زلزال المليار يضرب "الإسكان"، عندما بنت الحكومة أبراجها فوق أرض متنازع عليها ثم غابت عن المحكمة؟
في مشروعات الدولة الكبرى، لا تتحرك حفارة لبدء العمل في مشروع كبير قبل أن تسبقها في الحركة عشرات الأوراق. خرائط مساحية، وسندات ملكية، وقرارات تخصيص، ولجان استلام، ولجان قانونية وهندسية يفترض أنها تغلق كل باب أمام الخطأ.
لكن المعلومات التي وصلت إلينا بشأن مشروع «الواحة فيو» بمدينة نصر تفتح بابًا بحجم مليار جنيه؛ بابًا لا يجوز إغلاقه بتأشيرة مقتضبة أو رد مختصر، فالمبلغ ضخم ولا يمكن دفنه تحت خرسانة 54 عمارة، ولا تمريره باعتباره نزاعًا قضائيًا حول مشروع واعتبار خسارته نوعًا من التكاليف الإجمالية للمشروع. هذا المليار يمكن أن يبني مدرسة أو يشيد مستشفى.
المصادر تتحدث عن أرض دخلت ضمن مشروع سكني ضخم تابع لصندوق التنمية الحضرية، ثم ظهر من يزعم ملكيتها، فلجأ إلى القضاء، وحصل على حكم يقترب من مليار جنيه، قبل أن تُضاف إليه نحو سبعين مليون جنيه قيل إنها مصروفات وأتعاب مرتبطة بالتقاضي.
مليار و70 مليون جنيه
رقم ثقيل لا يسقط من دفاتر الدولة مصادفة، ولا ينبغي أن يعبر من خزائنها في هدوء، ولا يجوز أن يختبئ خلف عبارة باردة من نوع "نزاع أمام القضاء".
فالقضية، تتجاوز اعتبارها حكمًا خسرته جهة حكومية؛ خاصة بعدما فرضت التفاصيل التي اطلعت عليها "فيتو" سلسلة طويلة من الأسئلة التي تبدأ من قبل أن تدخل أول حفارة إلى الأرض، وتمتد حتى آخر توقيع محتمل على أمر صرف المبلغ من خزينة الدولة.
مشروع بـ7 مليارات جنيه
في يوليو 2022، أعلن المهندس خالد صديق، رئيس صندوق التنمية الحضرية، أن مشروع «أبراج الواحة» بمدينة نصر يقام على مساحة تقارب 40 فدانًا، بتكلفة تقديرية تصل إلى سبعة مليارات جنيه وفي نوفمبر 2024، وخلال جولة لرئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، أعلن رئيس الصندوق أن «الواحة فيو» يضم 54 عمارة و2528 وحدة سكنية، إلى جانب 76 محلًا تجاريًا، ومسجد، وحضانة، ونادٍ صحي، وملاعب وجراجات.
ثم طُرحت الوحدات للبيع، وبدأ تسليمها إلى المواطنين، لتصبح الأرض محل المشروع أصلًا عقاريًا قائمًا امتلأت دفاتره المحاسبية بمليارات الدولة وأموال المشترين
ولهذا يصبح السؤال الأول كاشفًا وفادحًا:
كيف يمكن أن تدخل أرض محل نزاع على الملكية ضمن مشروع حكومي بهذا الحجم؟
من راجع ملكية الأرض؟
قبل البناء توجد إجراءات لا تحتمل المجاملة ولا التقريب تشمل مراجعة سندات الملكية، وتحديد الحدود والإحداثيات، وإجراء الرفع المساحي، ومطابقة المستندات بالطبيعة، والكشف عن أي تداخل مع أملاك الغير أو نزاعات قضائية قائمة.
هذه الإجراءات تمثل بذاتها سور الحماية الأول لأموال الدولة والمنتفعين.
فإذا ثبت أن جزءًا من أرض المشروع مملوك لمواطن، أو كان محل نزاع جدي قبل بدء التنفيذ، فإننا لا نكون أمام "خطأ إداري" بل أمام ثقب واسع في منظومة الفحص والاستلام والمراجعة.
من سلَّم الأرض إلى الصندوق؟
ومن تسلَّمها؟
ومن أجرى الرفع المساحي؟
ومن راجع سند الملكية؟
ومن طابق الحدود على الطبيعة؟
ومن وقَّع على صلاحية الأرض للبناء؟
وهل ظهرت اعتراضات قبل التنفيذ ثم جرى تجاهلها، أم أن جهة ما لم تقم بواجبها من الأساس؟
بحسب المعلومات التي حصلنا عليها، تمسّك أحد المواطنين بملكيته لجزء من الأرض التي دخلت نطاق المشروع، ثم طرق أبواب القضاء مطالبًا بحقه والتعويض عما أُقيم فوقها.
وتقول المصادر إن محكمة أول درجة انتهت إلى حكم لصالحه بقيمة تقارب مليار جنيه.
منذ تلك اللحظة لم يعد الملف خلافًا عقاريًا عاديًا. لقد تحول إلى قنبلة مالية داخل مؤسسة عامة؛ قنبلة تعادل قيمتها أكثر من 15% من التكلفة التقديرية المعلنة للمشروع في 2022.
