فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

نادر نور الدين لـ"فيتو": السياسات الخاطئة وراء تقليص مساحات قصب السكر.. القرار يهدد بنسف مزارع الصعيد وتوقف 17 صناعة مهمة.. والمقارنة بين القصب والبنجر ظالمة لهذا السبب

د. نادر نور الدين،
د. نادر نور الدين، فيتو

اتخذت الحكومة المصرية قرارا بتقليص رقعة زراعة قصب السكر لمساحة 170 ألف فدان بدلا من 330 ألف فدان، ضمن خطة تقليل الاستهلاك المائية وتفادي حدوث عجز مائي.

هذا القرار يحمل في ظاهره الكثير من المزايا، لكنه قد يخبئ في باطنه المزيد من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، ويهدد بنسف مزارع الصعيد وبنية تحتية صناعية صممت خصيصا لهذا المحصول، ولفك الشفرات وتوضيح نقاط القوة والضعف، أجرت فيتو حوارا مع الدكتور نادر نور الدين خبير الزراعة والري، خبير الزراعة والري العالمي وعضو الجمعية العمومية السابق لشركات السكر.

-ماذا يمثل محصول قصب السكر لأهل الصعيد؟

-قصب السكر هو روح أهالي الصعيد، لأنه مع حرارة الصيف المرتفعة في بعض المناطق، التي قد تصل إلى 50 درجة مئوية، فإن مناخ جنوب ووسط الصعيد أقرب إلى مناخ الخليج منه إلى مناخ البحر المتوسط، لذلك لا يستطيع الناس الخروج للعمل في هذا الجو شديد الحرارة، ويُعد قصب السكر أنسب محصول لهم، لأنه يُحصد مرة واحدة في السنة، ويظل في الأرض لمدة خمس سنوات قبل تجديد الزراعة، كما أن أعباء خدمته ليست مثل الخضروات والفاكهة، فلا يحتاج إلى وجود المزارع يوميا في الحقل، ولا يتطلب كميات كبيرة من المبيدات أو المعاملات الزراعية، إضافة إلى أن عائده الاقتصادي جيد، كما أن القدرة الشرائية في الصعيد منخفضة، ونسب الفقر هناك تزيد على ضعف مثيلتها في الوجه البحري، وحتى إذا زرع الفلاحون خضروات أو فاكهة فلن يحققوا عائدا مناسبا، لأن الأسعار التي تُباع بها المنتجات أقل بسبب ضعف القدرة الشرائية للسكان، وبالتالي لن يحققوا أرباحا مجزية.

 

وما الذي يجعل قصب السكر محصولا اقتصاديا مهما للصعيد؟

منذ أيام عبود باشا، عندما تم إنشاء مصنع السكر في نجع حمادي لاستغلال هذا المحصول، أصبح قصب السكر جزءا أساسيا من اقتصاد الصعيد، خاصة أن لدينا مصانع سكر في المنيا ونجع حمادي وسوهاج وغيرها، وبالتالي يجب الاستفادة من هذه البنية الصناعية، كما أن القصب لا يقتصر على إنتاج السكر فقط، بل ينتج إلى جانبه 17 سلعة أخرى، كما أن مصانع السكر قائمة منذ أكثر من 120 عاما، بل وتم إنشاء خطوط سكك حديدية مخصصة تخترق حقول القصب حتى تصل مباشرة إلى المصانع لنقل المحصول، وهو ما يعكس حجم الاستثمارات التي أُقيمت لخدمة هذا المحصول على مدار أكثر من قرن، لذلك من غير المنطقي خفض المساحة من 330 ألف فدان إلى 170 ألفا، خاصة أن فدان القصب ينتج كمية سكر تعادل مرتين ونصف إنتاج فدان البنجر.

 

ما أبرز الصناعات والمنتجات التي تعتمد على قصب السكر؟

أهالي الصعيد يعشقون العسل الأسود، ولا يستهلكونه كغذاء فقط، بل يستخدمونه أيضًا في العلاج، فعندما يصاب أحدهم بحمى أو ضربة شمس يصنعون له ما يُعرف بـ"عجينة العسل الأسود" للمساعدة في خفض الحرارة، كما ينتج القصب العسل الأسود، والخل، والأسيتون، وأنواعا مرتفعة القيمة من السكر مثل الفركتوز.

