فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الاستراتيجية النووية الأمريكية الجديدة تعيد شبح الحرب الباردة إلى الواجهة.. حذر روسي صيني فرنسي.. والردع النووي يعيد تشكيل موازين القوى

مخاوف حول مستقبل
مخاوف حول مستقبل التوازن النووي- صورة بالذكاء الاصطناعي

أعادت التقارير الصحفية التي كشفت عن تبني وزارة الحرب الأمريكية (البنتاجون) لعقيدة استراتيجية جديدة للأسلحة النووية، تحسبا لاحتمال اندلاع صراع مع الصين أو روسيا، المخاوف بشأن مستقبل التوازن النووي العالمي، في ظل ما تمثله هذه الخطوة من تحول لافت في العقيدة العسكرية الأمريكية. كما أعادت إلى الواجهة التساؤلات حول احتمالات عودة أجواء الحرب الباردة، ومدى قدرة واشنطن على إعادة صياغة استراتيجيتها النووية بما يعزز الردع، دون رفع مخاطر الانزلاق إلى مواجهة نووية.

وبحسب مراقبين، فإن الاستراتيجية المقترحة تمنح الأسلحة النووية التكتيكية دورا أكبر في العقيدة العسكرية الأمريكية، وهو ما قد يخفض عتبة استخدامها في النزاعات الإقليمية، ويجعل اللجوء إليها خيارا أكثر قابلية في النزاعات التقليدية وفق ما أوردته صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية.

وتشير شبكة "إن بي سي نيوز" إلى أن وكيل وزارة الحرب الأمريكية للسياسات، إلبريدج كولبي، يقود عملية إعداد الاستراتيجية الجديدة، التي تركز على توفير خيارات نووية أكثر مرونة يمكن استخدامها في حال اندلاع أزمات إقليمية أو مواجهات محدودة مع القوى المنافسة.

ماذا يدور في عقل كولبي؟

يعد إلبريدج كولبي أحد أبرز منظري السياسة الدفاعية الأمريكية في السنوات الأخيرة، وأحد المهندسين الرئيسيين لاستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018 خلال فترة الحكم الأولى للرئيس دونالد ترامب. وترتكز رؤيته على أن المنافسة بين القوى الكبرى، وليس مكافحة الإرهاب، أصبحت التهديد الرئيسي للأمن القومي الأمريكي، مع اعتبار الصين الخصم الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة.

وكيل وزارة الحرب الأمريكية للسياسات إلبريدج كولبي
وكيل وزارة الحرب الأمريكية للسياسات إلبريدج كولبي

ويرتبط كولبي بعلاقة وثيقة بالتيار المحافظ وحركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" (ماجا)، ويدعو إلى إعادة توجيه القدرات العسكرية الأمريكية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، باعتبار أن التحدي الحقيقي يتمثل في صعود الصين واحتمالات سيطرتها على تايوان، مع تقليص الانخراط العسكري المكلف في الشرق الأوسط.

وانطلاقا من هذه الرؤية، يرى كولبي أن العقيدة النووية الأمريكية الحالية تفتقر إلى المصداقية لأنها تعتمد بصورة أساسية على التهديد باستخدام الأسلحة النووية الاستراتيجية، بينما تحتاج واشنطن -من وجهة نظره- إلى خيارات نووية تكتيكية أكثر مرونة تمنح صانع القرار أدوات ردع قابلة للتنفيذ في الأزمات الإقليمية دون اللجوء إلى حرب نووية شاملة.

هل تفتح العقيدة الجديدة الباب أمام سباق نووي؟

يثير هذا التوجه مخاوف من تقويض منظومة الحد من انتشار الأسلحة النووية، إذ يرى مراقبون أن توسيع دور الأسلحة النووية التكتيكية قد يشجع دولا أخرى على تطوير قدرات مماثلة، أو المطالبة بنشر أسلحة نووية أمريكية على أراضيها، خاصة في أوروبا الشرقية والدول المتاخمة لروسيا.

صواريخ أمريكية تحملا رؤوسا نووية
صواريخ أمريكية تحمل رؤوسا نووية

وفي المقابل، أكدت موسكو في تصريحات سابقة أن عقيدتها العسكرية واستراتيجية الأمن الجماعي لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي تجيزان استخدام السلاح النووي للدفاع عن حلفائها إذا تعرضوا لهجوم، بلحسب ممثل روسيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي فيكتور فاسيلييف.

كما شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أواخر فبراير الماضي، على أن تطوير "الثالوث النووي" سيظل أولوية مطلقة، باعتباره الضامن الأساسي لأمن روسيا وللتوازن الاستراتيجي العالمي.

