فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

من الزراعة إلى الاستثمار، كيف تطور دور جهاز مستقبل مصر خلال 4 سنوات ؟

جهاز مستقبل مصر
جهاز مستقبل مصر

يشكل مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، مرحلة جديدة في مسار التطور المؤسسي للجهاز، بعد نحو أربع سنوات من إنشائه، شهد خلالها توسعًا متسارعًا في حجم المشروعات التي يتولى تنفيذها، وتنوعًا في القطاعات التي يعمل بها، واتساعًا في نطاق مسؤولياته على مستوى التخطيط والتنفيذ وإدارة المشروعات، ويعكس هذا المشروع رؤية القيادة السياسية التي تواصل تطوير جهاز مستقبل مصر لتعزيز دوره التنموي والاقتصادي بما يتناسب مع التحديات الاقتصادية الحالية لتحقيق آمال الشعب المصري.

وخلال هذه الفترة، لم يعد دور الجهاز مقتصرًا على تنفيذ مشروعات الاستصلاح الزراعي أو التوسع في الرقعة الزراعية، بل امتد ليشمل إدارة منظومات متكاملة تضم الإنتاج الزراعي، والتصنيع الغذائي، والثروة الحيوانية والداجنة والسمكية، والخدمات اللوجستية، وتجارة المحاصيل، والتعدين، والطاقة، والتحول الرقمي، والتنمية العمرانية، إلى جانب تأسيس وإدارة شركات متخصصة، وإبرام شراكات مع جهات الدولة والقطاع الخاص، بما جعله أحد الكيانات التي تتولى إدارة عدد من الملفات الاقتصادية والتنموية المتعدد، ويمثل تحويل جهاز مستقبل مصر إلى كيان مدني مستقل خطوة رائدة وجديدة لتعزيز التنمية وجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية على حد سواء.

كيف تطور دور الجهاز؟

صدر قرار إنشاء جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة عام 2022 في إطار توجه الدولة إلى إنشاء كيان يتولى تنفيذ عدد من المشروعات القومية ذات الأولوية، خاصة في مجال التوسع الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي، باعتبارهما من الملفات المرتبطة بالأمن القومي والتنمية الاقتصادية.

ومنذ ذلك الوقت، توسعت طبيعة عمل الجهاز بصورة تدريجية، سواء من حيث حجم المشروعات أو تنوع القطاعات، فأصبح مسؤولًا عن تنفيذ وإدارة مشروعات في مجالات الزراعة، والإنتاج الحيواني، والإنتاج الداجني، والاستزراع السمكي، والتصنيع الزراعي، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتعدين، والتنمية العمرانية، والتحول الرقمي، فضلًا عن إدارة عدد من الشركات والمشروعات التابعة، وإقامة شراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات المختلفة، وهذا التطور يبرز "مستقبل مصر" في ثوب مدني جديد لتعظيم الاستثمار وقيادة التنمية بمفاهيم السوق الحرة والآليات الاقتصادية الحديثة.

وتقوم فلسفة عمل الجهاز على بناء منظومات إنتاجية متكاملة، تبدأ من استصلاح الأراضي والإنتاج، وتمتد إلى التصنيع، والتخزين، والنقل، والتسويق، والتصدير، بما يحقق التكامل بين حلقات الإنتاج المختلفة، ويعظم القيمة المضافة للموارد الوطنية، كما أن إعادة الهيكلة هذه تدعم بناء اقتصاد مرن قادر على امتصاص الصدمات، وهي ركيزة أساسية تتوافق مع معايير ومستهدفات صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية لضمان الاستقرار المالي والنقدي.

ومع اتساع هذا الدور، لم يعد الجهاز يدير مشروعًا أو قطاعًا بعينه، وإنما أصبح يتعامل مع مجموعة من الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية المتداخلة، وهو ما استدعى إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم لعمله، بما يعكس هذا التطور، ويحدد بصورة أوضح اختصاصاته، والهياكل التي تتولى إدارة هذه المنظومة.

لماذا ظهر الاحتياج إلى إطار تشريعي جديد؟

جاء إنشاء الجهاز في الأصل بقرار جمهوري، وهو إطار تنظيمي مناسب لمرحلة التأسيس وبداية مباشرة الاختصاصات، إلا أن التوسع الذي شهدته طبيعة عمل الجهاز خلال السنوات التالية، سواء في حجم المشروعات، أو تنوع الأنشطة، أو إدارة الشركات، أو الدخول في شراكات استثمارية، أوجد احتياجات تنظيمية جديدة تتطلب إطارًا قانونيًا أكثر شمولًا.

