فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الوزارة المفقودة، وزير غير متخصص أسير للمستشارين.. غياب المايسترو أفقد "الزراعة واستصلاح الأراضي" هويتها.. مراكز الإرشاد ينعق فيها البوم.. الفلاح البسيط خارج نطاق الخدمة.. وخبراء: تحتاج إصلاحًا مؤسسيا

وزير الزراعة علاء
وزير الزراعة علاء فاروق، فيتو

لم تعد أزمة الزراعة في مصر مجرد أرقام عن تراجع مساحات محصول، أو ارتفاع أسعار الأسمدة، أو انخفاض عائد الفلاح، بل تحولت إلى حالة من الجدل الواسع بين خبراء القطاع، الذين يرون أن جذور الأزمة أعمق بكثير، وتمتد إلى غياب التخطيط، وتراجع الإرشاد الزراعي، وتفكك منظومة التعاونيات، وغياب سياسة زراعية واضحة ترشد الفلاح وتحميه من تقلبات السوق.

ومن هذا المنطلق، فتحت "فيتو" هذا الملف الشائك، واستمعت إلى شهادات عدد من أبرز أساتذة الزراعة والمسؤولين السابقين بوزارة الزراعة، إلى جانب أحد أشهر الفلاحين في مصر، لرصد أسباب ما يعتبرونه تراجعًا في أداء القطاع، وكشف كواليس ملفات ظلت محل نقاش لسنوات، من دودة الحشد، وانهيار الإرشاد الزراعي، وتراجع دور الجمعيات، وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى أزمة تسويق المحاصيل، وإسناد إدارة القطاع لغير المتخصصين.

الوزير المناسب

البداية مع الدكتور شعبان سالم، أستاذ الاقتصاد الزراعي ورئيس قطاع الشؤون الاقتصادية السابق بوزارة الزراعة، الذي يرى أن أول خطوة لإعادة وزارة الزراعة إلى مكانتها الطبيعية تبدأ من اختيار القيادة المناسبة، مؤكدًا أن منصب وزير الزراعة يجب ألا يتولاه شخص بعيد عن القطاع الزراعي كما حدث في السنوات الأخيرة وما ترتب عليه من آثار سيئة.

ويؤكد رئيس قطاع الشؤون الاقتصادية السابق أن النهوض بالقطاع الزراعي لن يتحقق إلا بإعادة النظر في مجمل السياسات الزراعية التي جرى تطبيقها خلال السنوات الماضية، مضيفا: «لن نضحك على أنفسنا، يجب أن نقول الحقيقة كما هي، القطاع الزراعي لم يشهد التقدم الذي كنا نأمله، والفلاح أصبح خارج دائرة الاهتمام، بينما اتجهت السياسات بصورة أكبر إلى دعم المستثمرين والكيانات الكبرى، في حين أن الفلاح الصغير هو الذي يتحمل عبء تحقيق الأمن الغذائي للمصريين».

ويضيف إن استمرار هذه السياسة لن يؤدي إلى تحقيق الأمن الغذائي، لأن أساس أي نهضة زراعية يبدأ بدعم المنتج الصغير، وتوفير مقومات الإنتاج له، وليس تركه يواجه السوق بمفرده، معتبرا أن إصلاح منظومة التعاونيات الزراعية هو أسرع طريق لتصحيح مسار القطاع، ويقول إن التعاونيات كانت في الماضي تمثل العمود الفقري للزراعة المصرية، لكنها فقدت دورها بالكامل، مطالبًا بإعادة هيكلتها من الصفر.

ويضيف: «التعاونيات بصورتها الحالية لا تصلح، وبحاجة إلى إصلاح مؤسسي كامل، لأن عليها يقع العبء الأكبر في توفير مستلزمات الإنتاج، وتنظيم العلاقة مع الفلاح، والمساهمة في تسويق المحاصيل، لكن الواقع الحالي يؤكد أنها لم تعد تؤدي هذا الدور».

«الفلاح هو اللي بيأكل مصر»

ويشدد سالم على أن الفلاح هو المسؤول الأول عن الأمن الغذائي في مصر، ولذلك يجب إعادة النظر في منظومة مدخلات الإنتاج بالكامل، ويطالب بمراجعة سياسات تسعير الأسمدة والتقاوي والمبيدات، مؤكدًا أن ارتفاع تكلفتها أصبح يمثل عبئًا هائلًا على المزارعين، كما ينتقد ما يصفه بتضارب الأولويات، موضحًا أن الدولة تسعى للحصول على العملة الأجنبية من خلال تصدير الأسمدة والغاز، بينما ينعكس ذلك على تراجع توافر الأسمدة المدعمة للفلاح.

