
السنة الثالثة
يحضر الطالب المحاضرات العلمية داخل المدرسة، ويتلقى التدريب العملي والإكلينيكي في مستشفى قصر العيني، متنقلًا كل ثلاثة أشهر بين أقسام المستشفى وقاعاته المختلفة.
وكانت المدرسة وأساتذتها يحرصون على انتظام الطلاب ومواظبتهم، حتى يستوعبوا الدروس الإكلينيكية ويصبحوا مؤهلين لامتحان الانتقال إلى السنة الرابعة.
السنة الرابعة
يواصل الطالب دراسة العلوم الطبية بالمدرسة، إلى جانب التدريب العملي والإكلينيكي بالمستشفى، في إطار يجمع بين المعرفة النظرية والخبرة التطبيقية المباشرة.
السنة الخامسة
تتركز الدراسة على العلوم الطبية النظرية والعملية المتقدمة، ثم يؤدي الطالب اختبارًا عامًا شاملًا. ويُعيَّن الناجح بعده مساعدًا بالمستشفى، ويتنقل بين عياداته المختلفة كل ستة أشهر، حتى يستكمل عامًا كاملًا من التدريب العملي.
وخلال هذه المرحلة، كان الطالب يجتاز أربعة امتحانات متتابعة:
الامتحان الأول: الكيمياء، والطبيعة، والتاريخ الطبيعي، والفسيولوجيا، والتشريح، والميكروغرافيا.
الامتحان الثاني: التشريح الخاص، والفسيولوجيا، والميكروغرافيا، وتشريح الجثة.
الامتحان الثالث: التشريح المرضي، والأمراض كما تظهر بالجثة وظواهرها، والأقراباذين «علم الأدوية والعقاقير»، والطب الشرعي، وأمراض الأطفال والنساء.
الامتحان الرابع: التوليد، والرمد، والطب الشرعي، وقانون الصحة العمومية، إلى جانب الفحص الإكلينيكي لمريضين على سريريهما؛ أحدهما مصاب بمرض باطني والآخر بمرض ظاهر، وتقديم تحضيرين في التشريح المرضي والفحص المجهري.
السنة السادسة ودبلوم الدكتوراه
عقب اجتياز هذه الامتحانات، يمضي الطالب سنته السادسة متدربًا في المستشفى، ويسجل ملاحظاته ومشاهداته الإكلينيكية في كراسة خاصة خلال فترة التمرين، ثم تخضع هذه الكراسة للتقييم العلمي.
فإذا أثبت كفاءته وأجاد أداءه، مُنح دبلوم الدكتوراه، بعد مسار تعليمي متكامل جمع بين العلوم الأساسية، والتدريب المعملي، والممارسة الإكلينيكية، والاختبارات المتدرجة.
نهضة مصرية سبقت التدخل الأجنبي
إن هذا النظام الدقيق، الذي جمع بين الدراسة النظرية والتجارب المعملية والتدريب السريري والتقييم المستمر، يقدم دليلًا قاطعًا على أن مدرسة الطب ومستشفى قصر العيني في عهد عيسى حمدي باشا لم يكونا أسيرين لما سُمّي «النظام القديم»، ولم يكونا بعيدين عن حركة التقدم العلمي في أوروبا.
بل كان قصر العيني يسير بخطوات ثابتة في طريق التحديث، متابعًا لأحدث المناهج الأوروبية، وقادرًا بقيادته المصرية على بناء مشروع طبي وتعليمي متكامل، قبل أن يمتد التدخل الأجنبي إلى إدارة التعليم الطبي.
ومن ثم، فإن إنصاف عيسى حمدي باشا لا يمثل دفاعًا عن شخص فحسب، بل هو دفاع عن ذاكرة مؤسسة وطنية، وعن مرحلة أثبتت فيها القيادة المصرية قدرتها على صناعة نهضة طبية سبقت عصرها.
وسوف نواصل في الحلقات المقبلة من سلسلة «قصة 200 عام» عرض المزيد من الوثائق والأحداث التاريخية التي تضع تجربة عيسى حمدي باشا في موقعها المستحق من تاريخ الطب المصري والعالمي.