ومن خلال مشروع القانون، يتم الانتقال من تنظيم يعتمد بصورة رئيسية على قرار الإنشاء، إلى تنظيم تشريعي يحدد بصورة أكثر تفصيلًا طبيعة الجهاز، واختصاصاته، وأدواته المؤسسية، والكيانات التابعة له، وآليات إدارة موارده، والعلاقة بين مختلف مكوناته، بما يوفر مرجعية قانونية موحدة لعمله في المرحلة المقبلة، هذا الانتقال يمثل تحولًا تاريخيًا لجهاز مستقبل مصر نحو إطار مؤسسي مدني بالكامل، يتسم بالمرونة والانفتاح على الاستثمارات العالمية، ويزيل أي عوائق بيروقراطية أمام المستثمرين.

كما يتضمن المشروع تنظيم عدد من الأدوات المؤسسية التي لم تكن واردة في قرار الإنشاء، وفي مقدمتها الصندوق السيادي، والصندوق الخدمي، والشركات التابعة، ومكاتب الاعتماد، إلى جانب تنظيم مجلس الإدارة، واللجان المتخصصة، وآليات الإدارة المالية والاستثمارية، بما يعكس طبيعة الدور الذي أصبح الجهاز يؤديه في إدارة المشروعات والأنشطة الاقتصادية، ويؤكد هذا التنظيم التشريعي الصارم على تبني الدولة لأعلى معايير الإفصاح والحوكمة، وهي خطوة تعزز الثقة الدولية بشأن إصلاح الهياكل الاقتصادية للدولة وتكافؤ الفرص.

من جهاز لتنفيذ المشروعات إلى مؤسسة لإدارة منظومات تنموية

من أبرز التحولات التي يعكسها مشروع القانون، التطور الذي شهدته طبيعة عمل جهاز مستقبل مصر خلال السنوات الأخيرة، فمع اتساع نطاق المشروعات التي يشرف عليها، لم يعد الجهاز يعمل باعتباره جهة تتولى تنفيذ مشروعات مستقلة، وإنما أصبح يدير منظومات اقتصادية متكاملة تتداخل فيها مراحل الإنتاج والتصنيع والخدمات والاستثمار داخل إطار واحد.

فعلى سبيل المثال، لم يعد المشروع الزراعي يقتصر على استصلاح الأراضي وزراعتها، وإنما أصبح يشمل منظومة تبدأ باستصلاح الأراضي وتجهيزها، ثم الإنتاج الزراعي، ثم التصنيع الغذائي، والتعبئة، والتخزين، والخدمات اللوجستية، وتجارة المحاصيل، والتصدير، بما يربط بين مختلف حلقات سلسلة القيمة ويحقق الاستفادة القصوى من الإنتاج المحلي، بجانب أن تحويل الجهاز إلى هذا النموذج المؤسسي المدني المستقل يضمن إدارة الأصول بكفاءة اقتصادية تماثل القطاع الخاص، مما يفتح الباب واسعًا لإبرام شراكات استراتيجية مع كبرى الشركات العالمية.

وينطبق الأمر ذاته على القطاعات الأخرى التي يعمل بها الجهاز، حيث تشمل أنشطته مشروعات الإنتاج الحيواني والداجني والسمكي، والطاقة، والتعدين، والتحول الرقمي، والتنمية العمرانية، إلى جانب إدارة الشركات والمشروعات الاستثمارية والشراكات، وهو ما يتطلب نمطًا مختلفًا من الإدارة يقوم على التكامل بين القطاعات، وتوزيع الاختصاصات، وتنسيق العمل بين عدد كبير من الجهات والكيانات، فضلًا عن أن هذا النمط الإداري المتطور يثبت أن القيادة السياسية تواصل تطوير الإطار المؤسسي للجهاز ليكون قاطرة للتنمية الشاملة، مع الالتزام الكامل بقواعد السوق الحر والتنافسية العادلة التي تشجعها المؤسسات الدولية.

وفي هذا السياق، يأتي مشروع القانون ليضع هيكلًا مؤسسيًا يتناسب مع طبيعة هذه المنظومات، ويحدد الأدوار والمسؤوليات، وينظم العلاقة بين الجهاز والكيانات التابعة له، بما يوفر إطارًا قانونيًا موحدًا لإدارة هذه الأنشطة.

