فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

من شوارع الإسكندرية إلى سباق مجلس الشيوخ الأمريكي.. كيف تحدى عالم الأوبئة ذو الأصول المصرية عبد الرحمن السيد 30 مليون دولار أنفقتها لوبيات الضغط المؤيدة لإسرائيل لإقصائه؟

عبد الرحمن محمد السيدصورة
عبد الرحمن محمد السيد"صورة بالذكاء الاصطناعي"

عبد الرحمن محمد السيد، من بائع الفريسكا على شاطئ الإبراهيمية، إلى نادل المقهى في سيدي جابر، وصياد الفجر في أبو قير، مرورا بحكايات الأجداد التي يتردد صداها في كليوباترا وسبورتنج والأزاريطة ومحطة الرمل والشاطبي، وصولا إلى شقوق الجدران العتيقة في المكس، تكتب الإسكندرية سيرتها بوجوه أهلها، وأزقتها، وعمارتها، وذاكرتها الممتدة عبر الزمن.

ومن رحم الإسكندرية، وبين تفاصيل نسيجها الإنساني والثقافي المتفرد، خرجت عائلة عالم الأوبئة المصري الأمريكي عبد الرحمن محمد السيد، التي حملت معها إرث المدينة إلى الضفة الأخرى من الأطلسي. وبعد عقود من الهجرة، نجح السيد في الفوز بالانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، ليصبح مرشح الحزب لتمثيل ولاية ميشيجان في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشيوخ الأمريكي، المقرر إجراؤها في 3 نوفمبر 2026، في محطة تعكس امتداد الحكاية السكندرية من شوارع المدينة القديمة إلى أروقة السياسة الأمريكية.

 

مليون دولار خصصتها إيباك لهزيمة السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي
مليون دولار خصصتها إيباك لهزيمة السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي

وتبدأ فصول تلك الحكاية من الجيل الذي حمل جذوره المصرية معه إلى الولايات المتحدة؛ إذ ولد عالم الأوبئة الأمريكي ذو الأصول المصرية، والمعروف أيضا بـ"عبد الله السيد" و"عبدول السيد"، لأبوين مصريين في 31 أكتوبر 1984، بضاحية روتشستر هيلز التابعة لمدينة ديترويت في ولاية ميشيجان. ورغم نشأته في الولايات المتحدة، ظل ارتباطه بمصر حاضرا عبر جذور عائلته؛ إذ هاجر والده من مدينة الإسكندرية إلى الولايات المتحدة لدراسة الهندسة في جامعة واين ستيت، بينما تعمل والدته، فاتن الكومي، ممرضة ممارسة في ولاية ميسوري.

انتقادات حادة لحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة

شكلت تلك البيئة، التي جمعت بين الإرث المصري والانتماء الأمريكي، ملامح شخصية السيد، الذي انتقل من عالم الطب والصحة العامة إلى ساحة العمل السياسي، ليصبح أحد أبرز الوجوه الصاعدة داخل الحزب الديمقراطي. ولم يقتصر حضوره على القضايا الداخلية، بل برز أيضا بمواقفه الصريحة من السياسة الخارجية الأمريكية، وخاصة تجاه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة؛ حيث عرف السيد بانتقاداته العلنية لإسرائيل، واصفا الحرب على غزة بأنها "إبادة جماعية".

ووجه السيد انتقادات لقيادات داخل الحزب الديمقراطي بسبب إحجامها عن استخدام هذا الوصف، متسائلا: "إذا لم تستطيعوا تسمية الأمور بمسمياتها، أي أنها إبادة جماعية، فكيف ستواجهون دونالد ترامب؟

ويربط السيد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، بنفوذ لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) داخل دوائر صنع القرار في واشنطن. ويصف إسرائيل بأنها "دولة مارقة" ترتكب "انتهاكات لحقوق الإنسان وإبادة جماعية ونظام فصل عنصري"، داعيا الولايات المتحدة إلى "وقف تمويل الجيش الإسرائيلي بشيكات على بياض من جانب واحد".

عبد الرحمن السيد وهيلي ستيفنز في مناظرة انتخابية
عبد الرحمن السيد وهيلي ستيفنز في مناظرة انتخابية

وضعت مواقف السيد المنتقدة للسياسات الإسرائيلية ودعواته المتكررة لوقف الدعم العسكري الأمريكي لحكوماتها، اسمه في قلب مواجهة سياسية مع جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها "إيباك"، التي تعد من أكثر جماعات الضغط نفوذا في واشنطن.

30 مليون دولار خصصتها إيباك لهزيمة السيد

وكشف تحليل حديث، نشره موقع "سلادج"، وهو موقع إخباري استقصائي أمريكي مستقل وغير ربحي، أن "إيباك" رفعت إنفاقها خلال انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 إلى أكثر من 100 مليون دولار، خصص أكثر من 30 مليون دولار منها لمحاولة هزيمة الطبيب وعالم الأوبئة التقدمي الأمريكي ذو الأصول المصرية الإسكندرانية في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان.

