فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

حسام أبو صفية.. من مشرط الجراح إلى زنازين الاعتقال.. حكاية طبيب غزة الصامد الذي تحول من منقذ للأرواح إلى أسير في سجون الاحتلال

الطبيب الفلسطيني
الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية- صورة لمنظمة العفوالدولية

حسام أبو صفية، من مدير مستشفى كمال عدوان في شمال قطاع غزة إلى معتقل بعيد عن مرضاه، تختزل قصة الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية جانبا مؤلما من معاناة الطواقم الطبية الفلسطينية خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة؛ حيث لم يعد السؤال فقط عن الأرواح التي أنقذها الأطباء، بل عن مصير أولئك الذين واصلوا أداء رسالتهم في أكثر الظروف قسوة.

ففي مفارقة تختصر مأساة الواقع الفسطيني، لم يعد مشرط أبو صفية مجرد أداة جراحية تنقذ الحياة، بل أصبح شاهدا على رحلة طبيب حمل رسالة الطب بين يديه لسنوات، قبل أن ينتقل من غرف العلاج ونداءات المرضى إلى خلف ضيق القضبان وصمت الزنازين.

لم يحمل أبو صفية سوى علمه، ولم يعرف سوى طريق تخفيف الألم وإنقاذ من يمكن إنقاذه. لكن وسط حرب أنهكت الإنسان والمكان، تحولت مهنة الطبيب إلى ثمن يدفعه من اختار البقاء إلى جانب مرضاه. وتبقى قصته معلقة بسؤال إنساني مؤلم: كيف يجد من أمضى عمره في إنقاذ الآخرين نفسه يوما مضطرا للدفاع عن حقه في أن يكون إنسانا؟

ومن بين تفاصيل القصة، جاءت صورة أبو صفية عبر شاشة المحكمة العليا الإسرائيلية لتكشف فصلًا جديدا من معاناته؛ لم تكن الصورة مجرد لقطة عابرة، بل لحظة اختزلت شهورا من الغياب والقلق والأسئلة التي طاردت عائلته منذ اعتقاله. فقد ظهر الطبيب الفلسطيني بملامح مختلفة عما عرفه به زملاؤه ومرضاه؛ صورة أعادت إلى الواجهة قصة طبيب بقي في موقعه بين مرضاه في أصعب اللحظات، قبل أن تظهر صورته أسيرا في المحكمة الإسرائيلية العليا، بحثا عن عدل لن يتحقق. 

أبو صفية منهك نحيف تبدو عليه علامات التعذيب

بدا أبو صفية منهكا ونحيفا بشكل واضح مقارنة بما كان عليه قبل اعتقاله عقب اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي لمستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة في 27 ديسمبر 2024؛ في صورة بدت مدمرة لعائلته، ومنهم نجله إلياس والذي قال في تصريحات لمجلة "972+" الإسرائيلية، ذات التوجهات اليسارية: بكينا عندما رأينا صورة والدي الأخيرة خلال محاكمته، لم نر وجهه فقط، بل رأينا علامات واضحة للتعذيب.

الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية في صورة أثناء ظهوره الأخير في المحكمة
الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية في صورة أثناء ظهوره الأخير في المحكمة

وراء هذه الصورة التي اختزلت شهورا من الغياب، تقف سيرة طبيب بدأت حكايته قبل سنوات طويلة من الحرب؛ حيث ولد أبو صفية عام 1973 في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، لعائلة تعود جذورها إلى بلدة حمامة في قضاء عسقلان، والتي جرى تهجيرها إلى عام 1948.

واختار أبو صفية طريق الطب، وتخصص في طب الأطفال وحديثي الولادة، قبل أن يصبح واحدًا من أبرز الأطباء العاملين في القطاع الصحي في غزة؛ وخلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، كان اسم أبو صفية حاضرا بوصفه أحد الأصوات الطبية التي نقلت واقع المستشفيات في شمال القطاع تحت القصف والحصار؛ ليمنحه زملاؤه لقب "أبقراط غزة"، في إشارة إلى ارتباط اسمه بمهنة الطب والتمسك برسالتها.

حسام أبو صفية في قبضة قوات الاحتلال الإسرائيلي
حسام أبو صفية في قبضة قوات الاحتلال الإسرائيلي

وقبل اعتقاله الأخير أواخر سبتمبر 2024، ألقت سلطات الاحتلال القبض عليه في أواخر شهر أكتوبر 2024 خلال اقتحام مستشفى كمال عدوان وإجبار الكادر الطبي على المغادرة. وبعد الإفراج عنه، تلقى نبأ استشهاد طفله إبراهيم برصاص الاحتلال الإسرائيلي في 26 أكتوبر 2024.

