فضيحة إنسانية وأخلاقية! من غزة إلى شوارع واشنطن.. تقرير أمريكي: 174 مليار دولار حولت الفلسطينيين إلى فئران تجارب لتطوير الذكاء الاصطناعي العسكري في إسرائيل
كشف تقرير أمريكي عن مسار متصاعد يربط بين حرب الإبادة الإسرائيلية على الفلسطينيين، والتطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي العسكرية، والدور الأمريكي في تمويل هذه المنظومة وتوسيع نطاق استخدامها داخل الولايات المتحدة وخارجها، ويذهب التقرير إلى أن الأراضي الفلسطينية تحولت، خلال السنوات الماضية، إلى بيئة لاختبار أنظمة مراقبة وتحليل بيانات متقدمة، قبل انتقال هذه التقنيات إلى الأسواق الأمنية العالمية وأجهزة إنفاذ القانون الأمريكية.
التقرير، الذي نشرته الكاتبة والناشطة الأمريكية بام راسل على موقع "كاونتر بانش"، يرى أن العلاقة بين الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، والتقدم الذي حققته الصناعات العسكرية الإسرائيلية في مجال الذكاء الاصطناعي، أنتجت نموذجا جديدا تتداخل فيه التكنولوجيا بالحرب، ويتحول فيه الابتكار العسكري إلى صناعة تصديرية تعتمد على الخبرة المكتسبة في ساحات القتال.
الوحدة 8200.. عقل إلكتروني لحرب الإبادة
يضع التقرير الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في صدارة هذا التحول، باعتبارها الجهة المسؤولة عن تطوير جانب كبير من أدوات الحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي المستخدمة في العمليات العسكرية.
وتعد هذه الوحدة من أكثر أجهزة الاستخبارات تطورا في مجالات جمع المعلومات الإلكترونية، والتنصت، وتحليل البيانات الضخمة، وتطوير الخوارزميات القادرة على معالجة ملايين البيانات بصورة متزامنة.
وبحسب التقرير، فإن هذه الوحدة قادت تطوير أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحويل البيانات الخام إلى قوائم أهداف عسكرية بصورة شبه آلية، بما يقلل التدخل البشري في مراحل اختيار الأهداف واتخاذ القرار.
ويشير التقرير إلى أن من أبرز هذه الأنظمة برنامج "لافندر" الذي يعتمد على تحليل كم هائل من المعلومات الشخصية والاتصالات الرقمية لإعداد قوائم بأشخاص تصنفهم الخوارزميات باعتبارهم أهدافا محتملة، إضافة إلى نظام "ذا جوسبل"، الذي يستخدم قواعد بيانات واسعة لتحديد مواقع وأهداف عسكرية بصورة سريعة.
ويرى التقرير أن اعتماد هذه الأنظمة يمثل تحولا جذريا في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد المعلومات الاستخباراتية تعتمد فقط على المحللين، بل أصبحت الخوارزميات تؤدي دورا رئيسيا في إنتاج القرارات العسكرية.
الذكاء الاصطناعي.. من جمع البيانات إلى اختيار الأهداف
يشرح التقرير أن أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية تعتمد على دمج مصادر متعددة للمعلومات، تشمل تقنيات التعرف إلى الوجوه، وتحليل استخدام الإنترنت، وتتبع النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي، وربط قواعد البيانات المختلفة داخل منصة واحدة.
وتقوم الخوارزميات بتحليل هذه البيانات، وتصنيف الأفراد وفق أنماط سلوكية واتصالاتهم وتحركاتهم، قبل إنتاج توصيات أو قوائم أهداف يمكن استخدامها في العمليات العسكرية أو الأمنية.
وتحذر الكاتبة من أن هذا النمط من استخدام الذكاء الاصطناعي يقلص مساحة الرقابة البشرية على القرارات، ويرفع احتمالات وقوع أخطاء في تحديد الأهداف نتيجة الاعتماد على بيانات غير مكتملة أو قديمة، وهو ما قد يؤدي إلى خسائر بشرية واسعة وانتهاكات للحقوق المدنية.
تمويل التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية
يربط التقرير بين هذا التطور التقني واستمرار الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، مشيرا إلى أن المساعدات الأمريكية، التي يقدرها بنحو 174 مليار دولار منذ قيام إسرائيل، أسهمت في توفير البيئة المالية اللازمة لتطوير التقنيات العسكرية والاستخباراتية الحديثة.