ومنذ سنوات تستخدم مصانع السكر "البجاس" كوقود بديل للغاز الطبيعي، ما يوفر عليها ملايين الجنيهات سنويا لأنه ناتج من المحصول نفسه، كذلك يتم إنتاج الإيثانول أو الكحول الأبيض الذي تحتاجه المستشفيات كمطهر، وتستخدمه مصانع عديدة، كما يتم تصدير كميات كبيرة منه، ومصر تُعد عاشر أكبر مصدر للإيثانول في العالم اعتمادا على قصب السكر.

 


هناك من يقول إن قصب السكر يستهلك مياها أكثر من البنجر.. كيف تري ذلك؟

المقارنة يجب أن تكون عادلة، البنجر يبقى في الأرض 8 أشهر، بينما القصب يبقى 12 شهرا، ومن الطبيعي أن يحصل على مياه أكثر، لكنه في المقابل ينتج مرتين ونصف كمية السكر التي ينتجها البنجر، فإذا كان البنجر يستهلك نحو 8 آلاف متر مكعب والقصب 12 ألفا، فإن القصب يظل أفضل من ناحية العائد كما أن استهلاك المياه يختلف بحسب المناخ، ففي المنيا يستهلك الفدان نحو 10 آلاف متر مكعب، بينما يصل في أسوان إلى 12 ألف متر مكعب، أي أن المناخ هو العامل المؤثر وليس المحصول نفسه، وينطبق الأمر أيضا على القمح، إذ يستهلك في الدلتا مياه أقل ويحقق إنتاجية أعلى مقارنة بأسوان.

المسألة ليست كمية المياه فقط، وإنما العائد من كل متر مكعب، فالأرز مثلا قد يستهلك نحو 4000 متر مكعب ويعطي إنتاجا يصل إلى 4 أطنان، بينما القمح يعطي نحو 2.5 طن فقط، كما أن سعر الأرز أعلى، لذلك يجب أن تحسب كفاءة استخدام المياه وفق العائد الاقتصادي وليس كمية المياه فقط.

كما أن البنجر إذا تم التوسع في زراعته بالمناطق شديدة الحرارة في الصعيد، فقد يستهلك مياها أكثر من القصب، لأن أوراقه عريضة جدا وتفقد كميات كبيرة من المياه بفعل الحرارة المرتفعة، وبالتالي لا يمكن تعميم فكرة أنه دائما أقل استهلاكا للمياه. وأيضا البنجر محصول مناطق باردة، ويزرع في أوروبا وسوريا، وفي مصر يناسب الوجه البحري ويصل بالكاد إلى المنيا، أما جنوب المنيا فلا يناسبه بسبب ارتفاع درجات الحرارة، لذلك لا يمكن استبدال محصول استوائي بمحصول يناسب المناخ البارد.

 

وما تأثير تقليص زراعة القصب على الصناعات المرتبطة به؟

سيؤثر على مصانع العسل الأسود والعصارات ومحلات عصير القصب، إضافة إلى مصانع الخل والأسيتون والفركتوز والجلوكوز المستخدم في صناعة الحلويات، وحتى بعض الصناعات مثل مزيلات العرق تعتمد على مشتقات القصب، لذلك لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد محصول لإنتاج السكر.

 


هل بالفعل نجحت زراعة البنجر في الدلتا؟

توسعات زراعة البنجر جاءت على حساب محاصيل أخرى مثل الفول والعدس والكتان والقمح والبرسيم، بسبب إنشاء مصانع السكر في الدلتا، وأصبح الفلاح يزرع البنجر لأنه يضمن تسويق محصوله، فالمصنع يوفر له التقاوي ويحدد مواعيد التسليم ويمنحه سلفا للزراعة.

 

وما تعليقك على الاتجاه لنقل زراعة البنجر إلى الصحراء؟

إذا تم نقل البنجر إلى الصحراء أو غرب المنيا، فماذا سيكون مصير مصانع استخلاص السكر الموجودة في كفر الشيخ والشرقية والإسماعيلية وغيرها؟ هل سيتم إنشاء مصانع جديدة هناك؟ أرى أن القرار يثير العديد من المشكلات.