وفي 23 نوفمبر 2024، أُصيب أبو صفية جراء إلقاء طائرة مروحية إسرائيلية قنبلة على المستشفى، حيث اخترقت ست شظايا منطقة الفخذ وتسببت في إصابته بتمزق في الأوردة والشرايين.

حبس انفرادي وحرمان من العلاج

يقول إلياس: من المؤلم جدا أن ترى والدك، الذي كرس حياته لإنقاذ الأرواح وعلاج المرضى، بهذا الشكل. لا أعرف كيف أصف ذلك. ولا ندري ما الذي يتعرض له بعيدا عن الكاميرات؟ إذا كان هذا ما رأيناه علنا، فماذا يحدث خلف الزنازين المغلقة؟

أما خلف جدران السجون، فتتحدث المنظمات الحقوقية عن ظروف قاسية يعيشها أبو صفية وأطباء فلسطينيين آخرين، تشمل نقص الغذاء، والحرمان من الرعاية الطبية، ومعاناة لا تنتهي من الاعتداءات الجسدية المتكررة؛ حيث جرى اعتقاله بموجب "قانون احتجاز المقاتلين غير الشرعيين"، الذي يتيح سجن الفلسطينيين دون تهمة أو محاكمة، بزعم "مشاركتهم في نشاط عدائي".

الدكتور حسام أبو صفية وزوجته وأحد أحفادهما
الدكتور حسام أبو صفية وزوجته وأحد أحفادهما

ويقول ناصر عودة، محامي أبو صفية، فيروي فصلا من قصة المأساة قائلا: يعاني أبو صفية من أمراض مزمنة، ولا يتلقى الأدوية التي يحتاجها، ولا توفر له إدارة سجون الاحتلال العلاج الطبي المناسب؛ لقد نقلوه إلى الحبس الانفرادي.

يضيف عودة: يبدو أن قرار عزل أبو صفية كان عقابيا وجاء بعد تقديمه استئنافا على حبسه، في ظل محدودية الإجراءات القانونية المتاحة للطعن في احتجازه، لأنه لا توجد تهم رسمية ولا لائحة اتهام. لقد جرى منع الزيارة عنه سواء من أفراد عائلته، أو من أعضاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

فقد أبو صفية 20 كيلو جراما من وزنه

يتعرض أبو صفية لـ"اعتداء وحشي ممنهج" بشكل يومي داخل سجن راكيفيت الإسرائيلي سيء السمعة في مدينة الرملة، والذي يوصف بـ"المسلخ البشري".

وتكشف منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في "إسرائيل"، أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية "اعتقلت مئات العاملين الطبيين الأساسيين الفلسطينيين في غزة، ما أدى فعليا إلى شل نظام صحي هش أصلا يتعرض للتدمير المستمر"، مشيرة إلى أن الأطباء الفلسطينيين المعتقلين معزولون تماما عن العالم الخارجي.

ويقول مدير قسم الأسرى والمعتقلين في المنظمة نجي عباس في تصريحات لمجلة "972+": تمكن محامي المنظمة خلال الأسابيع الستة الماضية من لقاء 10 أطباء معتقلين من غزة، بينهم أبو صفية؛ تكشف شهاداتهم تعرضهم للإساءة والتجويع والإهمال الطبي.

وأضاف: جميعهم أبلغوا عن حرمانهم من العلاج الطبي، وجميعهم يعانون من إصابات ناجمة عن العنف، وجميعهم اشتكوا من الجوع؛ وفقد كل طبيب أكثر من 20 كيلو جراما من وزنه!

إلى أين تتجه فصول المأساة؟

تبقى قصة أبو صفية مفتوحة على أسئلة أكبر من مصير طبيب واحد؛ فهي تختصر حكاية أطباء وجدوا أنفسهم في قلب حرب قاسية، بين واجب إنقاذ الحياة ومخاطر دفع ثمن هذا الواجب. 

وخلف كل عنوان وكل صورة، تبقى هناك حكاية إنسان اختار أن يكون في المكان الذي يحتاجه فيه مرضاه، يحمل أدوات الطب بدل السلاح، ويتمسك برسالة لم تتغير بأن تكون حياة الإنسان هي الأولوية مهما كانت الظروف.

وربما تلخص الصحفية والمحللة الدولية هالة جوراني ثقل هذه القصة قائلة: "إذا كان التقرير المقبل عن أبو صفية سيتحدث عن وفاته داخل السجن، فسنكون قد عرفنا منذ البداية إلى أين كانت تتجه القصة".