صلاح قبضايا، عميد المحررين العسكريين وأول رئيس تحرير لجريدة معارضة في مصر
صلاح قبضايا، صحفي قدير، وأستاذ لأجيال صحفية، تتلمذ على يد مصطفى أمين، وعمل مراسلًا حربيًا في ثلاث حروب، حتى أنه قام بتغطية حرب اليمن وأصيب هناك. لُقب بعميد المحررين العسكريين، وكان أول رئيس تحرير لجريدة معارضة في مصر، واختصت «فيتو» بآخر مقالاته عن عصر ما بعد الإخوان. ورحل في مثل هذا اليوم، الثالث من يوليو عام 2014.
وُلد الدكتور محمد صلاح الدين قبضايا، الشهير بـ«صلاح قبضايا»، عام 1938 بمدينة بورسعيد، وتخرج في كلية الآداب ضمن أول دفعة من قسم الصحافة بالكلية عام 1961، كما حصل على الدكتوراه في كلية الإعلام بجامعة القاهرة عن دراسة مقارنة للتغطية البرلمانية في الصحف الحزبية قبل وبعد ثورة يوليو 1952.

الدكتور صلاح قبضايا
بدأت اتجاهاته الصحفية وهو طالب بمدرسة بورسعيد الثانوية، بكتابة مشاهداته عن أبناء بورسعيد الباسلة بعد العدوان الثلاثي، وأرسلها إلى الكاتب الراحل مصطفى أمين، الذي اعتبره قدوته وكان شديد الإعجاب به، رغبةً منه في نشر كتاباته بجريدة «الأخبار». وبالفعل نُشرت كتاباته، وصنع منها مصطفى أمين مانشيتات وعناوين وانفرادات كانت حديث الصحافة في نهاية الخمسينيات، ليدخل قبضايا عالم الصحافة من أوسع أبوابه في مدرسة «أخبار اليوم».

اعترافات صحفية
في كتابه «اعترافات صحفية»، يتذكر الدكتور صلاح قبضايا بداية عمله في «الأخبار»، فيقول: «كنت ضمن مجموعة من الطلاب درس لهم الكاتب الكبير مصطفى أمين في كلية الآداب، وكان يدرس لنا مادة التحرير الصحفي. وفي نهاية السنة الثانية بالكلية وقع اختيار مصطفى أمين على خمسة، كنت أحدهم، رأى فيهم بذرة الصحافة، ويمكن أن يصبحوا، بمزيد من التدريب، صحفيين مؤهلين مسلحين بالعلم. أراد أن يخوض بنا تجربة تحديث الصحافة على يد خريجي الصحافة».

حرب مع الحرس القديم
يقول صلاح قبضايا: «خضنا معركة كانت متوقعة مع الحرس القديم، الذي مارس الصحافة هوايةً لا دراسة، واعتقدنا أن مصطفى بيه تخلى عنا، لكن ما اعتقدناه أنه مرمطة وقتها، اكتشفنا أنه هو الذي شكّلنا وقوّى عمودنا الفقري، فقد كانت رؤيته أبعد، حيث أصبحت مجموعتنا قيادات صحفية معروفة».