ويستعيد سالم عددًا من المشروعات الزراعية التي نفذتها الوزارة في سنوات سابقة، مثل مشروع الإنتاج الزراعي والائتمان، ومشروع إصلاح السياسات الزراعية، وغيرها من البرامج التي يرى أنها أحدثت طفرة حقيقية في الإنتاج.

ويضيف إن تلك التجارب ينبغي إعادة دراستها والاستفادة منها مرة أخرى، مؤكدًا أن القطاع الزراعي تراجع كثيرًا مقارنة بما حققه في فترات سابقة.

«البحوث الزراعية بتموت»

وينتقل سالم إلى ملف البحث العلمي، معتبرًا أنه من أخطر الملفات داخل الوزارة ويقول إن ميزانيات المراكز البحثية لم تشهد التطوير الكافي، كما أن وقف التعيينات في الكادر البحثي منذ سنوات طويلة أدى إلى أزمة حقيقية، مضيفا: عدم تعيين مساعدين للباحثين أو باحثين جدد منذ عام 2013 خلق فجوة كبيرة داخل الهيكل العلمي، محذرًا من أن السنوات المقبلة قد تشهد نقصًا حادًا في الكوادر البحثية.

«المسار الزراعي هيودينا في داهية»

يؤكد سالم أن المسار الحالي للقطاع الزراعي يقود إلى نتائج خطيرة ويرى أن الحديث عن تحقيق الصوب الزراعية طفرة إنتاجية، خاصة في الفترات الفاصلة بين العروات، لا يستند ــ بحسب رأيه ــ إلى أساس علمي أو نتائج واقعية مثبتة، مضيفا: القطاع بحاجة إلى مراجعة شاملة، تبدأ بإعادة صياغة السياسات الزراعية، وربط كليات الزراعة بالمراكز البحثية، وربط هذه المراكز بالمشكلات الفعلية التي يواجهها الفلاح في الحقل.

مشروع البتلو.. «راجعوا الأرقام»

ويطالب سالم بإعادة تقييم مشروع البتلو، داعيًا إلى مقارنة حجم الأموال التي أُنفقت مع أعداد الرؤوس التي جرى تمويلها، منوها إلى أن هذه المقارنة ستكشف حجم العائد الحقيقي للمشروع، معتبرًا أن الأرقام المعلنة إعلاميًا تحتاج إلى مراجعة دقيقة لقياس كفاءة الإنفاق وتحقيق الأهداف.

ويضيف أن الهيكلة التي شهدتها الوزارة خلال السنوات الأخيرة تحتاج إلى تقييم حقيقي، متسائلًا عن الأهداف التي حققتها، وما إذا كانت انعكست بالفعل على أداء القطاع.

يستطرد “سالم”:  النهوض بالقطاع الزراعي لن يتحقق إلا من خلال إعادة صياغة شاملة للسياسات الزراعية وإصلاح المؤسسات العاملة في القطاع، مشددًا على أن منصب وزير الزراعة يفضل أن يتولاه أحد أبناء القطاع الزراعي ممن يمتلكون رؤية وخبرة، لأن طبيعة الملف تحتاج إلى فهم متعمق لتفاصيله.

وأوضح سالم أن الوزير في النهاية يتولى منصبًا سياسيًا، لكن نجاحه يرتبط بوجود رؤية واستراتيجية واضحة وفريق فني قوي قادر على تنفيذها ومتابعتها أيا كانت خلفيته العلمية، سواء كان خريج زراعة أو تجارة أو آداب، مع تأكيده أن الأفضل أن يكون الوزير من داخل القطاع الزراعي، مستشهدًا بالدكتور يوسف والي باعتباره نموذجًا ناجحًا، إذ كان يركز منذ توليه المسؤولية على ملفي التقاوي وتطوير الري، وهو ما انعكس على تحقيق طفرات في استنباط الأصناف الجديدة، مؤكدًا أن مركز البحوث الزراعية يجب أن يكون الذراع الفني الحقيقي لوزير الزراعة، ومحذرًا بقوله: "ما لم ينهض قطاع البحوث الزراعية قول على الدنيا السلام".

