فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

«الجزيرة هاوس»، أول عمارة في الزمالك، 116 عاما من الحكايات بين القصور والدراما (صور)

عمارة اليمنى بالزمالك
عمارة اليمنى بالزمالك

في زاوية هادئة من حي الزمالك، تتجاور لافتتان تبدوان عاديتين لمن يمر مسرعًا، لكنهما تختصران أكثر من قرن من تاريخ القاهرة. الأولى لوحة معدنية كتب عليها “شارع عمارة اليمنى”، وأسفلها عبارة “الأمير حلمي سابقًا”، أما الثانية فتعلو مدخل المبنى، محفورة على لوحة حجرية صغيرة تحمل اسمًا فرنسيًا-إنجليزيًا قديمًا: CHEZIREH HOUSE.

بين هاتين اللافتتين تبدأ حكاية أول عمارة سكنية عرفتها الزمالك، المبنى الذي ظل واقفًا لأكثر من 116 عامًا شاهدًا على تحولات حي كامل، انتقل من جزيرة للقصور الملكية إلى واحد من أرقى أحياء القاهرة وأكثرها ثراءً بالتراث المعماري.

 

 

 

قد يعرفها سكان المنطقة اليوم باسم «عمارة اليمني»، لكن اسمها الأصلي لا يزال منقوشًا فوق المدخل كما كان عند افتتاحها عام 1910، ليذكر كل من يرفع رأسه بأن هذا المبنى لم يكن مجرد عقار سكني، بل بداية مرحلة جديدة في تاريخ العمران المصري.

قبل العمارة… عندما كانت الزمالك مدينة للقصور

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت جزيرة الزمالك مختلفة تمامًا عن صورتها الحالية. فقد اختارها الخديو إسماعيل لتكون امتدادًا حضاريًا للقاهرة الحديثة، خاصة مع الاستعداد لافتتاح قناة السويس عام 1869، فامتلأت الجزيرة بالحدائق والقصور والفيلات الفاخرة التي سكنها أفراد الأسرة العلوية وكبار الباشوات والدبلوماسيون والأجانب.

كانت الفيلات المنفصلة هي الشكل السائد للسكن، ولم تكن فكرة العمارات متعددة الطوابق قد وصلت بعد إلى الجزيرة. لذلك ظل المشهد العمراني لعقود يعكس حياة الطبقة الأرستقراطية التي فضلت المساحات الواسعة والحدائق الخاصة.

لكن مع بداية القرن العشرين، بدأت القاهرة تنمو بوتيرة أسرع، وظهرت الحاجة إلى نموذج سكني جديد يجمع بين الرقي والاستفادة من المساحات، دون أن يفقد المكان طابعه الراقي.

 

عام 1910… ميلاد «الجزيرة هاوس»

في عام 1910 شُيدت «الجزيرة هاوس» لتصبح أول عمارة سكنية في الزمالك، فاتحةً الباب أمام عصر جديد من البناء في الجزيرة.

ولم يكن المبنى مجرد مجموعة من الشقق، بل كان مشروعًا متكاملًا يواكب أحدث معايير البناء في ذلك الوقت. وتشير إعلانات نُشرت في صحيفة The Egyptian Gazette عام 1908 إلى تسويق شقق المبنى قبل اكتماله، مع إبراز مزايا اعتُبرت وقتها قمة الرفاهية، مثل المصعد الكهربائي الحديث، وأنظمة الصرف الصحي المتطورة، وقربه من قصر الجزيرة الذي أصبح لاحقًا فندق ماريوت القاهرة.

وجود مصعد كهربائي في عمارة سكنية قبل أكثر من قرن لم يكن أمرًا مألوفًا، بل كان دليلًا على أن المبنى استهدف الطبقة الثرية، وسعى إلى تقديم مفهوم جديد للحياة في القاهرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لماذا سميت «عمارة اليمني»؟

رغم شهرتها بهذا الاسم، فإن المبنى لم يُولد به.

فالاسم الأصلي هو CHEZIREH HOUSE، وما زالت اللوحة الحجرية أعلى المدخل شاهدة على ذلك حتى اليوم.