وبحسب التقرير، فإن هذا التمويل لم يقتصر أثره على تعزيز القدرات العسكرية الإسرائيلية، بل امتد إلى دعم تطوير أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، أصبحت لاحقا جزءا من منظومة أمنية وتجارية أوسع يجري تسويقها لدول ومؤسسات مختلفة.
وترى الكاتبة أن العلاقة بين التمويل الأمريكي والتطوير الإسرائيلي خلقت دورة متكاملة؛ إذ تمول واشنطن برامج التطوير العسكري، بينما تنتقل التقنيات الناتجة عن هذه البرامج لاحقا إلى الأسواق الأمريكية وإلى أجهزة الشرطة وإنفاذ القانون.
من ساحات فلسطين إلى الشرطة الأمريكية
لا يقتصر التقرير على الجانب العسكري، بل يشير إلى ما يصفه بالتعاون المتزايد بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وأجهزة الشرطة الأمريكية.
ويقول التقرير: إن العديد من الأجهزة الأمنية الأمريكية استفادت من الخبرات الإسرائيلية في مجالات المراقبة الرقمية، وتحليل البيانات، وإدارة الكاميرات الذكية، بل إن عناصر من الشرطة الأمريكية شاركوا في برامج تدريب داخل إسرائيل للاطلاع على هذه التقنيات.
وبحسب التقرير، فإن التكنولوجيا التي اختُبرت خلال العمليات العسكرية أصبحت لاحقا جزءا من أدوات المراقبة داخل عدد من المدن الأمريكية، من خلال أنظمة التعرف إلى المركبات، والكاميرات الذكية، وبرامج تحليل البيانات.
شركات التكنولوجيا.. حلقة الوصل
ويشير التقرير إلى أن شركات التكنولوجيا الأمريكية تؤدي دورا محوريا في هذه المنظومة، سواء عبر تطوير البرمجيات أو توفير البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ويضيف أن شركات، مثل "بالانتير"، ترتبط بتطوير أدوات لتحليل البيانات الضخمة واستخدامها في مشروعات أمنية داخل الولايات المتحدة، فضلا عن اعتمادها على مراكز بيانات ضخمة توفرها شركات تقنية كبرى.
وبعيدا عن التقرير، تعد شركة "بالانتير" إحدى أكثر الشركات التقنية الأمريكية إثارة للجدل في العالم، وذلك لأنها استطاعت تسخير قوة البيانات والذكاء الاصطناعي بشكل واضح لخدمة أهدافها العسكرية، محولة التقنية التي وجدت لتيسير حياة المستخدمين إلى أداة قتل ممنهجة ومنظمة.
وتأسست شركة "بالانتير" على يد بيتر ثيل، وهو ويعد ثيل من كبار الداعمين لحكومة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واستفادت شركته من عدة عقود خاصة منحتها له إدارة ترامب، ومن بينها عقد لتطوير منصة تتبع لتحركات المهاجرين وبناء قاعدة بيانات رئيسية لتسريع عمليات الترحيل.
ويشير تقرير سابق نشرته جريدة "نيويورك تايمز" الأمريكية إلى استثمار ملياردرير الجنس الأمريكي الراحل جيفيري إبستين أكثر من 40 مليون دولار في إحدى شركات ثيل الاستثمارية التي استثمرت لاحقا في "بالانتير".

البنية الخفية للذكاء الاصطناعي
يلفت التقرير إلى وجود تشابه بين بعض الأنظمة التي تطورها الشركات الأمريكية وتلك المستخدمة من قبل وحدة 8200، معتبرا أن تبادل الخبرات بين القطاعين العسكري والخاص أصبح أحد أبرز ملامح صناعة الذكاء الاصطناعي الأمني.
وتعد الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أكبر وحدات جمع المعلومات والاستخبارات الإلكترونية في جيش الاحتلال، وتضم آلاف المتخصصين في مجالات البرمجة والأمن السيبراني وتحليل البيانات، ويتلقى أفرادها تدريبا تقنيا مكثفا يشمل التشفير والاختراق وتحليل الاتصالات واللغات، ما يؤهلهم لتنفيذ عمليات استخباراتية وسيبرانية معقدة، وتعود جذور الوحدة إلى ما قبل تأسيس الكيان الإسرائيلي، قبل أن تتحول تدريجيا إلى أحد أبرز أذرع الحرب الإلكترونية والاستخبارات التقنية.