"المسار الزراعي هيودينا في داهية".. والاستراتيجيات لم تنفذ

وقال سالم إن "المسار الزراعي في مصر هيودينا في داهية"، مؤكدًا أن الحديث عن تحقيق مشروعات الصوب الزراعية طفرة في الإنتاجية، خاصة خلال الفواصل بين العروات، لا يستند إلى أساس علمي أو واقعي ولم تثبت جدواه، مطالبًا بإعادة النظر في كل ما يتعلق بالقطاع الزراعي وإعادة صياغة السياسات من جديد، لأن كليات الزراعة أصبحت منفصلة تمامًا عن المراكز البحثية، والمراكز البحثية بدورها منفصلة عن مشكلات القطاع الزراعي، كما أن استراتيجية الزراعة الصادرة عام 2009 لم ينفذ منها شيء، وكذلك تحديثها لم يطبق، مضيفًا بالعامية: "الدنيا مش صح وإحنا مش ماشيين في الطريق الصح".

الفلاح أُهمل بعد ثورة 30 يونيو.. والدولة انحازت للمستثمرين

وأكد رئيس قطاع الشؤون الاقتصادية السابق أن الملف الزراعي لم يشهد تقدمًا حقيقيًا منذ ثورة 30 يونيو، قائلًا إن الفلاح تم تهميشه بالكامل، مضيفًا: "لن نضحك على بعض ولكننا نقول الحقيقة، الملف الزراعي كله لم يحدث فيه أي تقدم منذ الثورة وأُهمل الفلاح تمامًا." وأشار إلى أن الدولة اتجهت إلى دعم المستثمرين والكيانات الكبرى على حساب الفلاح، وهي سياسة لن تحقق الأمن الغذائي، لأن الفلاح هو المسؤول الحقيقي عن توفير الغذاء للمصريين، قائلًا: "الفلاح هو من يؤكل مصر كلها".

دعم الأسمدة والتقاوي ضرورة لتحقيق الأمن الغذائي

وشدد سالم على ضرورة إعادة النظر في سياسات مستلزمات الإنتاج الزراعي، وعلى رأسها الأسمدة والتقاوي، موضحًا أن هناك تضاربًا واضحًا في الأهداف، فالدولة تسعى إلى توفير العملة الصعبة من خلال تصدير الغاز والأسمدة، وفي الوقت نفسه يتأثر توافر الأسمدة المدعمة للفلاحين، مؤكدًا أن هذا ليس الطريق الصحيح، وأن تحقيق الأمن الغذائي يتطلب دعم الأسمدة والتقاوي وإعطاء المزارع كامل حقوقه.

التعاونيات الزراعية تحتاج إصلاحًا جذريًا

واعتبر أن إصلاح التعاونيات الزراعية يمثل المدخل الحقيقي لتصحيح مسار الزراعة في مصر، قائلًا إن التعاونيات بحاجة إلى إصلاح مؤسسي كامل، وأضاف بالعامية: "التعاونيات محتاجة تتخلص من كل الموجودين فيها حاليًا." وأوضح أن المشكلة ليست في فكرة التعاونيات، وإنما في الهيكل الإداري وطريقة الإدارة والكوادر الموجودة حاليًا.

الهيكلة الجديدة للوزارة "شخابيط"

كما انتقد الهيكلة الجديدة لوزارة الزراعة، واصفًا إياها بأنها "شخابيط"، متسائلًا عن الأهداف التي حققتها، قائلًا: "اللي عملها هيتحاسب أمام ربنا، أنت بتعمل هيكل علشان يتماشى مع الأهداف اللي عايز تحققها، طب إيه الأهداف؟ عملتوا إيه من الهيكلة اللي بقالها كام سنة؟"

انفصام بين قطاعات وزارة الزراعة

وأشار إلى وجود انفصال كامل بين قطاعات الوزارة، موضحًا أن قطاعات الإنتاج الحيواني وصحة الحيوان والتربية والأعلاف والأمصال واللقاحات تعمل كل منها بمعزل عن الآخر، بينما يفترض أن تعمل جميعها وفق خطة واحدة لتحقيق التنمية.

40 % من الخضر والفاكهة تتحول إلى فاقد

وكشف سالم أن 40% من إنتاج مصر من الخضر والفاكهة يتحول إلى فاقد بسبب ضعف التصنيع الغذائي، واصفًا هذا القطاع بأنه "متخلف تخلفًا كبيرًا جدًا"، مضيفًا: "كل همنا نصدر، والباقي نجيبه السوق المحلي يبوظ ويتلف ويتفعص ويترمي في الزبالة." وأكد أن التصنيع الغذائي هو الحلقة المفقودة التي يجب أن تربط بين وزارتي الزراعة والصناعة.