أما اسم «عمارة اليمني» فجاء لاحقًا بسبب وقوعها في الشارع الذي يعرف اليوم باسم شارع عمارة اليمنى، والذي كان يحمل سابقًا اسم الأمير حلمي، أحد أبناء الخديو إسماعيل، وهو ما تؤكده لوحة الشارع الموجودة حتى الآن.

وهكذا أصبح المبنى يحمل في ذاكرة الناس اسم الشارع، بينما احتفظت جدرانه باسمه الأول.

عمارة تشبه الفنادق الأوروبية

يكفي أن تخطو داخل المبنى حتى تدرك أن تصميمه يختلف عن معظم عمارات القاهرة.

من الخارج، تلفت الانتباه النوافذ ذات الأقواس نصف الدائرية، والشرفات الخشبية الصغيرة، وتناسق الواجهة التي تمزج بين البساطة والزخرفة في توازن يعكس تأثيرات العمارة الأوروبية في مطلع القرن العشرين.

لكن المفاجأة الحقيقية تكمن في الداخل؛ حيث ينفتح المبنى على فناء داخلي واسع تتوسطه حديقة صغيرة، بينما تلتف حوله الطوابق في تناظر هندسي يمنح المكان إحساسًا بالرحابة والهدوء.

 

 

السلالم الرخامية، والدرابزين الحديدي المشغول، والنوافذ الخشبية التي ما زال كثير منها يحتفظ بمصراعيه الأصليين، كلها تفاصيل تمنح الزائر شعورًا بأنه داخل فندق أوروبي عريق، لا داخل عمارة سكنية في قلب القاهرة.

ولم يكن الفناء مجرد عنصر جمالي، بل جزءًا من فلسفة معمارية سبقت عصرها، إذ سمح بدخول الضوء الطبيعي والهواء إلى جميع الوحدات السكنية، في وقت كانت فيه مفاهيم التهوية الطبيعية تحتل مكانة مهمة في التصميم.

شاهد على تاريخ القاهرة

على مدار 116 عامًا، شهدت «الجزيرة هاوس» الاحتلال البريطاني، وثورة 1919، وتغير الأنظمة السياسية، والتوسع العمراني الهائل الذي عرفته العاصمة.

ورغم كل هذه التحولات، احتفظت العمارة بقدر كبير من ملامحها الأصلية، وأدرجت ضمن المباني ذات القيمة التراثية، قبل أن تخضع لأعمال ترميم أعادت إليها ألوانها وتفاصيلها المعمارية، لتستعيد جزءًا كبيرًا من رونقها القديم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من التاريخ إلى الشاشة

لم تتوقف حكاية العمارة عند حدود التاريخ والعمارة فقط، بل امتدت إلى الدراما المصرية.

فقد اختارها صناع مسلسل «أحلام سعيدة»، الذي قامت ببطولته الفنانة يسرا، لتكون أحد مواقع التصوير الرئيسية، مستفيدين من طابعها المعماري الفريد وفنائها الداخلي الذي يصعب العثور على مثيل له في عمارات القاهرة الحديثة.

وهكذا انتقلت «الجزيرة هاوس» من صفحات التاريخ إلى شاشات التلفزيون، لتتعرف عليها أجيال جديدة ربما لم تكن تعلم أنها تقف أمام أول عمارة سكنية شهدتها الزمالك.

 

في الخارج، تمر السيارات سريعًا، وتتبدل ملامح المدينة كل يوم، أما هنا فيبدو الزمن أبطأ. كل نافذة تحمل أثر من سكنها، وكل درجة رخامية شهدت مرور أجيال متعاقبة، وكل حجر يروي فصلًا من قصة الزمالك.

لهذا، لا تُعد «الجزيرة هاوس» مجرد أول عمارة سكنية في الحي، بل شهادة معمارية على لحظة ولادة الزمالك الحديثة؛ اللحظة التي خرجت فيها الجزيرة من زمن القصور المغلقة إلى مدينة نابضة بالحياة، دون أن تفقد أناقتها التي جعلتها، حتى اليوم، واحدة من أجمل بقاع القاهرة وأكثرها سحرًا.