خبر وتحليل
هل ينقل المحيط الهادئ سباق الردع النووي بين روسيا والولايات المتحدة إلى آسيا؟
في وقت تتسارع فيه وتيرة إعادة تشكيل موازين القوى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ في ظل محاولات واشنطن لفرض نفوذها العسكري على العالم، تحولت المناورات البحرية الروسية في المحيط الهادئ إلى رسائل ردع تتجاوز حماية الحدود الروسية إلى رسم معادلات أمنية جديدة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها. وبينما تواصل واشنطن تعزيز حضورها العسكري وتوسيع تحالفاتها في المنطقة، تراهن موسكو على قوتها البحرية النووية، وفي مقدمتها غواصات الصواريخ الباليستية وأنظمة الردع المتطورة، لتأكيد قدرتها على حماية مصالحها وحلفائها، وترسيخ معادلة توازن تمنع أي تغيير في قواعد الاشتباك شرق آسيا.
كيف تعيد غواصات بولافا رسم معادلة الردع في آسيا؟
في هذا السياق، يرى الخبير العسكري الروسي ألكسندر ستيبانوف أن غواصات الصواريخ الباليستية العاملة بالطاقة النووية التابعة لأسطول المحيط الهادئ الروسي تمثل الركيزة الأساسية لمنظومة الردع الروسية في الشرق الأقصى. فهذه الغواصات، المزودة بصواريخ "آر-30 بولافا" التي يصل مداها إلى نحو 12 ألف كيلومتر، لا تقتصر مهمتها على حماية السواحل والحدود الروسية، بل تمنح موسكو قدرة على فرض توازن استراتيجي يمتد إلى عمق منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
ويشير ستيبانوف، في تصريحات لوكالة "تاس"، إلى أن المكون البحري بات الأداة الأكثر أهمية لضمان الأمن القومي الروسي في الشرق، في ظل تصاعد المنافسة العسكرية مع الولايات المتحدة، موضحا أن هذه الغواصات توفر أيضا مظلة ردع لحلفاء موسكو الإقليميين، وعلى رأسهم الصين وكوريا الشمالية، بما يعزز مفهوم "الردع المشترك" في مواجهة أي تحركات عسكرية أمريكية.
لماذا وسعت موسكو انتشار أسطولها في المحيط الهادئ؟
وتأتي هذه التصريحات بعد يوم واحد من بيان أعلنت فيه وزارة الدفاع الروسية، أن قوات أسطول المحيط الهادئ الروسي نفذت انتشارا واسعا في بحر اليابان وبحر أوخوتسك ومياه الشرق الأقصى الروسي، ضمن مناورات عسكرية شارك فيها أكثر من 13 ألف جندي و60 سفينة وغواصة و30 طائرة ومروحية.

وتعكس هذه المناورات، وفق القراءة الروسية، تحولا من تدريبات الجاهزية التقليدية إلى استعراض لقدرات القيادة والسيطرة والانتشار السريع في واحدة من أكثر المناطق حساسية على الصعيد الجيوسياسي، خاصة مع تنامي الوجود العسكري الأمريكي وتوسيع شبكات التحالفات الأمنية في المحيط الهادئ.
هل تستهدف المناورات الروسية تطويق النفوذ الأمريكي؟
يرى ستيبانوف أن المناورات الروسية تحمل رسالة سياسية وعسكرية واضحة بأن موسكو لن تسمح بتحول المحيط الهادئ إلى منطقة نفوذ أمريكية خالصة، مضيفا: تنتهج واشنطن سياسة تقوم على عسكرة حلفائها وإغراقهم بالأسلحة الهجومية، وهو ما يدفع روسيا إلى تطوير قدراتها البحرية للحفاظ على ميزان الردع ومنع اختلاله.
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر أهداف المناورات على اختبار الجاهزية القتالية، بل تشمل أيضا رفع كفاءة منظومات القيادة والسيطرة وتعزيز الوعي العملياتي، بما يسمح للقوات الروسية بالتعامل مع سيناريوهات المواجهة عالية الكثافة في بيئة بحرية معقدة.
ما دلالات استخدام روسيا نظام "بوسيدون"؟
يتمثل أبرز المؤشرات على التحول الروسي في إعلان موسكو مواصلة تطوير استخدام أنظمة تسليح استراتيجية جديدة، وفي مقدمتها نظام "بوسيدون"، الذي تخطط لنشره ضمن منظومة الردع في المحيط الهادئ.

ويعد "بوسيدون إم-392" طوربيدا نوويا استراتيجيا غير مأهول، صمم لحمل رؤوس نووية ذات قدرة تدميرية هائلة، مع إمكانية استهداف المدن والمنشآت الساحلية عبر توليد موجات مائية وإشعاعية واسعة النطاق. كما يتميز بسرعة تبلغ نحو 185 كيلومترا في الساعة، وقدرته على العمل على أعماق تقارب ألف متر، إضافة إلى مداه العابر للقارات، وهو ما يجعل رصده أو اعتراضه بواسطة أنظمة الدفاع الصاروخي الحالية بالغ الصعوبة.
وتشير هذه التحركات إلى أن تنامي حدة التنافس بين موسكو وواشنطن إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث تسعى كل قوة إلى ترسيخ نفوذها عبر منظومات ردع أكثر تطورا. وفي هذا السياق، تبدو غواصات "بولافا" ونظام "بوسيدون" جزءا من استراتيجية روسية أوسع تهدف إلى تثبيت توازن الردع، وحماية الحلفاء، وإرسال رسالة مفادها أن أي محاولة لتغيير موازين القوى في الشرق الأقصى ستواجه بقدرات استراتيجية قادرة على تجاوز حدود الردع التقليدي، بحسب ستيبانوف.
كيف تقرأ واشنطن رسائل موسكو في المحيط الهادئ؟
ولا تبدو هذه التحركات الروسية منفصلة عن المشهد الأمني المتصاعد في آسيا والمحيطين الهندي والهادئ، حيث يتسابق الطرفان الروسي والأمريكي على تثبيت معادلات ردع جديدة في المنطقة.
ففي 3 أغسطس 2026، وجه قائد القيادة الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ صامويل بابارو، انتقادات حادة إلى الصين، مع إشارات فهمت على نطاق واسع بأنها تمتد إلى روسيا، مؤكدا أن الولايات المتحدة لن تسمح لأي قوة بفرض هيمنتها على منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وقال بابارو خلال مؤتمر أمني إقليمي في ماليزيا نظمته القيادة الأمريكية في المحيط الهادئ: إن بعض الأطراف تستخدم "ادعاءات زائفة بالمشروعية، لتبرير سياسات الترهيب والإكراه"، وفق وكالة "الأسوشيتد برس" الأمريكية.
وأشار قائد القوات الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلى أن المنطقة لا تزال تمثل "مركز الثقل الجيوسياسي والاقتصادي في العالم"، مضيفا أن "تصاعد التحديات الأمنية يجعل التعاون بين الحلفاء والشركاء أكثر أهمية من أي وقت مضى".