التعداد الزراعي.. "رمانة الميزان" الغائبة منذ 2010

وانتقد توقف تنفيذ التعداد الزراعي، موضحًا أن مصر لم تجر أي تعداد منذ عام 2010، رغم توفير 80 مليون جنيه لتنفيذه خلال عامي 2020 و2021، إلا أن المشروع لم ينفذ، مؤكدًا أن التعداد الزراعي يمثل "رمانة الميزان" لأنه يقدم صورة شاملة عن جميع موارد وإمكانات القطاع الزراعي، مضيفًا: "التعداد الزراعي هو أشعة كاملة على جسم الزراعة".

الجمعيات الزراعية فقدت كوادرها الفنية

وأضاف أن الجمعيات الزراعية في القرى أصبحت تعاني نقصًا شديدًا في الكوادر الفنية، قائلًا: "الجمعية الزراعية من يديرها موظف بدبلوم والده كان مديرًا." وأوضح أن منظومة الإرشاد الزراعي في الثمانينيات كانت أكثر كفاءة وأسهمت في تحقيق طفرة حقيقية.

الأراضي القديمة لا تزال تطعم 80% من المصريين

واختتم سالم تصريحاته بالتأكيد على أن استصلاح الأراضي الجديدة يساهم في زيادة الإنتاج، لكنه لا يمكن الاعتماد عليه وحده لتحقيق الأمن الغذائي، مشددًا على أن الأراضي الزراعية القديمة في الدلتا لا تزال مسؤولة عن إطعام نحو 80% من المجتمع المصري، ولذلك يجب أن تتصدر أولويات الدولة في أي استراتيجية زراعية مستقبلية.


نادر نور الدين: "الزراعة من غير مايسترو".. والفلاح بيزرع على أمل السنة اللي فاتت وبيصحى على خسائر ومديونيات
 


من جانبه شن الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الزراعة والموارد المائية بكلية الزراعة جامعة القاهرة، هجومًا حادًا على أداء وزارة الزراعة، معتبرًا أنها ابتعدت عن دورها الأساسي في خدمة الفلاحين وإدارة المنظومة الزراعية، محذرًا من استمرار خسائر المزارعين وتراجع المحاصيل الاستراتيجية نتيجة غياب التخطيط والإرشاد الزراعي، وإسناد إدارة القطاع إلى مسؤولين من خارج التخصص.

الوزارة انشغلت بملفات أخرى وتركت الفلاح يواجه الأزمات

أكد نور الدين أن وزارة الزراعة أصبحت منشغلة بملفات بعيدة عن جوهر عملها، بينما تُرك الفلاح يواجه الأزمات منفردًا، قائلًا إن الوزارة "متفرغة لنقل الأصول وغيرها"، في حين تتراكم مشكلات المزارعين عامًا بعد آخر دون حلول حقيقية.

وأشار إلى أن استمرار أزمة دودة الحشد منذ ثلاث سنوات يكشف خللًا واضحًا في إدارة الملف الزراعي، خاصة أن الحشرة ليست جديدة ومعروفة عالميًا، ومع ذلك ما زالت تدمر محصول الذرة لدى المزارعين.

غياب "المايسترو" وراء انهيار أسعار المحاصيل

اعتبر أستاذ الزراعة أن القطاع الزراعي يفتقد "المايسترو" الذي يوجه حركة الزراعة طبقًا لاحتياجات السوق، موضحاأن ارتفاع صادرات الفراولة العام الماضي دفع آلاف المزارعين للتوسع في زراعتها، بل وارتفعت إيجارات الأراضي بمحافظة البحيرة إلى نحو 50 ألف جنيه للفدان، قبل أن تنهار الأسعار هذا الموسم إلى نحو 10 جنيهات في الحقل، وهو ما تسبب - بحسب قوله - في مديونيات ضخمة وانتحار بعض المزارعين لعجزهم عن سداد الديون.

وأضاف أن السيناريو نفسه تكرر مع البصل والبطاطس، بعدما دفعت الأسعار المرتفعة قبل عامين المزارعين إلى زيادة المساحات المزروعة، لكن مع عودة الإنتاج الهندي للأسواق انهارت الأسعار إلى نحو 3 جنيهات للكيلو في أرض المزرعة، ليتحمل الفلاح وحده الخسائر.

الإرشاد الزراعي غائب عن مواجهة دودة الحشد

أكد نور الدين أن الإرشاد الزراعي فقد دوره الحقيقي، موضحًا أنه لم تصدر أي توصيات للمزارعين بشأن أصناف الذرة الأكثر مقاومة لدودة الحشد أو كيفية الحد من انتشارها، وأضاف أن دور الإرشاد لا يقتصر على مقاومة الآفات، وإنما يشمل أيضًا تنظيم المساحات المزروعة للمحاصيل المختلفة بما يمنع انهيار الأسعار ويحافظ على الموارد المائية.