برأيك.. ما الاستراتيجية الأنسب لحماية محصول قصب السكر؟

لا أرى أن المشكلة في استهلاك المياه، لأن القصب يحصل على كمية مياه تتناسب مع إنتاجيته، فهو ينتج ضعف كمية السكر تقريبا مقارنة بمحاصيل أخرى، إضافة إلى 17 منتجا جانبيا، يمكن التوسع في زراعته بالمنيا لأن المناخ أقل حرارة، لكن لا يجوز إهمال مصانع نجع حمادي وأسيوط وسوهاج وأسوان، فهي مصانع صُممت خصيصا للقصب، ولا يمكن تشغيلها بالبنجر. كما أن بحيرة ناصر شهدت خلال السنوات السبع الأخيرة مستويات تخزين مرتفعة، ويتم في بعض السنوات فتح توشكى لتصريف كميات من المياه، لذلك لا أرى أن الوقت الحالي يستدعي التضييق على زراعة القصب تحت مبرر المياه فقط.

 

وما رؤيتك للتوازن بين القصب والبنجر؟

أرى أن يسير المحصولان جنبا إلى جنب، فيخصص الصعيد لقصب السكر لأنه الأنسب لمناخه وله أسواقه وصناعاته، بينما يستمر البنجر في الوجه البحري والمناطق الجديدة مثل غرب المنيا ومشروعات "مستقبل مصر"، كما يجب إعادة مساحة القصب إلى 330 ألف فدان، وتشجيع أهالي الصعيد على زراعته لأنه الأنسب لظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، لأن الاهتمام بالبعد الاجتماعي مهم جدا في الزراعة.

 

ذكرت أن هناك بعدا اجتماعيا أيضا في زراعة القصب.. ماذا تقصد؟

الزراعة ليست حسابات مياه فقط، بل هناك عامل اجتماعي يجب مراعاته. قصب السكر يوفر لأهالي الصعيد مجهودا أقل وربحا مناسبا، ويمنحهم منتجات غذائية يعتمدون عليها مثل العسل الأسود، الذي يعد جزءًا من غذائهم اليومي، ويتناسب مع طبيعة المناخ شديد الحرارة.


وماذا عن الأراضي التابعة لمصانع السكر؟

عندما كنت عضوا في الجمعية العمومية لشركات السكر، كانت هناك نحو 100 ألف فدان مملوكة لمصانع القصب، ومخصصة للتوسع في زراعته. والسؤال الآن: ماذا سيكون مصير هذه الأراضي؟ هل ستترك بورا أم ستُزرع بمحاصيل أخرى؟ فلا توجد زراعة لا تحتاج إلى مياه.

 

كيف يجب تقييم استهلاك المياه في الزراعة؟

لا يجب أن يكون التقييم على أساس كمية المياه فقط، وإنما على أساس العائد من كل متر مكعب من المياه. فالأرز مثلا يستهلك مياه أكثر من القمح، لكنه ينتج أربعة أطنان ويباع بسعر أعلى، لذلك من الطبيعي أن يحصل على مياه أكثر. المعيار الصحيح هو قيمة العائد الاقتصادي من المياه المستخدمة.


ما تقييمك لقرار خفض حصص الأسمدة المخصصة لمزارعي القصب؟

هذه أيضا مصيبة لأهالي الصعيد، فوفقا لآخر إحصاء رسمي لوزارة الزراعة، فإن 70% من المزارعين في الصعيد يمتلكون فدانًا أو أقل، و30% يمتلكون ثلاثة أفدنة أو أقل، وهو ما يعكس ارتفاع معدلات الفقر، التي تجاوزت في بعض المحافظات 65%.

قصب السكر يبقى في الأرض عاما كاملا، ولذلك من الطبيعي أن يحصل على كمية أسمدة أكبر من المحاصيل التي تبقى 5 أشهر فقط، لكن عندما يتم تخفيض حصته من 13 شكارة إلى 5 فقط، فهذا يعني أن المزارع سيضطر لشراء 8 شكاير من السوق السوداء، بعدما كان يحصل على الشكارة المدعمة بنحو 285 أو 290 جنيها، ليشتريها الآن بأكثر من 1200 جنيه.

 

المشكلة الأساسية أن عنصر النيتروجين غير متوافر طبيعيا بالكميات المطلوبة في التربة، ولذلك لابد من إضافته من خلال أسمدة الكيماوي التي تحتوي على عنصر النيتروجين، ولهذا السبب نجد أن الخلافات بين الفلاحين تكون دائما على هذه أسمدة الكيماوي تحديدا، وليس على الفوسفات أو البوتاسيوم.