وكان المفترض أن تتحول القضية فورًا إلى ملف طوارئ قانوني وإداري، تصدر فيه التوجيهات بفحص كل ورقة، ومراجعة كل مذكرة دفاع، وتسجيل كل جلسة، واخطار رئيس الصندوق بتطوراته أولًا بأول.. لكن الرواية التي وصلت إلينا تحمل مفاجأة أشد خطورة
من غاب عن جلسة المليار؟
تقول المصادر إن صندوق التنمية الحضرية استأنف الحكم، لكنها تتحدث أيضًا عن غياب ممثله القانوني عن إحدى الجلسات الحاسمة، قبل أن ينتهي المسار إلى تأييد الحكم وإضافة نحو 70 مليون جنيه قيمة مصروفات وأتعاب المحاماة.
نحن لا نجزم بأن غياب المحامي كان سببًا في تأييد الحكم؛ فتلك مسألة لا يحسمها إلا ملف الدعوى ومحاضر الجلسات وأسباب المحكمة.
لكن إذا ثبت الغياب، فستقف الإدارة القانونية للصندوق أمام سؤال بالغ القسوة:
كيف يغيب ممثل جهة حكومية عن جلسة في قضية تبلغ مخاطرها المالية مليار جنيه؟
هل غاب سهوًا أم غاب عن عن عمد؟
هل أخطأ في متابعة الموعد؟
هل كانت هناك مذكرة دفاع مودعة تليق بحجم القضية أم كانت مجرد شيئ من الشكل؟
هل تم إبلاغ الإدارة العليا بالغياب؟
وهل فتح قطاع متابعة الإدارات القانونية للمؤسسات الحكومية بوزارة الإسكان أو مجلس الوزراء تحقيقًا في القضية أم أن هذا القطاع نفسه نام في العسل مثل الإدارة القانونية؟
المليار ليس مبلغًا هينًا.. ولا جلسة الحكم التي تنظر في إلغائه أو تأكيده يمكن أن يتم نسيانها في زحمة جداول المحامين. إنه رقم يكفي وحده لإشعال الضوء الأحمر في مكاتب الصندوق ووزارة الإسكان والأجهزة الرقابية.
أين خالد صديق؟
المهندس خالد صديق هو رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الحضرية، والرجل الذي قدّم مشروع الواحة للرأي العام، وتحدث عن تكلفته ومساحته ووحداته ومراحل تنفيذه ومنصبه يؤكد رسميّا أنه مسؤول شخصيًا عن كل خطأ قانوني أو مساحي قد يكون وقع في المشروع، وهو بذلك يًصبح المسؤول الأول عن إهدار المليار و70 مليون جنيه. وهنا يجب أن نسأله بوضوح:
متى علمت بالنزاع؟
متى علمت بالحكم الابتدائي؟
هل عُرض عليك تقدير المخاطر المالية؟
من كلّفته بمتابعة الاستئناف؟
هل أُخطروك بغياب ممثل الصندوق؟
وهل فتحت تحقيقًا داخليًا لتحديد المسؤولية، أم تركت المليار يغرق في بحر من الصمت؟
وماذا عن مصطفى عبد الوهاب؟
المعلومات التي وصلت إلينا تضع اسم المهندس مصطفى عبد الوهاب بين المسؤولين التنفيذيين الذين كانت لهم صلة بإدارة الملف.
لكن الصحافة الجادة لا تصنع مذنبًا من منصب، ولا تعلق المسؤولية في رقبة اسم قبل أن تتكلم المستندات.
تحديد مسؤوليته يتطلب قرار تكليف، أو مذكرة عرض، أو توقيعًا على إجراء، أو مستندًا يثبت أن الأرض أو النزاع أو القضية كانت تدخل ضمن اختصاصه الفعلي.
تقرير جريدة وموقع "فيتو" هنا لا يبحث عن كبش فداء إنما يقدَّم للرأي العام صاحب الأموال التي يصرف منها قيادات الصندوق مرتباتهم، ويطرح نيابة عنه سلسلة من الاستفهامات التائهة حول ثلاثة ملفات يجب حسمها:
الأول عقاري وهندسي:
كيف دخلت أرض متنازع عليها في مشروع حكومي؟
الثاني إداري:
متى ظهر النزاع، ومن أداره، وهل كانت هناك فرصة لتسويته قبل تضخم تكلفته؟
الثالث قانوني:
كيف أدار الصندوق قضية تبلغ مخاطرها مليار جنيه؟ وهل حضر ممثلوه جميع الجلسات واستنفدوا طرق الطعن في مواعيدها؟
وقد يكون لكل مسار مسؤول مختلف. ولذلك فإن حصر القضية في غياب محامٍ — إن ثبت — قد يكون محاولة للنظر إلى طرف الخيط وترك البكرة كاملة في الظلام أمام الأجهزة الرقابية.
إننا في "فيتو" نضع الملف الآن أمام الرقابة الإدارية والجهاز المركزي للمحاسبات ووزارة الإسكان، وأمام كل جهة تملك حق السؤال عن إهدار المال العام.
لا نطلب حكمًا مسبقًا، كل ما نطلبه هو فتح الخزائن المغلقة وإخراج الأوراق إلى الضوء:
قرار تخصيص الأرض وسند ملكيتها، والرفع المساحي المعتمد، ومحاضر التسليم، ومسار الدعوى، وأحكام أول درجة والاستئناف، ومحاضر الجلسات، وموقف الطعن، ومستندات سداد أي مبالغ، ونتائج التحقيقات الداخلية إن كانت قد أُجريت.
فما لا يمكن قبوله أن تخسر الخزانة العامة مليار و70 مليون جنيه.. ثم لا يُحاسب أحد.
فالدولة قد تخسر قضية، وهذا طبيعي في دولة القانون. أما غير الطبيعي فهو أن تخسر مليارًا كان يمكن إنقاذه، ثم تضيع المسؤولية بين اللجان والتوقيعات وممرات الصمت.