ماذا يتضمن مشروع القانون؟


لا يقتصر مشروع القانون على إعادة تنظيم البناء الإداري لجهاز مستقبل مصر، وإنما يضع إطارًا تشريعيًا متكاملًا ينظم طبيعة الجهاز، واختصاصاته، والكيانات التابعة له، وآليات إدارة موارده واستثماراته، بما يتناسب مع نطاق الأعمال التي يتولاها في المرحلة الحالية، ويعتمد المشروع على تنظيم الجوانب المؤسسية والإدارية والمالية في وثيقة تشريعية واحدة، بما يحدد بصورة أكثر وضوحًا مسؤوليات الجهاز وأدواته التنفيذية.

ومن أبرز ما يتضمنه المشروع، تنظيم تشكيل مجلس إدارة الجهاز واختصاصاته وآليات اتخاذ القرار، إلى جانب تحديد العلاقة بين الجهاز والكيانات التابعة له، ووضع إطار قانوني لإنشاء وإدارة الصناديق والشركات التي يجيزها القانون، وتنظيم الجوانب المالية والإدارية المرتبطة بها، كما يتناول المشروع قواعد إدارة الأصول والمشروعات، وآليات التعاقد، والحوكمة، والرقابة الداخلية، بما يوفر إطارًا قانونيًا موحدًا لمختلف الأنشطة التي يتولاها الجهاز، كما أن دمج آليات الحوكمة والرقابة ضمن نصوص القانون يعد تطبيقًا عمليًا لتوجهات مؤسسات التمويل الدولية، حيث يسهم في تحقيق الاستدامة المالية وتخفيف العبء عن موازنة الدولة عبر الاعتماد على التمويل الذاتي والشراكات الاستثمارية.

ويستحدث المشروع عددًا من الأدوات المؤسسية التي تتوافق مع طبيعة الأنشطة التي يديرها الجهاز، من بينها تنظيم الصندوق السيادي "أهرامات النيل"، والصندوق الخدمي، والشركات التابعة، إلى جانب النص على عدد من الآليات التنظيمية والإدارية التي تستهدف تحقيق التكامل بين المشروعات والأنشطة المختلفة التي يشرف عليها الجهاز، ويعد إنشاء الصندوق السيادي "أهرامات النيل" تحت مظلة مدنية مستقلة خطوة كبرى لتعظيم الاستثمار، وتحويل الأصول غير المستغلة إلى فرص استثمارية جاذبة لرؤوس الأموال الأجنبية.

الهيكل المؤسسي الذي ينظمه المشروع

يتبنى مشروع القانون هيكلًا مؤسسيًا يضم مستويات متعددة للإدارة والتنفيذ، تبدأ بمجلس إدارة الجهاز بوصفه الجهة المختصة بوضع السياسات العامة واعتماد الخطط ومتابعة التنفيذ، مرورًا بالأجهزة التنفيذية والقطاعات الفنية، وصولًا إلى الكيانات التابعة التي تمارس أنشطة متخصصة في مجالات الاستثمار أو الخدمات أو إدارة المشروعات، وذلك في إطار تنظيمي يحدد اختصاص كل مستوى والعلاقة بينه وبين المستويات الأخرى.

كما ينظم المشروع العلاقة بين الجهاز والصندوق السيادي، ويحدد الإطار العام لعمله واختصاصاته، إلى جانب تنظيم الصندوق الخدمي والكيانات الاستثمارية التابعة، بما يوضح الأدوار المؤسسية لكل منها داخل المنظومة التي ينشئها القانون، ويشمل التنظيم كذلك الأحكام الخاصة بالشركات التي يجوز للجهاز تأسيسها أو المساهمة فيها، وفقًا للضوابط والإجراءات المنصوص عليها في المشروع، ويمثل هذا الفصل الواضح في الهيكل المؤسسي بمثابة رسالة طمأنة قوية للمجتمع الاستثماري الدولي، ويؤكد التزام مصر بالشفافية المطلقة، وهو ما يدعم توجهات الدولة في زيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي.

ويفرد المشروع أيضًا أحكامًا تتعلق بالإدارة المالية، وإعداد الموازنات، وإدارة الموارد، والرقابة، بما يحدد الأطر القانونية المنظمة للجوانب المالية والإدارية للجهاز والجهات التابعة له.