رفعت فياض يكتب: زيادة الرواتب بالجامعات لمن؟.. وهل يستوي أستاذ الأقاليم المطحون مع حيتان عيادات القصر العيني ومتربحي الإعارات والكتب المليونية؟
لم أتسرع طوال الأيام الماضية في التعليق على ما يشبه "الهوجة" المنظمة التي ظهرت فجأة من قبل البعض، وبدأ كل من هب ودب منهم في الحديث عنها والمتاجرة بها عله يكون "التريند" على السوشيال ميديا، وهي قضية زيادة رواتب أعضاء هيئة التدريس بالجامعات.
ومع إيماني الشخصي أن أستاذ الجامعة الفاعل، المرتبط بكلية وجامعته وطلابه بشكل حقيقي، يجب أن يزيد راتبه بمعدل 3 أضعاف ما يتحصل عليه الآن -نعم أقول 3 أضعاف- لأن هذا حقه بالفعل نظرًا لمكانته المتميزة في المجتمع التي يتربع عليها؛ لأن أستاذ الجامعة يعتبر من أفضل فئات المجتمع تميزًا على الإطلاق نظرًا لمكانته العلمية والأدبية والثقافية والتربوية، كما أنه هو معلم الأجيال في المقام الأول، وهو القدوة لكل من يتعلم على يديه، وليس غريبًا أن نضاعف راتبه 3 مرات لكي يحصل على جزء من هذا التقدير الحقيقي الذي يستحقه منا ومن الدولة.
لكنني أتحدث عن أستاذ الجامعة المتواجد في جامعته وبين طلابه، وليست الفئات التي سأكشف النقاب عنها الآن، وأنا أعلم أن ما سأقوله في هذا المقال لن يعجب الكثيرين من هذه النوعيات الذين أقصدهم من أساتذة الجامعات وسأكشف النقاب عنهم، خاصة وأنني ملم بكل تفاصيل هذا القطاع لأكثر من 50 عامًا هي تخصصي الصحفي الدقيق وما زال حتى الآن. وسأسأل كل من يطالب حاليًا، خاصة من السادة البرلمانيين المتبنين لهذا التوجه، بزيادة رواتب أساتذة الجامعات في المطلق والمتاجرة بها لزوم الشو الإعلامي والانتخابي وحتى يكون "تريند" اللقطة، أسأله عدة أسئلة:
السؤال الأول: هل يوافق أن تكون هذه الزيادة مفتوحة لكل من يحمل لقب عضو هيئة تدريس؟ أم ستكون هذه الزيادة مشروطة؟ وما هي القواعد التي يجب أن نضعها لكي نضمن أن هذه الزيادة في حالة إقرارها ستذهب إلى من يستحقها بالفعل؟
وهل سيوافق على زيادة رواتب كل أعضاء هيئة التدريس خاصة بكليات الطب وبشكل أخص في الجامعات الكبيرة التي تؤكد الأرقام أن 20% فقط منهم هم الذين يقومون بالتدريس في هذه الكليات، وأن معظم هذه النسبة من المدرسين والأساتذة المساعدين -كما ذكر لي قبل ذلك د. عبد الوهاب عزت رئيس جامعة عين شمس الأسبق وبعض رؤساء الجامعات الآخرين، ونشرتها أكثر من مرة في أخبار اليوم- أما الغالبية العظمى من الأساتذة فإنهم لا يدخلون هذه الكليات إلا مرة واحدة على الأكثر طوال العام الدراسي الجامعي، ويكون كل جهدهم مركزًا بعياداتهم الخاصة المتعددة في أكثر من موقع للأستاذ الواحد، وكذلك في المستشفيات الخاصة أيضًا، وأنه يتم تحويل رواتبهم بالكلية على أرقام حساباتهم في البنوك مباشرة، وإن كانوا ليسوا في حاجة إلى هذا الراتب من الكلية لأن دخله الخارجي في يوم واحد يساوى إجمالي راتبه الشهري من الكلية؟
وأتحدى أي عميد لكلية طب من هذه النوعية خاصة في الجامعات الكبيرة أن يلزم أيًا من هؤلاء بالتواجد بالكلية أو التدريس للطلاب. وللتأكد من نسبة الـ 20% هذه، أرجو أن تطلبوا من الجامعات عدد أعضاء هيئة التدريس بالكلية المسجلين على الورق بها وعدد الطلاب بها أيضًا؛ وقتها سنجد أن نسبة الطلاب إلى أعضاء هيئة التدريس بكليات الطب خاصة بكليات طب القاهرة وعين شمس على سبيل المثال هي 2 إلى 1، أي 2 طالب لكل عضو هيئة تدريس، والذين وصل عددهم بالكلية إلى الآلاف ولنأخذ طب القصر العيني مثالًا لذلك؛ فهل هؤلاء هم الذين سنزيد من رواتبهم بالجامعة؟