تراجع القصب "مأساة" تهدد الصعيد

ووصف تراجع مساحات قصب السكر من نحو 330 ألف فدان إلى 170 ألفًا بأنه "مأساة حقيقية"، مؤكدًا أن القصب هو المحصول الأنسب لظروف الصعيد المناخية، نظرًا لتحمله درجات الحرارة المرتفعة وقلة احتياجاته للخدمة اليومية مقارنة بمحاصيل الخضر والفاكهة، وأشار إلى أن فدان القصب ينتج ما يعادل إنتاج فدانين ونصف من بنجر السكر، محذرًا من إحلال البنجر محل محاصيل استراتيجية مثل الفول والعدس والحمص، وهو ما أدى إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد.

اختفاء القطن.. لماذا لا نزرع قصير التيلة؟

تساءل نور الدين عن أسباب استمرار التوسع في القطن طويل التيلة فقط، رغم أن مصر تستورد معظم احتياجاتها من القطن قصير التيلة واقترح التوسع في زراعة القطن قصير التيلة في الصعيد، لملاءمته للمناخ الحار والجاف، مع الإبقاء على طويل التيلة في الدلتا، مشيرًا إلى أن مساحة القطن تراجعت إلى نحو 170 ألف فدان، بعدما كانت 330 ألفًا قبل عامين، بينما تجاوزت في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر 2.5 مليون فدان.

مدخلات الإنتاج تضاعفت والفلاح أصبح الخاسر الوحيد

أكد أن الفلاح يعاني من ارتفاع غير مسبوق في تكلفة الإنتاج، لافتًا إلى أن تقاوي البطاطس ارتفعت من 5 آلاف جنيه للفدان إلى 80 ألف جنيه، كما ارتفعت أسعار الأسمدة من 300 جنيه للشيكارة إلى ما بين 1300 و1500 جنيه وأضاف أن الدولة تركت سوق المبيدات والتقاوي للتجار بعد خروجها من منظومة التوزيع، وهو ما زاد الأعباء على المزارعين.

وزير غير متخصص يصبح أسيرًا للمستشارين

انتقد نور الدين إسناد وزارة الزراعة إلى مسؤولين من خارج التخصص، مؤكدًا أن الوزير غير المتخصص يضطر للاعتماد بالكامل على مساعديه ومستشاريه.

وقال إن الوزير المتخصص يمتلك القدرة على تقييم صحة المعلومات، بينما غير المتخصص يصبح أسيرًا لما يقدمه له المحيطون به، محذرًا من أن ذلك قد يؤدي إلى قرارات خاطئة تضر بالقطاع.

وأضاف أن أحد مستشاري الوزارة استمر في منصبه لنحو عشرين عامًا، وتعامل مع نحو خمسة عشر وزيرًا، معتبرًا أن استمرار الأشخاص أنفسهم دون مراجعة يمثل أحد أسباب الأزمة.

مثال من أسوان.. المتخصص وحده يعرف التفاصيل

روى نور الدين واقعة لمسؤول غير متخصص كان يعتزم زراعة نخيل البلح الأحمر والأصفر في أسوان، موضحًا أنه نصحه بعدم تنفيذ الفكرة لأن هذه الأصناف لا تناسب مناخ الصعيد، الذي يناسبه البلح الجاف ونصف الجاف، معتبرًا أن مثل هذه التفاصيل لا يعرفها إلا المتخصصون.

البحث العلمي والإرشاد يشيخان بلا دماء جديدة

حذر من أن وقف التعيينات في الجامعات والمراكز البحثية والإرشاد الزراعي طوال سنوات أدى إلى نقص شديد في الكوادر الشابة، وأشار إلى أن الأساتذة الذين بلغوا سن التقاعد يمثلون نحو 70% من القوة التدريسية بكلية الزراعة جامعة القاهرة، بينما تعاني مراكز البحوث الزراعية والإرشاد الزراعي من الأزمة نفسها، ما يهدد مستقبل القطاع.

رسالة أخيرة: الزراعة يجب أن تصبح مهنة مربحة

اختتم نور الدين تصريحاته بالتأكيد على أن الهدف الأول لأي سياسة زراعية يجب أن يكون إعادة الربحية إلى الزراعة، محذرًا من أن استمرار خسائر الفلاحين سيدفع المزيد منهم إلى هجر الأرض، بما يهدد الأمن الغذائي ويرفع معدلات الفقر في الريف.