ونفذت الوحدة العديد من العمليات السيبرانية البارزة، من بينها الهجوم بفيروس "ستاكس نت" الذي استهدف البرنامج النووي الإيراني، والتفجيرات التي استهدفت أجهزة الاتصالات الخاصة بحزب الله، فيما اتهمت بالفشل لعدم التنبؤ بعملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023.
عقود استخباراتية ضخمة
وفي السياق، أبرمت وزارة الحرب الأمريكية ووكالات استخباراتية عقودا بمليارات الدولارات مع شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل جوجل وأمازون ومايكروسوفت وأوراكل، لتطوير البنية السحابية وإدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الشبكات العسكرية السرية ومراكز القيادة والعمليات.
كما وقعت وزارة الحرب الأمريكية عقدا بقيمة 500 مليون دولار مع شركة"سكيل إيه آي" لدعم تصنيف وتحليل البيانات وتعزيز قدرات اتخاذ القرار العسكري، في إطار توجه متسارع لتوظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات الدفاعية والاستخباراتية.
وفي إسرائيل، ترتبط الحكومة وجيش الاحتلال بشراكات استراتيجية مع شركات التكنولوجيا العالمية، أبرزها مشروع "نيمبوس" الموقع عام 2021 مع جوجل وأمازون بقيمة تتجاوز 1.2 مليار دولار لتوفير خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. كما تمتلك مايكروسوفت مراكز أبحاث وتطوير داخل إسرائيل تدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بينما أصبحت شركات مثل بالانتير وأندوريل جزءا متزايد الأهمية من البنية التحتية للحروب الحديثة، من خلال تطوير منصات لتحليل البيانات ودعم العمليات العسكرية.
وكشفت تحقيقات استقصائية أجراها صحفيون ووسائل إعلام مثل جريدة "ذا جارديان" البريطانية، ومجلة "972+" الإسرائيلية، ذات التوجهات اليسارية، أن المشروع وفر لجيش الاحتلال والأجهزة الأمنية الإسرائيلية قدرات متقدمة في الحوسبة السحابية وخدمات الذكاء الاصطناعي، مما سهل عمليات معالجة وتحليل كميات هائلة من البيانات البنيوية والميدانية، وسط اتهامات للشركتين (جوجل وأمازون) بالتواطؤ في توفير البنية التحتية التقنية للعمليات العسكرية الإسرائيلية، وتسهيل آليات المراقبة وجمع البيانات.

مراكز البيانات وتقييد الخصوصية
يخصص التقرير مساحة للحديث عن مراكز البيانات، معتبرا أنها تمثل البنية الأساسية التي تعتمد عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
ويشير إلى أن تشغيل النماذج المتقدمة يتطلب قدرات حوسبة هائلة واستهلاكا كبيرا للطاقة، الأمر الذي أدى إلى توسع سريع في إنشاء مراكز بيانات ضخمة داخل ولايات أمريكية عدة، من بينها نيفادا؛ حيث تسهم في توسيع قدرات المراقبة الحكومية الأمريكية عبر تخزين وتحليل كميات غير مسبوقة من البيانات، بحسب راسل.
مستقبل الحروب الرقمية
يخلص التقرير إلى أن القضية لم تعد تقتصر على الحرب في غزة أو الضفة الغربية المحتلة، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية والأمنية على مستوى العالم.
فمع تزايد الاعتماد على الخوارزميات في اتخاذ القرارات الحساسة، تتصاعد المخاوف بشأن الشفافية والمساءلة، وإمكانية تحول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى أدوات لاتخاذ قرارات قد تمس حياة البشر دون رقابة بشرية كافية، وفق التقرير.
وترى الكاتبة والناشطة الأمريكية بام راسل أن "التطور المتسارع لهذه التقنيات يفرض تحديات قانونية وأخلاقية متزايدة، سواء فيما يتعلق بحماية الخصوصية والحقوق المدنية، أو بضمان عدم تحول ساحات النزاعات المسلحة إلى مختبرات مفتوحة لتطوير تقنيات قد يعاد استخدامها لاحقا في مراقبة المجتمعات حول العالم".
نقلا عن العدد الورقي