الأسماء الحسنى، اسم الله القدوس في القرآن والسنة وأسرار وفضائل الدعاء به
اسم الله القدوس، العلم بالله هو أجل العلوم وأعلاها، وأنفعها عند الله وأسماها، ويعرّف العباد بأعظم من عُرف، ويقربهم إلى أسمى من عُبد، فهو يجلي للعبد حقيقة ربه، ويعرف صفاته وأسماءه، حتى يعبده على بصيرة، ويحبه على علم.
وقد حثَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته على تتبع أسمائه - سبحانه - ومعرفتها وحفظها، ووعدهم جزاء ذلك الجنة، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ( إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة) متفق عليه. ولا يعني الحديث حصر أسماء الله في تسعة وتسعين اسمًا، وإنما المراد أن الجزاء مرتب ومعلق على إحصاء هذا العدد وفي السطور التالية سوف نتناول شرح اسم الله القدوس وما ورد فيه من القرآن الكريم والسنة النبوية.
و اسم الله القدوس يعني: الطاهر المنزه عن كل نقص أو عيب أو مثيل، وهو الذي تعظمه وتجله القلوب والألسنة لِما يتصف به من كمال مطلق وهو مأخوذ من "القدس" وهو الطهر والبركة؛ فالله سبحانه طاهر من كل عيب، ومنزه عن الشريك والولد وكل ما لا يليق بذاته العلية وهو المستحق للتعظيم والتمجيد، فلا توجد فيه صفة نقص أبدًا، حتى ما يعد كمالًا في حق البشر (كالنوْم أو الحاجة) فهو في حق الله نقص مستحيل
اسم الله القدوس في القرآن والسنة
قال الله تعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ﴾ [الحشر: 23].
وقال تعالى: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ﴾ [الجمعة: 1].
وورد في حديثِ عائشةَ رضي الله عنها أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ في ركوعِهِ وسجودِهِ: (سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكةِ والروحِ)؛ رواه مسلم.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى: 1]، و﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ [الكافرون: 1] و﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]، فَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، ثَلَاثًا، ويَرْفَعُ صوته بالثالثة؛ رواه النسائي وغيره، وصحَّحه الألباني.
مقتضى اسم الله القدوس وأثره
اسم الله القدُّوس يقتضي من العبد القيام بحق الله تعالى من التمجيد والتقديس والتعظيم، فالله تعالى هو المستحق للتعظيم والتمجيد والتنزيه؛ لأنه المتصف بصفات الكمال والجمال والجلال، أما المخلوق فلا يستحق ذلك؛ لأنه ضعيف وناقص وعاجز، ومن الغفلة أن ينشغل الإنسان بتمجيد إنسان مثله ليلَ نهار، فكم من مخلوق بالَغَ في تعظيم وتمجيد مخلوق مثله، وغفل عمن هو مستحق لذلك، وهو الله القدُّوس جلَّ جلاله.
أسرار وفضائل الدعاء باسم الله القدوس
والدعاء باسم الله القدوس هو طلب الطهارة والبركة والتنزيه عن كل عيب من أصح وأجمل الأدعية الواردة في السنة النبوية الشريفة هو ما كان يردده النبي ﷺ في ركوعه وسجوده: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ»
- التطهير من الذنوب: الدعاء بهذا الاسم يساعد على تطهير القلب والروح من الذنوب والآثام، والتقرب إلى الله تعالى.
- الزيادة في الإيمان: تكرار هذا الاسم يزيد الإيمان بالله تعالى، ويقوي العلاقة بين العبد وربه.
- السكينة والطمأنينة: الدعاء باسم القدوس يجلب السكينة والطمأنينة إلى القلب، ويزيل الهموم والآلام.
- الوقاية من الشرور: الاستعاذة بالله القدوس تقي من شر الشياطين والجن، وتحفظ الإنسان من كل سوء.
- استجابة الدعاء: الدعاء باسم الله القدوس يزيد من استجابة الدعاء، فالله تعالى يحب عباده الذين يدعونه بأسمائه الحسنى.
الثمرات السلوكية لاسم الله القدوس
إن العبد الذي يتدبر معاني اسم الله تعالى القدوس، ويستشعر آثار تنزيهه وجلاله، تثمر في نفسه جملةٌ من الأخلاق السامية والمعاني الإيمانية، ومن أبرزها: التحرر من التذلل للمخلوقين فمن عرف كمال قداسة الله - تعالى، وتنزهه عن مشابهة الخلق، علم أن غيره سبحانه مخلوقٌ ضعيفٌ محتاجٌ، فلا يصرف قلبه إلى تعظيم مخلوقٍ تعظيمَ عبادة، ولا يخضع إلا لمن بيده الأمر كله.
ومن ثمرات هذا الاسم أن يدرك المؤمن قصور معرفته عن الإحاطة بجلال الله - تعالى - وكمال صفاته، فيجمع بين التعظيم والشكر، ويعلم أن أعظم ما يقوم به العبد هو الاعتراف بعجزه عن أداء حق الله سبحانه، "فمن قدَّس ربه فقد أحسن الثناء عليه بما هو أهله، وأدى شكر الله عليه بقدر طاقته البشرية، لا بقدر ما يستحقه الله - عز وجل؛ فإن الله - تبارك وتعالى - قال في كتابه العزيز: ﴿مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِیٌّ عَزِیزٌ﴾ [الحج: ٧٤]، أي ما عرفوه حق معرفته، ولا عبدوه حق عبادته، ولا شكروه حق شكره، فإذا أراد المسلم أن يشكر الله -عز وجل- فلا سبيل له إلى ذلك إلا بالاعتراف له بالعجز عن شكره