من "سنبو" إلى معامل أمريكا، محطات في حياة سميرة موسى ورحيل غامض لأول عالمة ذرة مصرية
سميرة موسى، أول عالمة ذرة مصرية، لُقبت بـ"ميس كوري الشرق"، وآمنت بقيمة العلم منذ صغرها. وكانت أول طالبة تلتحق بكلية العلوم، التي كانت مقصورة على الرجال، كما أصبحت أول معيدة في الكلية. وكان شعارها: "الذرة من أجل السلام". ورحلت في مثل هذا اليوم، 5 أغسطس عام 1952، في حادث مأساوي قيل إنه كان مُدبرًا.
ولدت العالمة الكبيرة سميرة موسى عام 1917 في قرية سنبو الكبرى بمحافظة الغربية. عشقت القراءة منذ صغرها، وحفظت أجزاءً من القرآن الكريم، ثم انتقلت إلى القاهرة لاستكمال تعليمها، إيمانًا من والدها بذكائها ونبوغها. درست بمدرسة قصر الشوق الابتدائية، ثم بمدرسة بنات الأشراف الثانوية، وحصلت منها على شهادة التوجيهية، وكانت الأولى على مستوى القطر عام 1935. وقررت الالتحاق بكلية العلوم، بقسم الفيزياء، فكانت أول طالبة في الكلية بعد أن كانت مقتصرة على البنين. وهناك لفتت انتباه أستاذها الدكتور محمد مصطفى مشرفة، أول مصري يتولى عمادة كلية العلوم، وهو المنصب الذي كان مقصورًا على الإنجليز.

استطاعت سميرة موسى إعادة صياغة كتاب الجبر الحكومي للسنة الأولى الثانوية، وطبعته على نفقة والدها الخاصة، ووزعته مجانًا على زميلاتها عام 1933. كما ألَّفت كتابًا في الجبر وهي في السادسة عشرة من عمرها، أطلقت عليه اسم "الجبر الحديث"، وأهدته إلى أستاذها محمد أفندي حلمي، وطبع منه والدها 300 نسخة على نفقته الخاصة.

أول معيدة بكلية العلوم
حصلت سميرة موسى على بكالوريوس العلوم، وكانت الأولى على دفعتها، وعُيِّنت أول معيدة بكلية العلوم. وقد رفض الإنجليز، في أثناء الاحتلال، تعيينها، إلا أن الدكتور محمد مصطفى مشرفة ساندها حتى حصلت على المنصب.
ونالت درجة الماجستير في موضوع التوصيل الحراري للغازات، ثم سافرت في بعثة إلى بريطانيا، حيث درست الإشعاع النووي، وحصلت على الدكتوراه في الأشعة السينية وتأثيرها في المواد المختلفة خلال عامين. ومن أبحاثها أنها توصلت إلى معادلة قيل إنها تُمكّن من استخدام معادن رخيصة، مثل النحاس، في تطبيقات تتعلق بالطاقة الذرية، وهو ما أثار اهتمامًا واسعًا في ذلك الوقت.
خدمة المجتمع
عشقت سميرة موسى القراءة منذ صغرها، فكوّنت مكتبة كبيرة، إلى جانب إتقانها فن التصوير والتريكو والموسيقى. ولم يقتصر نشاطها على المجال العلمي، بل شاركت في أنشطة ثقافية واجتماعية متعددة؛ فكانت عضوًا فاعلًا في جمعية الطلبة للثقافة العامة، التي كانت تسعى إلى القضاء على الأمية في القرى المصرية، كما عملت مع جماعة النهضة الاجتماعية، التي كانت تركز على جمع التبرعات لدعم الأسر الفقيرة، وانضمت إلى مجموعة إنقاذ الطفولة المشردة والأسر المحتاجة، مساهمةً في تقديم العون لهم.
الذرة من أجل السلام
كانت سميرة موسى تؤمن بأن الاستخدام السلمي للطاقة النووية يمكن أن يسهم في تحقيق التوازن العلمي وخدمة الإنسانية، وكانت تطمح إلى تسخير الذرة في المجال الطبي، خاصةً في علاج السرطان. ورفعت شعار "الذرة من أجل السلام"، وكانت تقول: "أمنيتي أن يصبح علاج السرطان بالذرة مثل الأسبرين".
ونظرًا لنبوغها العلمي، اختيرت عضوًا في عدد من اللجان العلمية المتخصصة، من أبرزها لجنة الطاقة والوقاية من القنبلة الذرية التي شكلتها وزارة الصحة المصرية. كما كان لها دور في الدعوة إلى إنشاء مؤسسات تُعنى بالطاقة الذرية، ودعت إلى عقد مؤتمر بعنوان "الذرة من أجل السلام" شارك فيه عدد من علماء الذرة.
منحة دراسية في أمريكا
أُتيحت للعالمة المصرية سميرة موسى فرصة إجراء بحوث في معامل جامعة سانت لويس الأمريكية، كما حصلت على منحة دراسية ضمن برنامج فولبرايت للتعرف إلى المرافق البحثية الحديثة في الولايات المتحدة الأمريكية. وتلقت عروضًا للبقاء والعمل هناك، لكنها رفضتها، وكانت تقول: "ينتظرني وطن غالٍ اسمه مصر".
وأثناء وجودها في الولايات المتحدة، أرسلت رسالة إلى والدها قالت فيها: "لقد استطعت أن أزور معامل الذرة في أمريكا، وعندما أعود سأقدم لبلادي خدمات جليلة في هذا المجال، وأستطيع أن أخدم قضية السلام."
وكانت تخطط لإنشاء معمل متخصص في أبحاث الذرة بمنطقة الهرم، وكان حلمها الأكبر توظيف الطاقة الذرية في علاج مرضى السرطان.
نهاية غامضة
قبل عودة سميرة موسى إلى مصر بأيام، استجابت لدعوة لزيارة أحد المعامل النووية في ضواحي كاليفورنيا. وفي 5 أغسطس 1952، تعرضت لحادث سير مروع بعد اصطدام سيارة بشدة بسيارتها، ما أدى إلى سقوطها في وادٍ عميق. ولا تزال ظروف الحادث محل جدل تاريخي، إذ تشير بعض الروايات إلى احتمال تدبيره، بينما لم يثبت ذلك رسميًا.

وقد ظهرت روايات متعددة حول وفاتها؛ إذ اتهمت بعض الروايات جهاز الاستخبارات الإسرائيلي بالوقوف وراء اغتيالها، بينما أشارت روايات أخرى إلى تورط أطراف مختلفة، من بينها الممثلة راقية إبراهيم بالتعاون مع جهات أمريكية. إلا أن هذه الادعاءات لم تثبت بأدلة قاطعة، ولا يوجد تحقيق رسمي حسم أسباب وفاتها حتى اليوم.