 

د. نادر نور الدين، فيتو
د. نادر نور الدين، فيتو

 

محمود عطا: "وزارة الزراعة خرجت من الخدمة".. والمكنة بتدور من غير ما تطلع طحين

وصف المهندس محمود عطا، رئيس الإدارة المركزية السابق للبساتين والمحاصيل الزراعية بوزارة الزراعة، ملف الزراعة في مصر بأنه "خطير جدًا وشائك"، مؤكدًا أن وزارة الزراعة، رغم تاريخها العريق وأهميتها، لم يعد لها تأثير حقيقي وملموس على الواقع الزراعي كما كان في السابق، وأوضح أن الوزارة كانت تمتلك أدوات قوية لإدارة القطاع ومتابعة الفلاحين، إلا أن هذه الأدوات تراجعت تدريجيًا حتى فقدت فاعليتها، وهو ما انعكس على أداء المنظومة الزراعية بالكامل.

300 مركز إرشاد كانت عين الوزارة في القرى

وأشار إلى أن وزارة الزراعة أنشأت خلال تسعينيات القرن الماضي ما يقرب من 300 مركز للإرشاد الزراعي، بحيث يخدم كل مركز سبع قرى على الأقل، ويضم متخصصين في المحاصيل الحقلية والبستانية والإنتاج الحيواني والتنمية الريفية.

وأضاف أن تلك المراكز كانت تضم قاعات للاجتماعات والمحاضرات، وحقولًا ونماذج إرشادية لتدريب الفلاحين عمليًا، كما كانت ترصد المساحات المنزرعة وأنواع المحاصيل ومشكلاتها، وترفع تقارير دورية إلى الوزارة، بما يتيح وضع سياسات مبنية على معلومات دقيقة عن الواقع الزراعي.

وأكد أن منظومة الإرشاد الزراعي كانت تمثل حلقة الوصل بين البحث العلمي والفلاح، وأسهمت في رفع الإنتاجية ونشر التوصيات الفنية داخل القرى.

"ينعق بها البوم".. هكذا أصبحت مراكز الإرشاد

وقال عطا إن الصورة تغيرت تمامًا خلال السنوات التسع الأخيرة، مضيفًا أن مراكز الإرشاد الزراعي أصبحت ـ على حد وصفه ـ "ينعق بها البوم"، بعدما توقفت عن أداء دورها بالكامل.

وأوضح أنها لم تعد تضم جهازًا وظيفيًا قادرًا على العمل، كما تفتقر إلى خدمات الإنترنت والهواتف، فضلًا عن تهالك الأجهزة السمعية والبصرية التي أصبحت خارج الخدمة، لتتحول إلى مبانٍ بلا دور حقيقي.

الإرشاد الزراعي كان فكرة عبقرية.. لكن الإدارة أخرجته من الخدمة

وأكد أن الأفكار الناجحة لا تأتي بالمصادفة، وإنما تقوم على رؤية علمية قابلة للتطبيق، مشيرًا إلى أن منظومة الإرشاد الزراعي كانت من أنجح الأفكار التي طبقتها وزارة الزراعة وحققت نتائج ملموسة على أرض الواقع وأضاف أن توقف هذه المنظومة دون تطوير أو بديل يمثل، من وجهة نظره، فشلًا إداريًا أفقد الوزارة أهم أدواتها في توجيه الفلاحين وربطهم بالبحث العلمي.

كارت الفلاح.. ملايين أُنفقت والنتيجة محل تساؤل

وانتقد عطا منظومة كارت الفلاح الذكي، موضحًا أن الدولة أنفقت ملايين الجنيهات لإنشائه بهدف إحكام الرقابة على توزيع الأسمدة المدعمة ومنع التلاعب فيها وتساءل: إذا كانت هناك رؤية بحرمان المحاصيل البستانية من الأسمدة المدعمة، فلماذا أُنفقت هذه الملايين على إنشاء الكارت؟ وما جدواه إذا لم ينجح في القضاء على الفساد داخل منظومة الأسمدة المدعمة؟

الجمعيات الزراعية فقدت دورها التاريخي

وانتقد رئيس الإدارة المركزية السابق أوضاع الجمعيات الزراعية، متسائلًا عما إذا كانت لا تزال جمعيات تعاونية يديرها الفلاحون، أم أنها أصبحت مجرد كيانات إدارية بلا دور وأشار إلى أن مجالس إدارات كثير من الجمعيات تفتقر إلى الرؤية، ولا تمارس دورها الحقيقي، الأمر الذي أفقد الجمعيات قيمتها في خدمة الفلاح.

