كيف حول ترامب احتفال أمريكا بعيد تأسيسها الـ250 إلى عرض يكرس عبادة الزعيم؟.. جواز سفر بصورته.. ورقة نقدية بتوقيعه.. ومجسم يريد تشييده في قلب واشنطن
في لحظة مثقلة بالحروب المفتوحة، والأزمات الاقتصادية المتراكمة، والانقسام السياسي المتصاعد، ورئيس يتصرف وكأنه الحاكم الأوحد للعالم، أحيت الولايات المتحدة في 4 يوليو الجاري ذكرى مرور 250 عاما على تأسيسها، وهو التاريخ الذي يوافق توقيع إعلان الاستقلال عام 1776.
توقع الأمريكيون أن يتحول الاحتفال بـ"ربع الألفية الأمريكية" إلى مراجعة عميقة لمسار الولايات المتحدة، وما آلت إليه من قوة عالمية كبرى بنت نفوذها على سردية الحرية والديمقراطية وصعود المؤسسات إلى ما يشبه "عصابة" تسعى للاستيلاء على ثروات بلدان العالم من فنزويلا في أقصى الغرب إلى طهران شرقا.
وبدلا من أن تتحول المناسبة إلى لحظة تأمل في التجربة الأمريكية، سعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فرض نفسه بقوة على مشهد الاحتفال، فارضا صورته بوصفه مركز الدولة ورمزها الأول.
وفي هذا السياق، تكتسب ملاحظات الإعلامية الأمريكية راشيل مادو أهمية خاصة، إذ ترى أن الطريقة التي أديرت بها احتفالات الذكرى الـ250 عكست ميلا واضحا إلى شخصنة المناسبة وإفراغها من مضمونها الوطني، عبر توظيف رموز الدولة وطقوسها في خدمة سردية ترامب عن نفسه، بوصفه القائد والملهم و"وسيد العالم الأوحد"، لا في خدمة السردية الأمريكية الجامعة.

تقول مادو في مقال نشره موقع شركة مايكروسوفت الوطنية للبث، وهي محطة تلفزيونية إخبارية أمريكية تبث على مدار الساعة في الولايات المتحدة تم تأسيسها بالشراكة بين شركتي مايكروسوفت و"إن بي سي" الأمريكيتين: بالنظر إلى طبيعة الزعيم الذي يشغل البيت الأبيض حاليا، كان معروفا مسبقا أنه سيحول الاحتفال إلى مناسبة تدور في فلكه الشخصي.
ترامب وتمجيد الذات
وتضيف: تحولت الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة إلى طرح جواز سفر يحمل صورة ترامب، وعملة ذهبية تذكارية تحمل صورة ترامب، وأوراقا نقدية من فئة 100 دولار تحمل توقيع ترامب، انتظارا لورقة نقدية من فئة 250 دولارا تحمل صورة ترامب.
وبحسب المقال، تقول مادو: في معرض ترامب، استقبل الحضور بما بدا وكأنه مجسم خشبي -ثبتت أجزاؤه بدباسة- للقوس الذي يرغب الرئيس في تشييده لنفسه في العاصمة واشنطن؛ كما زار الرئيس نصب "جبل راشمور" التذكاري، وذلك بعد سنوات من اقتراحه إضافة وجهه إلى ذلك النصب الذي جرى إنشاؤه من الجرانيت بين عامي 1927 و1941، ويضم منحوتات لأربعة رؤساء أمريكيين سابقين هم جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وتيودور روزفلت وأبراهام لينكولن.
وتضيف: لا شيء من هذه الأمور يتعلق بالولايات المتحدة، ولا شيء من هذه الأمور يجري من أجل واشنطن؛ فقد تحول المشهد من الاحتفال بالدولة إلى الاحتفاء بالرئيس.
تكريس عبادة الديكتاتور
كيف سينظر الأمريكيون إلى هذا الاحتفال بعد 49 عاما و362 يومًا من الآن- الذكرى السنوية الـ300 لتأسيس الولايات المتحدة؟ تجيب مادو، والتي اشتهرت بتحليلاتها السياسية المعمقة: سينظر إلى الطريقة التي احتفلت بها إدارة ترامب بالذكرى الـ250 لتأسيس البلاد على أنها فاشلة وغير فعالة، ومحاولة مثيرة للسخرية لعبادة ديكتاتور طموح يحاول تحويل الولايات المتحدة إلى "ترامبستان".
تقول مادو: القصة الوطنية الحقيقية الوحيدة التي يمكننا أن نرويها بفخر عن هذه الذكرى هي أنه، وبمحض الصدفة، كان من بين الأحداث الرائعة التي شهدتها البلاد في هذه الذكرى الـ250، قدوم الناس من جميع أنحاء العالم إلى الولايات المتحدة للاحتفال بكأس العالم. لكن ترامب قرر إفساد ذلك أيضا.
وتضيف: أقر ترامب بأنه اتصل برئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، بشأن لاعب أمريكي تم إيقافه لمباراة واحدة، وجرى رفع هذا الإيقاف لاحقا؛ وهكذا، تحولت أجواء البهجة والاحتفال التي سادت خلال بطولة كأس العالم -رغم كل الإخفاقات الأخرى التي ترتكبها إدارة ترامب- إلى موجة غضب عالمية عارمة؛ إذ اتهم ترامب بإفساد الحدث الرياضي العالمي.
عنصرية ترامب المقيتة ضد السود
لم يفت ترامب استغلال الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة لمواصلة سياساته العنصرية وكأن القصة الأمريكية لم تغادر قفص العبودية والعنصرية الذي صاحب نشأتها الأولى.
تقول مادو: أحيا ترامب الذكرى الـ250 لتأسيس البلاد في عطلة نهاية الأسبوع بنشر صورة زائفة وعنصرية للرئيس الأسبق باراك أوباما والسيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما، وهما يظهران على متن طائرة "إير فورس وان" الرئاسية الأمريكية وهي مغطاة برسوم "الجرافيتي".

