عمرو دياب العين تعشق قبل الأذن، من «ميال» إلى «لولا البنات» الهضبة صانع الترند البصري في 40 عاما
قبل أن نبدأ في سماع أغاني عمرو دياب، اعتدنا منذ نحو أربعة عقود أن ننتظر رؤيتها أولًا، فالهضبة لم يتعامل مع الفيديو كليب باعتباره وسيلة دعائية للأغنية، بل حوّله إلى جزء من التجربة الفنية، يراهن فيه على الصورة بقدر رهانه على اللحن والكلمة، حتى أصبح واحدًا من أوائل النجوم الذين صنعوا "الترند البصري" قبل أن يولد مصطلح "الترند" نفسه.
وجاء كليب "لولا البنات" ليعيد هذا الجدل من جديد، بعدما تصدر مواقع التواصل الاجتماعي ليس فقط بسبب الأغنية، وإنما بسبب اللقطات، والإطلالات، والإخراج، والحضور النسائي الاستعراضي، ليطرح سؤالًا قديمًا يتجدد مع كل عمل جديد للهضبة: هل عمرو دياب يتشاف أكثر مما يتسمع؟
الإجابة ربما تكمن في رحلة طويلة بدأت منذ أواخر الثمانينيات.
"ميال".. بداية الرهان على الصورة
عام 1988، قدم عمرو دياب كليب "ميال"، أحد أوائل الفيديو كليبات التي لفتت الانتباه إلى أهمية الصورة في الأغنية العربية، وقتها لم تكن صناعة الكليب قد وصلت إلى ما هي عليه الآن، لكن الهضبة أدرك مبكرًا أن الجمهور يريد أن يرى الأغنية كما يسمعها، فكانت البداية التي مهدت لمرحلة جديدة.
"متخافيش".. عندما أصبح المطبخ بطلًا للكليب
في عام 1990، وبعد زواجه من الفنانة شيرين رضا، طرح عمرو دياب كليب "متخافيش"، الذي أحدث ضجة كبيرة وقتها، ليس فقط بسبب ظهور زوجته معه، وإنما لأن الكليب صُور داخل منزله في الجيزة.
المشهد الأشهر كان البيانو الموضوع داخل المطبخ، وهي فكرة بدت غريبة وغير مألوفة في ذلك الوقت، بينما كشفت شيرين رضا لاحقًا أن المنزل لم يكن قد اكتمل فرشه، وأن المخرج أعجب بالمطبخ المفتوح وقرر التصوير فيه، ليصبح واحدًا من أشهر المطابخ في تاريخ الكليبات المصرية.
ولم تتوقف الحكاية عند الكليب، إذ كشف مصمم المطبخ لاحقًا أن عمرو دياب طلب تنفيذ تصميم غير مسبوق وقتها، وهو المطبخ المفتوح على غرفة المعيشة، وهي فكرة تحولت بعد ذلك إلى موضة في البيوت المصرية.
"راجعين".. الكليب الذي نافس السينما
عام 1995، نقل عمرو دياب الفيديو كليب إلى مستوى مختلف تمامًا مع "راجعين"، الذي أخرجه طارق العريان.
لم يكن مجرد كليب، بل فيلمًا قصيرًا، شارك فيه عدد كبير من النجوم مثل طلعت زين، حسين الإمام، عزت أبو عوف، علاء ولي الدين وغادة عادل، مع استخدام واسع للجرافيك والمؤثرات البصرية، وهي أمور كانت جديدة على الجمهور وقتها.
ورغم أن الميزانية المخصصة للكليب كانت نحو 80 ألف جنيه، فإن طارق العريان أضاف من ماله الخاص ليخرج العمل بالشكل الذي ظل حديث الصحافة والجمهور لسنوات.
وقبلها كان عمرو دياب قد لفت الأنظار بكليب "ما بلاش نتكلم في الماضي"، الذي استخدم فيه خدعًا بصرية وتقنيات ظهور واختفاء لم تكن معتادة في الكليبات العربية، كما ارتبط اسمه مبكرًا بالاستعانة بعدد كبير من العارضات والموديلز، في وقت كان معظم المطربين يكتفون بالظهور منفردين.
"نور العين".. عندما أصبحت الصورة عالمية
إذا كانت الأغنية صنعت شهرة عالمية لعمرو دياب، فإن الكليب لعب الدور نفسه.
ففي "حبيبي يا نور العين" عام 1996، اختار تصوير العمل في الغردقة مع المخرج طارق العريان، مقدمًا صورة مختلفة لمصر، بمشاهد البحر والشواطئ والطبيعة، مع مشاركة ملكة جمال لبنان نيكول بردويل والعارضة لاميتا فرنجية.