وأضاف أن الجمعيات الزراعية في الماضي كانت توفر الأسمدة والمبيدات والتقاوي والأعلاف، كما كانت تتولى شراء المحاصيل وتسويقها وتحقيق أرباح يعود جزء منها إلى أعضاء الجمعية العمومية، بينما أصبحت اليوم ـ بحسب وصفه ـ "خرجت من الخدمة".
 

دور الوزارة أصبح بيانات إعلامية لا إدارة للأزمات

أكد المهندس محمود عطا أن الدور الحقيقي لوزارة الزراعة يتمثل في الإشراف المالي والإداري والفني على الجمعيات الزراعية، ووضع الخطط والاستراتيجيات التي تضمن استمرارها في خدمة الفلاح، إلا أن هذا الدور لم يعد يُمارس بالشكل المطلوب خلال السنوات الأخيرة.

وقال إن الوزارة عند وقوع أي أزمة تكتفي بإصدار بيانات إعلامية، مضيفًا: "ما الذي تفعله الوزارة في أي أزمة؟ في النهاية تصدر بيانًا إعلاميًا، مثل بيانات الشجب والإدانة والاستنكار، أما ردود الفعل على أرض الواقع فمع الأسف الشديد صفر".

وأشار إلى أن الوزارة تضم كوادر علمية وخبرات كبيرة على أعلى مستوى من الكفاءة والثقافة والرؤية، إلا أن أصحاب هذه الخبرات ليسوا أصحاب القرار، بينما تتركز سلطة اتخاذ القرار في يد الوزير وحده، معتبرًا أن ذلك يعكس غياب العمل المؤسسي وسيطرة الإدارة الفردية.

"المكنة بتدور من غير ما تطلع طحين"

وتحدث عطا عن إسناد وزارة الزراعة إلى مسؤولين من خارج التخصص الزراعي، موضحًا أنه لا يعترض من حيث المبدأ على أن يتولى الوزارة شخص ذو خلفية سياسية إذا كان قادرًا على إدارة الملف بالاعتماد على أهل الخبرة وأضاف أن المشكلة تكمن في أن الوزارة، بحسب قوله، تُدار منذ أكثر من تسع سنوات بواسطة مسؤولين من خلفية مصرفية، دون أن ينعكس ذلك على نتائج ملموسة في القطاع الزراعي وقال: "المكنة بتدور دون أن تستخرج طحين.. وزارة الزراعة خرجت من الخدمة الحقيقية".

إسناد الوزارة لغير المتخصصين عمّق الأزمة

واعتبر رئيس الإدارة المركزية السابق أن إسناد وزارة الزراعة لشخصيات من خارج التخصص كان أحد أهم أسباب الأزمة، مؤكدًا أن الوزير الحالي لا يتعامل مع المشكلات باعتبارها قضايا فنية تحتاج إلى رأي المتخصصين.وأضاف أن الوزير، من وجهة نظره، يرى نفسه "الملهم الأوحد والأذكى والأفضل"، وهو ما يقلل من الاستفادة بخبرات الكفاءات الموجودة داخل الوزارة وتابع أن هذه السمات تظهر لدى بعض الأشخاص عندما يصلون إلى مواقع قيادية بصورة مفاجئة، وهو ما ينعكس سلبًا على أسلوب إدارة المؤسسات.

"لو جبت حد يدمر الزراعة.. مش هينجح زيهم"

ووجّه عطا انتقادات حادة لأداء الوزير الحالي وسلفه، معتبرًا أنهما مسؤولان عن تراجع أداء وزارة الزراعة خلال السنوات الماضية.

وقال: "الحقيقي أن الوزير الحالي والوزير السابق استطاعا أن يفشلا وزارة الزراعة، والغريب أنه لو جئت بشخص ودفعت له مبالغ طائلة لتدمير القطاع الزراعي، لن ينجح مثلما نجح كلا الوزيرين".

وأشار إلى أن الوزير السابق أصبح رئيسًا للجنة الزراعة بمجلس النواب، بينما ما زالت المشكلات التي شهدها القطاع قائمة دون حلول حقيقية، بحسب وصفه.
"آخر 8 سنوات كانت معاناة".. وسياسات الزراعة اختفت

قال المهندس محمود عطا إنه يتحدث من واقع خبرته كمسؤول سابق بوزارة الزراعة، مؤكدًا أن السنوات الثماني الأخيرة كانت من أصعب الفترات التي عاشها داخل الوزارة.