ويعكس هذا الإنفاق غير المسبوق حجم المواجهة التي خاضها السيد، بعدما تحولت مواقفه من حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة والدعم الأمريكي لإسرائيل إلى أحد أبرز محاور السباق الانتخابي في مواجهة منافسته النائبة الديمقراطية هيلي ستيفنز، في اختبار جديد لمدى تأثير جماعات الضغط في رسم ملامح المنافسة السياسية داخل الحزب الديمقراطي.

اختبار حقيقي لسطوة رأس المال السياسي

في تعليقه على هذا الإنفاق غير المسبوق، وصف قطب اليسار الأمريكي، بيرني ساندرز، الانتخابات التمهيدية في ولاية ميشيجان بأنها تمثل "اختبارا حقيقيا" لما إذا كانت السياسة الأمريكية ستظل خاضعة لنفوذ المليارديرات ولجان الإنفاق السياسي الكبرى، أم أنها ستتجه نحو تمثيل مصالح الأسر العاملة. واعتبر أن نتيجة هذا السباق تتجاوز حدود الولاية، لتشكل مؤشرا على طبيعة التوازن بين نفوذ المال السياسي وإرادة الناخبين داخل الحزب الديمقراطي.

أنصار عالم الأوبئة ذو الأصول المصرية عبد الرحمن السيد يحتفلون بانتصاره
أنصار عالم الأوبئة ذو الأصول المصرية عبد الرحمن السيد يحتفلون بانتصاره

تشكلت ملامح تفوق السيد مبكرا؛ حيث تخرج في مدرسة بلومفيلد هيلز أندوفر الثانوية عام 2003، واشتهر بممارسة المصارعة وكرة القدم الأمريكية. والتحق بجامعة ميشيجان، ودرس علم الأحياء والعلوم السياسية، ليتخرج عام 2007 حاصلا على درجة البكالوريوس بمرتبة الشرف الأولى؛ وحصل على درجة الدكتوراه في الصحة العامة من كلية أوريل بجامعة أكسفورد عام 2011، مفضلا التخصص في علم الأوبئة والصحة العامة على مواصلة المسار التقليدي لممارسة الطب السريري، وهو القرار الذي رسم ملامح مسيرته العلمية والسياسية لاحقا.

اهتمام بالغ بقضايا البيئة

واتسعت اهتماماته لتتجاوز قاعات الدراسة؛ إذ قاد بعثة طبية طلابية إلى بيرو، وأسهم في تأسيس منظمة طلابية استهدفت جمع التبرعات وتنسيق الخدمات المجتمعية لصالح عيادة طبية مجانية، في أولى محطاته التي جمعت بين العمل الطبي والخدمة العامة؛ حيث عمل أستاذا مساعدا لعلم الأوبئة في جامعة كولومبيا من عام 2014 إلى عام 2015؛ وفي أغسطس 2015، عين مديرا تنفيذيا لإدارة الصحة في مدينة ديترويت، ليصبح أصغر مسؤول صحي في مدينة أمريكية كبرى آنذاك؛ وقاد جهودا لمعارضة زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت من مصفاة ماراثون بتروليوم الواقعة في جنوب غرب ديترويت بولاية ميشيجان، مما أدى على انخفاض إجمالي الانبعاثات، وعين في مجلس القضاء على التسمم بالرصاص لدى الأطفال على مستوى الولاية. 

وفي عام 2016، اختير السيد ضمن قائمة "أربعين شخصية تحت سن الأربعين" التي تصدرها مجلة "كرينز ديترويت"، وحصل على لقب "المسؤول العام" من رابطة ناخبي الحفاظ على البيئة في ميشيجان. 

حلم سكندري لا يموت

وبحسب جريدة "ذا جارديان" البريطانية، حول السيد تركيزه إلى المواجهة المقبلة مع المرشح الجمهوري وعضو الكونجرس السابق مايك روجرز، داعيا الديمقراطيين إلى التوحد في مواجهة روجرز، الذي وصفه بأنه "باع نفسه للشركات الكبرى"، مؤكدا أنه "لا ينبغي له أن يدخل مجلس الشيوخ الأمريكي أبدا".

وقال السيد الذي ركز حملته على الدعوة إلى توفير الرعاية الصحية الشاملة وإبعاد الأموال عن التأثير في الحياة السياسية: مهما كانت مشاعرنا تجاه الحملة التي انتهت للتو، يجب أن ندرك أنها لا تقارن بحجم التشاؤم وهيمنة الشركات والأكاذيب التي سيطرحها مايك روجرز ودونالد ترامب.

مع تبقي 13 أسبوعا فقط على انتخابات نوفمبر، يقف السيد على أعتاب محطة قد تفتح أمامه أبواب مجلس الشيوخ الأمريكي، لتبقى الإسكندرية حاضرة في حكايته، باعتبارها ذاكرة حية حملها معه إلى العالم الجديد، موكدة أن الحلم السكندري، على خلاف كل الأحلام، حلم لا يموت.