عماد جواد بوخمسين رئيس تحرير جريدة النهار الكويتية: مصر استردت وعيها في 30 يونيه
في مثل هذا اليوم قبل ثلاثة عشر عاما، كانت مصر على موعد مع ثورة شعبية هائلة، تعانقت فيها إرادة الشعب مع قياداته العسكرية الواعية، لتصنع من يوم الثلاثين من يونيو 2013 واحدة من المحطات الفارقة في التاريخ المصري الحديث.
لقد مثل ذلك اليوم في الشقيقة الكبرى مصر، لحظة خرج فيها ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين، يطالبون بتغيير المسار السياسي الذي أعقب 25 يناير 2011، حيث رأوا أنه لا يحقق تطلعاتهم، ولا يحقق رغباتهم، ولا يتماشى مع طموحاتهم في حياة آمنة مستقرة سليمة، تقوم على أسس ثابتة واضحة، لا تفرق بين مكونات الامة المصرية.
لم تكن ثورة 30 يونيه مجرد حدث عابر، بل كانت نقطة تحول أعادت تشكيل المشهد المصري داخليًا وخارجيًا، وفتحت بابًا لمرحلة جديدة من إعادة بناء الدولة واستعادة دورها.المؤثر المعروف إقليميا ودوليا.
ومع أن الأشقاء في مصر قد استقبلوا تلك الثورة بمشاعر فياضة، ورغبة في تحقيق الأمل فانهم ادركوا بما لديهم من تجارب، وبما مروا به من أحداث أنهم يمرون بلحظة مصيرية تحتاج إلى قرار حاسم، وموقف صارم، ومن هنا خرجت الحشود في مختلف المحافظات، تطالب بالحفاظ على هوية الدولة، وتحقيق التوافق المجتمعي، بعد فترة اتسمت بالاضطراب السياسي والانقسام الداخلي.
لقد مثلت ثورة 30 يونيو تعبيرًا عن إرادة شعبية مصرية، ورغبة في استعادة الدولة لقدرتها على إدارة شؤونها، وليس من شك في أن هذا الحدث غيّر مسار الحياة السياسية المصرية، وأعاد ترتيب أولويات الدولة وتثبيت أركانها من خلال مؤسساتها العريقة، ومنها القوات المسلحة التي وقفت الى جانب الشعب وانحازت لنبض الجماهير، وحققت بالفعل الشعار الذي رفعه المصريون في ذلك الوقت وهو شعار: (الجيش والشعب ايد واحدة.)
وبعد عام من تلك الثورة انتخب الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيسًا لمصر، ومنذ توليه المسؤولية، تبنى خطابًا واضحا ليس فيه لبس أو غموض، حيث ركز على استعادة مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن، وإطلاق المشروعات التنموية الواسعة.
فعلى المستوى الأمني، واجهت مصر في اعقاب ثورة 30 يونيه تحديات كبيرة، مع تصاعد الإرهاب في مناطق مختلفة من البلاد، وعلى رأسها سيناء، فاتجهت الدولة إلى تطوير قدراتها الأمنية والعسكرية، وتعزيز التنسيق بين مؤسساتها المختلفة لمواجهة تلك التحديات، ونفذت القوات المسلحة المصرية عمليات موسعة ضد الجماعات الإرهابية، بالتوازي مع جهود مضنية وناجحة لتأمين الحدود والحفاظ على استقرار الدولة، حيث ارتبط كل ذلك برؤية رسمية تؤكد أن قوة الجيش جزء من عناصر حماية الأمن القومي المصري.
أما سياسيًا، فقد دخلت مصر بزعامة الرئيس عبد الفتاح السيسي مرحلة إعادة بناء المؤسسات بعد حالة من عدم الاستقرار، فعادت للدولة قدرتها على اتخاذ القرار الفاعل الذي لا يصب في مصلحة جماعة أو طائفة بعينها، بل يرمي الى مصلحة مصر الدولة، مصر الكيان الكبير بجميع مواطنيها الشرفاء.
أما اقتصاديًا وتنمويًا، فقد أطلقت مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي عددًا كبيرًا من المشروعات القومية الكبرى لتطوير البنية التحتية، فأنشأت الطرق والمحاور الجديدة، ووسعت شبكات النقل، ونفذت العديد من مشروعات الطاقة، وأقدمت على مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، باعتبار أن هذه المشروعات وغيرها خطوات ضرورية لتحديث الاقتصاد وتحسين الخدمات وجذب الاستثمار.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل اهتمت الدولة المصرية بملفات متعددة مثل تطوير المدن، وتوسيع شبكات الكهرباء والغاز، وتحسين الخدمات العامة، من أجل نقل البلاد الى مرحلة أكثر اعتمادًا على التخطيط طويل المدى، الذي لا يكتفي بالنظر تحت قدميه فقط، بل ينظر الى ما هو أبعد من ذلك بكثير.
وعلى الصعيد الخارجي استعادت مصر السيسي حضورًا أكثر وضوحًا إقليميا ودوليا، فقد نشطت الدبلوماسية المصرية في ملفات المنطقة، كما عملت على تعزيز علاقاتها في الشرق والغرب، انطلاقًا من موقعها الجغرافي وأهميتها التاريخية، واستردادا لوعيها ودورها الذي يليق بها، والذي كان لها على مدى الأزمنة والعصور.
إن الحديث في مصر عن "استرداد الوعي" بعد 30 يونيو يرتبط بإدراك أهمية الحفاظ على تماسك المجتمع، ايمانا بان الدولة الحديثة لا تقوم بجهود الحكومات فقط، بل لا بد من وجود مؤسسات قوية، وقانون يحفظ الحقوق ويحدد الواجبات، كما أن بناء الدول لا يكتمل بالمشروعات أو بالأمن وخدهما، بل يحتاج أيضًا إلى تنمية الإنسان، وتعزيز المشاركة المجتمعية.
إن التحديات التي تواجه مصر كبيرة، ومستقبلها يرتبط بقدرتها على تحويل ما تم إنجازه في البنية الأساسية إلى نمو اقتصادي مستدام يمكنها أن تصبح مركزًا إقليميًا مهمًا في مجالات الصناعة والطاقة والخدمات والنقل، خاصة مع استمرار تطوير الموانئ والمناطق الاقتصادية والبنية الرقمية.
باختصار أقول: إن ذكرى 30 يونيو مناسبة للتأمل في رحلة دولة واجهت أزمات كبيرة ونجحت في إعادة ترتيب أولوياتها بقيادة وطنية صادقة، تواجه المشكلات ولا تهرب منها، تعالج الادواء من الجذور ولا تكتفي بالمسكنات والمهدئات، تصارح الشعب ولا تدغدغ عواطفه ومشاعره.
وهكذا تمضي مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي على طريق البناء والتنمية، مقتحمة الدروب الوعرة، والمسالك الصعبة، مؤمنة بان اجتثاث الأمراض من الجذور خير من الاكتفاء بمعالجة الأعراض.
فتحية لمصر في ذكرى 30 يونيه وتحية لقائدها الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي شاءت إرادة الله عز وجل ان يكون على موعد مع بناء مصر الحديثة على أسس صلبة متينة وبرؤية ثاقبة وإرادة لا تضعف ولا تلين.
وختاما أقول حفظ الله مصر قيادة وشعبا، وحفظ لها الوعي والرغبة والقدرة على الانطلاق، وهي قادرة على كل ذلك بتوفيق الله عز وجل، ثم بتلاحم أبنائها الشرفاء المخلصين.