قراءة في فلسفة محمد عثمان الخشت.. الدكتور سعيد علي عبيد أستاذ الفلسفة الحديثة: التعليم القائم على التلقين لا يصنع عقولًا إيجابية.. ومواجهة الإرهاب تبدأ ببناء العقل النقدي وترسيخ ثقافة الحوار
يتفق الفيلسوف العربي محمد عثمان الخشت مع ما ذهب إليه الفيلسوف الأمريكي جون ديوي في الدعوة إلى مفارقة الجمود في عالم متحول؛ فقد كتب الدكتور الخشت في أحد عناوين فصول كتابه نحو “تأسيس عصر ديني جديد.. حتى لا نعيد إنتاج عقول مغلقة”.
وهذا العنوان في حد ذاته يبرهن على أن فلسفة الخشت في التعَلم القائم على الخبرة ترفض التلقين في العملية التعليمية، إذ يقول: إن أحد أهم أسباب الحروب والصراعات السياسية المرضية الخارجة عن قواعد التفكير الطبيعي، يكمن في انغلاق العقل واختلال بنيته، وعدم انضباط منهج التفكير، والعجز عن تحويل الفكر العلمي إلى فعل، وبناء، وتنمية.
تخلف مناهج التعليم أحد أهم أسباب مشكلة الإرهاب
ويرجع هذا في أحد جوانبه إلى التعليم القائم على الحفظ والتلقين، وليس ضبط وتنمية منهج التفكير. وفي ظني، إن تخلف مناهج التعليم أحد أهم أسباب مشكلة الإرهاب بجوار الأسباب: السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
مناهج التعليم القائمة على التلقين لا تصنع عقولًا إيجابية منفتحة وفعالة
كما يؤكد الدكتور محمد الخشت: إن مناهج التعليم القائمة على التلقين لا تصنع عقولًا إيجابية منفتحة وفعالة، بل تصنع عقولًا مغلقة غير منتجة وغير قادرة على رؤية نفسها ورؤية العالم بطريقة منضبطة، ولا تملك مهارات البحث والفهم والتحليل والاستنتاج والنقد الموضوعي والابتكار؛ وغير قادرة على تحويل الفكر العلمي إلى خريطة عمل، وعاجزة عن ترجمة خريطة العمل إلى واقع جديد متعين.
النّظرة المستقبليّة هي الحاكمة لمسيرة التعليم
كما يتفق الدكتور الخشت مع موقف الفيلسوف ديوي في أن النّظرة المستقبليّة هي الحاكمة لمسيرة التعليم، لا سيما أن من نعلمهم، يتخرجون في المستقبل وليس الآن. وهذا الإنسان المستقبلي يحتاج إلى نوعية جديدة من التعليم تقدم له أسلوب حياة وطريقة عمل.. نوعية جديدة تعتمد على التعّلُم بدل التعليم، والبحث بدل النقل، والحوار بدل الاستماع، والقدرة على الاختلاف بدل التسليم المطلق بالأفكار الجامدة التي تصنع الإرهاب.
استحداث مناهج جديدة قائمة على أسس النمو في تصميم المشاريع البحثية
ولابد من تعليمٍ يقوم على استحداث مناهج جديدة قائمة على أسس النمو في تصميم المشاريع البحثية، والتميز في أداء الباحثين والطلاب، والتطور في النظام الإداري، والبحث في قضايا الدولة، أو التطبيق وتشخيص الاحتياجات، فقد أصبحت سمة العلم الجديدة هي -العائد الفوري- بلغة الاقتصاد.
التعّلم بدل التعليم والبحث بدل النقل، والحوار بدل الاستماع والقدرة على الاختلاف بدل التسليم المطلق بالأفكار السائدة
ولا تختلف الحلول العلاجية المقدمة بين الفيلسوف ديوي والفيلسوف الخشت، فقد أكد الفيلسوفان أن المخرج من الجمود ومفارقته إلى عالم متجدد يكون بتطبيق نوعية جديدة من التعليم، تقدم أسلوب حياة وطريقة عمل، نوعية جديدة تعتمد على التعّلم بدل التعليم، والبحث بدل النقل، والحوار بدل الاستماع، والقدرة على الاختلاف بدل التسليم المطلق بالأفكار السائدة.
إدراج طرق تدريس جديدة قائمة على التربية الحوارية
بل يجب إدراج طرق تدريس جديدة قائمة على التربية الحوارية Dialogical Pedagogy والتي تهدف إلى تخريج شخصية حرة واعية قادرة على الحوار، وغير متعالية عليه، مما ينشأ عنه النمو في تكوين المواقف والآراء الجديدة.
التعليم الحواري في مقابل التعليم البنكي
وهذا هو -أيضًا- مقصد الفيلسوف باولو فريري Paulo Freire (1921 - 1997) من كتابه الشهير "التعليم من أجل العقل النقدي" Education for critical consciousness، حيث التعليم الحواري في مقابل التعليم البنكي Banking Education الذي يقوم فيه المعلم بإيداع المعلومات في ذهن الطالب..
ومن شأن ذلك التعليم البنكي تكريس الوضع القائم، في حين ينبغي أن يكون التعليم ممارسة للحرية Education: The Practice of Freedom حيث إن الحوار له أساس كياني يخلق إمكانية في الإنسان ليتناقش، ويعيد تشكيل العناصر الحقيقية لهويته، وهكذا يساهم في تغيير العالم.
مواجهة الإرهاب لا تبدأ بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما تبدأ ببناء العقل النقدي، وترسيخ ثقافة الحوار، وإعادة صياغة التعليم
وهكذا تكشف المقارنة بين الدكتور محمد عثمان الخشت والفيلسوفان جون ديوي وباولو فريري أن مواجهة الإرهاب لا تبدأ بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما تبدأ ببناء العقل النقدي، وترسيخ ثقافة الحوار، وإعادة صياغة التعليم بوصفه مشروعًا لصناعة الإنسان الحر القادر على التفكير والإبداع.
مواجهة الإرهاب لا تُحسم بالسلاح وحده بل تبدأ أولًا من قاعة الدرس
كما أن مواجهة الإرهاب لا تُحسم بالسلاح وحده، بل تبدأ أولًا من قاعة الدرس، حين يُبنى العقل على التفكير الحر، والحوار، والقدرة على النقد، لا على الحفظ والتلقين، ومن هذا المنطلق، يغدو إصلاح التعليم مشروعًا حضاريًا لحماية الإنسان والمجتمع، قبل أن يكون مشروعًا أكاديميًا لتطوير المناهج.