وأضاف: "أنا كخبير زراعي ومسؤول سابق في وزارة الزراعة، آخر 8 سنوات كانت بالنسبة لي معاناة، وتعاملت مع مفردات غريبة وعجيبة لم تشهدها وزارة الزراعة من قبل".

وأوضح أنه لا ينحاز إلى أشخاص أو أسماء بعينها، وإنما إلى وجود سياسة زراعية واضحة ومستقرة، قائلًا: "أنا لا أتحيز لعهد الدكتور يوسف والي أو لأي عهد آخر، لكني أتحيز للسياسة".

"يوسف والي كان عنده سياسة واضحة"

وأشار عطا إلى أن الوزير الأسبق الدكتور يوسف والي كان يمتلك سياسة زراعية محددة المعالم، كما أن السنوات التي أعقبت عام 2011 شهدت وجود أرضية مشتركة للعمل داخل القطاع الزراعي، وهو ما ساعد على استمرار العديد من البرامج التي تخدم الفلاحين.وأوضح أن من أبرز هذه السياسات التوسع في الحقول الإرشادية داخل القرى، بحيث تضم كل قرية حقلًا إرشاديًا أو أكثر، إلى جانب توفير الأسمدة المدعمة والتقاوي والمبيدات بأسعار مناسبة للمزارعين.وأكد أن تلك السياسات كانت تمنح الفلاح رؤية واضحة، وتسهم في زيادة الإنتاج وتحسين جودة المحاصيل.

 

د. يوسف والي، فيتو
د. يوسف والي، فيتو

"لم يعد هناك سياسة زراعية ترشد الفلاح"

وانتقد رئيس الإدارة المركزية السابق غياب السياسة الزراعية في الوقت الحالي، مؤكدًا أن الفلاح أصبح يزرع دون توجيه أو خطة واضحة من الدولة.

وقال إن الفلاح البسيط لا يحتاج إلى شعارات، وإنما يحتاج إلى سياسة زراعية واضحة تجيب عن أسئلة محددة، هي: ماذا أزرع؟ وكيف أزرع؟ ومن أين أحصل على مستلزمات الإنتاج؟ وبأي سعر سأبيع محصولي؟

وأضاف أن دور الدولة يجب أن يبدأ من توجيه الفلاح نحو المحاصيل المطلوبة، ثم توفير التقاوي والأسمدة والمبيدات من خلال الجمعيات الزراعية، مع إعلان سعر شراء المحصول قبل بداية الموسم.

"ازرع الذرة... وأنا أشتري منك بالسعر ده"

واختتم عطا تصريحاته بالتأكيد على أن الفلاح يحتاج إلى ضمانات حقيقية قبل الزراعة، موضحًا أن الدولة إذا أرادت التوسع في محصول مثل الذرة، فعليها أن تخاطب الفلاح بوضوح وتقدم له ضمانات.

 

"أحسن فلاح في مصر": الدولة رفعت إيديها عن الفلاح.. وبنزرع وإحنا ونصيبنا

أكد الحاج عفيفي نايل، الملقب بـ"أحسن فلاح في مصر"، أن الفلاح أصبح يواجه الزراعة وحده في ظل غياب الدعم والإرشاد، قائلًا إن الدولة "رفعت إيديها عن الفلاح في كل شيء"، وأصبح المزارع يزرع دون أن يعرف ما إذا كان سيحقق ربحًا أم يتحمل خسائر جديدة، مضيفا: "استمرار هذا الوضع يدفع كثيرًا من الفلاحين إلى التفكير في هجر الأرض الزراعية، موضحًا: "السنة دي خسرت فيها، والسنة الجاية هخسر فيها.. مش هازرعها تاني".

وأشار إلى أن سوق المبيدات يعاني من غياب الرقابة، وهو ما يضع الفلاح في حيرة دائمة بشأن اختيار المبيد المناسب، منوها إلى أن المزارع البسيط لم يعد يعرف "إيه الصح وإيه الغلط"، أو ما إذا كان المبيد الذي يشتريه فعالًا أم غير صالح، مؤكدًا أن الأزمة لا تتوقف عند الرقابة، بل تمتد إلى غياب الإرشاد الزراعي الذي كان يوجه الفلاحين في الماضي ومؤكدًا أن "الفلاح هو الشخص الوحيد في البلد الذي لا يشتكي رغم أنه أكثر من يتحمل الخسائر".

نقلا عن العدد الورقي