نجاح الأغنية والكليب معًا أسهم في وصول عمرو دياب إلى العالمية، وحصوله لاحقًا على جائزة World Music Award كأكثر مطرب مبيعًا في الشرق الأوسط.
"عودوني".. السياحة داخل الأغنية
في 1998، واصل الهضبة تقديم الصورة كعنصر أساسي في الأغنية من خلال كليب "عودوني"، الذي تنقل بين القاهرة وأسوان ومعبد فيلة، ليقدم مشاهد جمعت بين الطبيعة والآثار المصرية، وكأن الأغنية أصبحت أيضًا نافذة للترويج لجمال مصر.
"قمرين".. العائلة تدخل المشهد
مع "قمرين" عام 1999، لم يكن اختيار الاسم عشوائيًا، بل جاء احتفالًا بولادة توأميه عبد الله وكنزي، بينما حمل الكليب طابعًا عالميًا من حيث الصورة والإيقاع، مع مزج الموسيقى الشرقية باللاتينية، ليواصل عمرو دياب تقديم أعمال تبدو أقرب للإنتاج العالمي.
"تملي معاك".. الأغنية التي تجاوزت الحدود
في عام 2000، لم تحقق "تملي معاك" نجاحًا موسيقيًا فقط، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الأغاني العربية انتشارًا حول العالم، وساعدها الكليب في ترسيخ صورة عمرو دياب كنجم عالمي، لتُعاد الأغنية بلغات عديدة في دول مختلفة.
"ولا على باله".. الصورة التي سبقت السوشيال ميديا
في 2001، عاد عمرو دياب إلى تقديم كليب يعتمد على الطاقة البصرية، مع الرقصات والعارضات والإيقاع السريع، وهو ما ظهر بوضوح في "ولا على باله"، حتى إن كواليس تصوير الكليب ما زالت تتداول على مواقع التواصل بعد أكثر من عشرين عامًا.
"ليلي نهاري".. دخول مرحلة الصورة الحديثة
مع "ليلي نهاري" عام 2004، دخل عمرو دياب مرحلة جديدة في صناعة الصورة، بالتعاون مع المخرج كاميرون كيسي، ليواكب التطور التقني في الإخراج والإضاءة والإنتاج، ويؤكد أن رهانه على الصورة لم يتوقف.
"لولا البنات".. الترند يعود
بعد أكثر من 40 عامًا من بداية مشواره، عاد عمرو دياب ليشغل مواقع التواصل عبر "لولا البنات".
الكليب لم يعتمد فقط على الأغنية، بل على الإخراج السريع، والإطلالات، والديكور، والحضور النسائي، والزوايا البصرية التي دفعت الجمهور لتداول اللقطات على نطاق واسع، حتى أصبح الحديث عن الصورة يوازي الحديث عن الموسيقى.
وبين "ليلي نهاري" و"لولا البنات"، لم يختفِ عمرو دياب عن المشهد البصري، بل واصل تطويره مع كل مرحلة، فمنذ عام 2007 وحتى 2023، طرح سلسلة من الألبومات التي حافظت على حضوره في صدارة السوق الغنائي، بداية من "الليلادي" و"وياه" و"أصلها بتفرق"، مرورًا بـ"بناديك تعالى" و"الليلة" و"شفت الأيام" و"أحلى وأحلى"، وصولًا إلى "معدي الناس" و"كل حياتي"، وخلال هذه السنوات، لم تكن الأغاني وحدها هي التي تحقق الانتشار، بل كانت الكليبات والمواد البصرية المصاحبة لها جزءًا أساسيًا من النجاح، سواء عبر مواقع الموسيقى أو مع صعود منصات التواصل الاجتماعي، ليواصل الهضبة فلسفته القديمة نفسها، وهي أن الأغنية الناجحة لا تُسمع فقط، بل تُرى أيضًا، وهو ما مهد الطريق طبيعيًا لوصوله إلى حالة الجدل الواسعة التي حققها كليب "لولا البنات" بعد أكثر من أربعة عقود من بداية مشواره.
وربما لهذا ظل عمرو دياب مختلفًا عن كثيرين من أبناء جيله؛ فهو لم ينظر إلى الفيديو كليب باعتباره ملحقًا بالأغنية، بل اعتبره عملًا فنيًا متكاملًا، لذلك، مع كل إصدار جديد، يتكرر السؤال نفسه: هل الناس تنتظر أغاني عمرو دياب لتسمعها، أم لتراها؟
والإجابة التي تؤكدها مسيرته الممتدة لأربعة عقود، أن الهضبة نجح في الجمع بين الأمرين، لكنه كان دائمًا يعرف أن العين قد تسبق الأذن أحيانًا.