وتتابع: أشارت وكالة "أسوشيتد برس" بعبارات دقيقة وحذرة، إلى أن "استخدام رسوم الجرافيتي يحمل دلالات رمزية تذكر الناس بالجريمة والتردي الحضري، وقد استخدمت سابقا في رسائل عنصرية تستهدف السود". كما نوهت الوكالة بأن هذا المنشور الأخير جاء عقب "منشور عنصري آخر للرئيس ترامب صور فيه أوباما وزوجته في هيئة قرود داخل أدغال".
عار ترامب في البيت الأبيض
على الرغم من ذلك كله، ترى مادو أن أمريكا ليست ترامب، مشيرة إلى "الولايات المتحدة أكبر بكثير من مجرد شخص يفسد الأمور ويلحق العار بنفسه داخل البيت الأبيض".

وتبرهن مادو على رؤيتها بمشاهد متفرقة شهدتها الولايات المتحدة بالتزامن مع احتفالات ترامب بأمجاده الشخصية، مضيفة: في مدينة تولسا بولاية أوكلاهوما، أحيا الفرع المحلي لحركة "إنديفيزيبل" ذكرى عيد الاستقلال بطريقة مميزة؛ إذ اصطف الأعضاء بأجسادهم لتشكيل الرقم "2547"، في إشارة إلى التعديل الخامس والعشرين للدستور الذي يستخدم لإعلان عدم أهلية الرئيس وكفاءته وعزله من منصبه.
مكافحة توجهات ترامب السلطوية
وبعيدا عن المقال، فإن حركة إنفيزيبل هي حركة شعبية أمريكية تأسست في أواخر عام 2016 على يد موظفين سابقين في الكونجرس كرد فعل مباشر لانتخاب ترامب، بهدف توفير دليل إرشادي للمواطنين الأمريكيين حول كيفية الضغط السلمي على ممثليهم في الكونجرس لمكافحة التوجهات السلطوية.
وبالعودة إلى المقال، تقول مادو: نظم سكان مدينة مينيابوليس جنازة رمزية في الشوارع تخليدا لذكرى من لقوا حتفهم في مراكز احتجاز المهاجرين التابعة لإدارة ترامب منذ توليه السلطة. وعلى الرغم أن ترامب وأكبر ممول لحملته الانتخابية، إيلون ماسك، استوليا على الأموال التي خصصها الكونجرس للبلدات الصغيرة والمجتمعات المحلية للاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، إلا أن الناس في جميع أنحاء الوطن لا يزالون يبادرون بأنشطة رائعة لإحياء هذه المناسبة.
وتنهي مادو مقالها قائلة: على الرغم من محاولات ترامب حصر هذه المناسبة في شخصه، فإن هذه الذكرى هي في الواقع ملك لنا جميعا لنحتفل بها بالطريقة التي نراها مناسبة؛ وبالطريقة التي تجعلنا نشعر بالفخر، وتضمن أن يتذكر الناس جيلنا بعد 50 عاما، وبعد 100 عام، و-بإذن الله- بعد 250 عاما أخرى في المستقبل.