ويضم الثالوث النووي الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (أرض-أرض)، الغواصات النووية، والقاذفات الجوية الاستراتيجية.

وتعكس هذه التصريحات أن أي تغيير في العقيدة النووية الأمريكية لن يمر دون رد، بل قد يدفع القوى النووية الأخرى إلى إعادة تقييم سياساتها العسكرية، بما يزيد من تعقيد معادلة الردع الدولي.

كيف تتعامل الصين مع التحولات النووية؟

في الوقت الذي تعيد فيه واشنطن صياغة استراتيجيتها النووية، تواصل الصين برنامجا واسعا لتحديث ترسانتها؛ حيث ذكرت شبكة "سي إن إن" في تقرير نشر في 22 فبراير 2026، أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية تعتقد أن بكين تعمل على تطوير جيل جديد من الأسلحة النووية، وأجرت اختبارا واحدا على الأقل في إطار هذا البرنامج.

وتشير تقديرات أمريكية إلى أن الصين أجرت اختبارا نوويا سريا في منطقة "لوب نور" في شمال غرب الصين عام 2020، في خطوة اعتبرت جزًا من جهودها لتطوير تقنيات نووية متقدمة تشمل رؤوسا نووية مصغرة وأنظمة قادرة على حمل عدة رؤوس نووية بواسطة صاروخ واحد، إضافة إلى تطوير أسلحة نووية تكتيكية منخفضة القوة.

إلى أين يتجه سباق التسلح النووي؟

بحسب تقديرات وزارة الحرب الأمريكية، امتلكت الصين أكثر من 600 رأس نووي عامل بحلول منتصف عام 2024، ومن المتوقع أن يتجاوز العدد ألف رأس نووي بحلول عام 2030، مع استمرار التوسع حتى عام 2035 على الأقل.

الصين  تواصل تحديث الجيش بما في ذلك فرعه المخصص للأسلحة النووية
الصين  تواصل تحديث الجيش بما في ذلك فرعه المخصص للأسلحة النووية

كما يواصل جيش التحرير الشعبي الصيني تعزيز قدراته الصاروخية، بما في ذلك نشر مئات الصوامع المخصصة للصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وتطوير صواريخ مثل "دي إف-27" القادرة على الوصول إلى أهداف داخل الولايات المتحدة، وهو ما يعكس انتقال المنافسة النووية بين واشنطن وبكين إلى مرحلة أكثر تعقيدا.

وتشير هذه التطورات إلى أن الاستراتيجية النووية الأمريكية الجديدة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية، إذ تبدو واشنطن بصدد إعادة بناء منظومة ردع أكثر مرونة لمواجهة صعود الصين وعودة روسيا إلى صدارة المنافسة العسكرية.

كيف تعزز فرنسا قدراتها البحرية النووية؟

أوروبيا، تواصل فرنسا تعزيز قدراتها البحرية الاستراتيجية مع دخول الغواصة الهجومية النووية "دي جراس" الخدمة رسميا مطلع يوليو 2026، في خطوة تعكس تطور برنامجها العسكري البحري وتحديث أسطولها من الغواصات النووية، ضمن توجه أوسع لتعزيز الردع والعمليات الخاصة في بيئات القتال الحديثة.

فرنسا تعزز قدراتها البحرية النووية
فرنسا تعزز قدراتها البحرية النووية

وتعرف تلك الغواصة النووية الفرنسية بتصميمها الذي يقدم تحسينات كبيرة مقارنة بسابقتها "روبيس"، وخصوصا في التخفي، والقدرة على التحمل، وأجهزة الاستشعار، والقوة النارية، بما في ذلك نظام الدفع النفاث، وانخفاض البصمة الصوتية، وأنظمة الحرب الإلكترونية المتطورة، وامتلاك نظام إدارة قتالي من الجيل الجديد، بحسب تقرير نشره موقع "ميلتاري وتتش" المتخصص في الشؤون العسكرية.

وتعد "دي جراس" رابع غواصة من فئة "سوفرين" المصممة للعمليات الخاصة، ويمكنها استيعاب نحو 15 من قوات الكوماندوز، والقيام بمهام الاستطلاع السري، والتخريب، وإنقاذ الرهائن، وغيرها من المهام الخاصة في بيئات العمليات المتنازع عليها. 

وفي المحصلة، تنذر هذه التحولات بإطلاق مرحلة جديدة من سباق التسلح النووي، تتداخل فيها اعتبارات الردع مع مخاطر خفض عتبة استخدام السلاح النووي، بما قد يجعل البيئة الأمنية الدولية أكثر هشاشة وتعقيدا خلال السنوات المقبلة.