تغطية حرب اليمن في الستينيات
بمجرد بدء عمل صلاح قبضايا في «الأخبار»، رشحه مصطفى وعلي أمين للعمل مراسلًا عسكريًا بالجريدة، وكانت أولى جولاته في الستينيات لتغطية حرب اليمن، حتى أُصيب أثناء تغطيته إصابة بالغة في كتفه الأيسر، واستقرت فيه ثلاث رصاصات. وكرمه مصطفى وعلي أمين بمنحه مكافأة قدرها 250 جنيهًا تقديرًا لشجاعته وتواجده في المواقع الحربية الخطرة باليمن، ولما عاد اشترى شبكة خطوبته لعروسه السيدة نبيلة بدران بقيمة المكافأة.
كتابه «صحفي ضد الحكومة»
كان الكاتب الصحفي صلاح قبضايا مقاتلًا برتبة صحفي، شارك في الحروب على خط النار، فشارك في حرب يونيو 1967، وحرب الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر 1973، ومن هنا أصبح عميدًا للمراسلين العسكريين. وقد دوّن قبضايا شهادته على حرب أكتوبر 1973 في أول إصدار يسجل أحداث الحرب، فوضع كتابه «مشاهد الضربة الجوية»، الذي تناول مراحل الاستعداد للطلعة الجوية الأولى في الحرب، ثم كتابه «الساعة 14:05»، ويقول فيه: «هي الساعة التي انطلقت فيها أول طلقة في أول حرب هجومية على إسرائيل، والتي سبقتها عمليات خداعية مهدت لهزيمة إسرائيل»، التي أصدر عنها أيضًا كتابه «الخديعة».
إصدار جريدة «الأحرار»
في السبعينيات، ومع بداية التجربة الحزبية الجديدة، تولى إصدار جريدة «الأحرار» عام 1977 كأول جريدة معارضة بعد ثورة يوليو. ويقول قبضايا عنها في كتابه «صحفي ضد الحكومة»، الذي وثق فيه تجربة «الأحرار»: «كانت أمنيتي أن أجد صحفيين ضد الحكومة يتصدون لأخطائها ويكشفون أوجه الفساد فيها، وأيضًا يشكرون محاسنها، فقد كنت أحلم أن أعيش صحافة مصرية حرة متحررة».
جريدة «المسلمون» و«الصباحية»
وبقرار من الرئيس السادات أُغلقت صحيفة «الأحرار» بسبب جرأة تغطياتها، فترك صلاح قبضايا «الأحرار» وسافر إلى السعودية للتدريس، ومن هناك تولى إصدار جريدة «المسلمون» اللندنية في ثلاث طبعات: مصر، والسعودية، ولندن، كما أصدر جريدة «الصباحية» كجريدة خفيفة وسهلة وسريعة، وحققت نجاحًا كبيرًا.
كتابة مقالات أسبوعية في «فيتو»
عاد صلاح قبضايا إلى مصر ليتولى رئاسة تحرير «الأحرار» من جديد عام 1996 حتى عام 2009، بالتزامن مع تدريس التحرير الصحفي بأكاديمية أخبار اليوم. وفي عام 2011 أصدر جريدة «المسلمون» المصرية، واستمرت عامين، قبل أن تتوقف عندما بدأ المرض يحد من قدرته على العمل.
ومنذ صدور جريدة «فيتو» برئاسة تحرير تلميذه الصحفي عصام كامل، واظب صلاح قبضايا في سنواته الأخيرة على كتابة مقاله الأسبوعي «حكايات» منذ العدد الأول وحتى العدد 122، حيث كتب آخر مقال وهو على فراش المرض، تحت عنوان «التزام الإعلام ضرورة مرحلية»، مؤكدًا ضرورة التزام الإعلام في مرحلة التهديدات الإرهابية حتى لا يسود الخوف والفزع بعد انتهاء حكم الإخوان.
كلمة عصام كامل في كتاب “اعترافات صحفية”
وبعد رحيل قبضايا، جمع تلامذته مقالاته ــ وعددها 120 مقالًا ــ وهي صفحات من ذكرياته في الصحافة، في كتاب بعنوان «اعترافات صحفية».
وكتب الصحفي عصام كامل رئيس تحرير جريدة فيتو، على غلافه كلمة جاء فيها: «أخيرًا اقتنع أستاذنا الدكتور صلاح قبضايا بما أردنا فعله، وسجل بقلمه الرشيق صفحات مذهلة في بلاط صاحبة الجلالة.. سطورًا من تاريخ صحافة المعارضة في مصر باعتباره بطلها الأول.. سطورًا من حكايات عربية، وأخرى في مدرسة أخبار اليوم، ورابعة حول جريدة "المسلمون".. بين دفتي الكتاب سترى ملامح لشخصيات حية، نابضة، كانت وستظل رموزًا باقية رغم مرور السنين».