في السابق، كان الفلاحون يعتمدون على المادة العضوية (السباخ)، لكن بعد ظهور الأسمدة الكيماوية سريعة الذوبان، أصبح النبات يستفيد منها بصورة أسرع، لأنها تذوب سريعا وتمتصها الجذور مباشرة، على عكس المادة العضوية التي تحتاج إلى شهور حتى تتحلل، كما أن محتواها من عنصر النيتروجين أقل.


وما تأثير نقص الأسمدة على الإنتاج؟

منظمة الأغذية والزراعة تؤكد أن دعم الأسمدة هو دعم للدولة قبل أن يكون دعما للفلاح، فإذا استخدم المزارع نصف الكمية المطلوبة، قد ينخفض إنتاجه بنسبة تصل إلى 30%، وإذا لم يستخدمها مطلقا قد يتراجع الإنتاج بنسبة 50%. وبالتالي ستضطر الدولة إلى استيراد كميات أكبر من القمح والسكر، وهو ما يزيد الضغط على العملة الأجنبية.


وكيف تنظر إلى سياسة تصدير الأسمدة؟

 

مصر صدرت العام الماضي أسمدة نيتروجينية بنحو 2.5 مليار دولار، وهذا أمر جيد من حيث الصناعة، لكن لا يجب أن يكون على حساب الفلاح المصري. الأولوية يجب أن تكون لتلبية احتياجات السوق المحلية، ثم تصدير الفائض، وليس العكس.

بل إن طن اليوريا يُصدر بنحو 405 دولارات، أي ما يعادل نحو 20 ألف جنيه، بينما يباع داخل السوق المحلية بنحو 30 ألف جنيه، وهو سعر أعلى من سعر التصدير، وهذا أمر غير منطقي.

كما أن التوترات التي شهدتها المنطقة وأزمة مضيق هرمز أثرت على حركة صادرات الأسمدة من بعض الدول المنتجة، وهو ما زاد الطلب على الأسمدة المصرية، لكن ذلك لا يجب أن يكون على حساب احتياجات الفلاح المصري، فالدول الأكثر تقدما تعطي الأولية الأكبر لشعبها عن التصدير، فالطبيعي ان القمح 3 درجات ولكن دولة روسيا علي سبيل المثال تضع 5 درجات مختلفة للقمح، وتمنع تصدير أولي 3 درجات وهم الأعلى جودة وتخصصهم للمواطن الروسي، بينما تصدر الدرجات الأقل، الفكرة الأساسية هي أن المواطن يجب أن يكون أول المستفيدين من الإنتاج المحلي.


وما الذي تقترحه في هذا الملف؟

إذا كانت الدولة ستطرح الأسمدة بالسعر الحر، فيجب أن يكون سعرها عادلا، وأن تُطرح مباشرة من المصانع بعد خصم تكاليف الشحن والتصدير، بحيث يصل سعر الطن إلى نحو 15 ألف جنيه بعد خصم تكاليف الشحن والتصدير، بدلا من تحميل الفلاح أعباء إضافية، لأن تفضيل التصدير على حساب المزارع سيؤدي في النهاية إلى انخفاض الإنتاج، وزيادة الاستيراد، وارتفاع معدلات الفقر، وقد يدفع كثيرا من الفلاحين إلى ترك الزراعة نهائيًا.


وفي الختام.. ما الرسالة التي توجهها لصانع القرار؟

أرى أن هناك سياسات تحتاج إلى إعادة نظر، وفي مقدمتها تحقيق التوازن بين قصب السكر والبنجر، وعدم التضييق على مزارعي القصب بحجة استهلاك المياه، لأن هذا المحصول هو الأنسب للصعيد مناخيا واقتصاديا واجتماعيا، ويحقق عائدا مرتفعا من وحدة المياه، ويقوم عليه قطاع صناعي كبير، كما يمثل مصدر رزق رئيسيا لأهالي الصعيد، واستمرار ارتفاع التكاليف وانخفاض العائد قد يدفع كثيرا من الفلاحين وأبنائهم إلى ترك الزراعة والبحث عن مهن أخرى، وهو ما يمثل خطرا على مستقبل القطاع الزراعي نفسه وعلى خطط التنمية الريفية.

 

نقلا عن العدد الورقي