السؤال الثاني: هل نقوم بزيادة راتب عضو هيئة التدريس الذي سافر للخارج لأكثر من 10 سنوات كإعارة خارجية، ثم تحايل على القانون بعد نهاية هذه المدة وأحضر لجامعته طلبًا آخر "مضروبًا" أو "مزورًا" لمرافقة الزوجة لعشر سنوات أخرى؟ حتى إن بعضهم -كما ذكر لي قبل ذلك د. جمال أبو المجد رئيس جامعة المنيا الأسبق- جاء له يومًا ما أستاذ بعقد عمل لزوجته أنها ستعمل "مديرة منزل" ويطلب تجديد الموافقة له على السفر لمدة عشر سنوات أخرى مرافقًا للزوجة! نعم "مديرة منزل" لأنه لم يكتفِ بالعشر سنوات السابقة ويريد أن يستمر حتى يصبح 20 سنة إعارة، كما أن بعضًا من هذه النوعية يعود من الإعارة بعد أن شبع منها ماديًا إلى كليته مؤقتًا وعينه على الترشح للعمادة أو وكالة الكلية أو رئاسة القسم أو الترشح لعضوية اللجان العلمية بالمجلس الأعلى للجامعات لزوم "المنظرة"، وبعد وصوله لسن المعاش وتحرره من شرط موافقة كليته على تجديد الإعارة خاصة الداخلية منها، يستغل إمكاناته في التواصل لبدء فصل جديد من الإعارة الداخلية ويبحث عن العمل في الجامعات أو المعاهد العالية الخاصة كعميد أو نائب رئيس جامعة، بعد أن وجد أنه أصبح أكبر من أن يدخل للطلاب للتدريس في كليته الحكومية.
وقد حدث أن أحدًا من هؤلاء وقتما كان د. جابر نصار رئيسًا لجامعة القاهرة ظل عميدًا لكلية طب خاصة لمدة 4 سنوات وفي نفس الوقت موجود على الورق أنه ما زال بكلية طب القصر العيني كأستاذ، وكان يتم تحويل راتبه الشهري على حسابه بالبنك شهريًا، وبعد أن كُشفت هذه الحالة أرغمه د. جابر نصار على إعادة كل ما صرفه من راتب لخزانة الكلية على مدى الأربع سنوات، وقد نشرت هذه الواقعة وقتها بالتفصيل في أخبار اليوم؛ فهل هذه النوعية هي التي نزيد من راتبها بالجامعة؟ وهل تستحق؟
السؤال الثالث: هل نزيد من رواتب أعضاء هيئة التدريس الذين يجمعون بين التدريس بالكلية الحكومية ولهم راتبهم مقابل ذلك، ويقومون بالتدريس في نفس الوقت بالبرامج المميزة بالكلية، وطبعًا لها مكافأتها الضخمة المستقلة، ثم يقومون بالتدريس في الجامعة الأهلية التي خرجت من رحم جامعتهم، خاصة وأنه قد أصبح لدينا حاليًا 28 جامعة أهلية بمعدل جامعة أهلية بمصروفات لكل جامعة حكومية؟ نعم، ليس كل أعضاء هيئة التدريس بكل جامعة يتمتعون بهذه الفرص، لكن من حالفه الحظ ويتمتع بكل هذه الميزات، هل نزيد من راتبه مثل غيره من طائفة "الغلابة" من زملائه من أعضاء هيئة التدريس الذين ليس لهم إلا راتبهم فقط من الكلية؟
السؤال الرابع: هل نزيد من راتب عضو هيئة التدريس الذي وصل أو اقترب من سن المعاش وهو ما زال بدرجة "مدرس" ولم يسعَ لأي ترقية أو عمل أي بحوث علمية طوال السنوات التي تلت حصوله على درجة الدكتوراه؟ وعلى أي أساس يتم زيادة الراتب خاصة وأن فكره الأكاديمي قد تحجر عند رسالة الدكتوراه التي ناقشها وحصل بها على درجة مدرس منذ ثلاثين أو 35 سنة ولم يطور من نفسه حتى وصل إلى سن المعاش؟
السؤال الخامس: هل قمنا بإجراء دراسة عن عدد أعضاء هيئة التدريس بالكليات النظرية مثل كليات التجارة والحقوق خاصة القاهرة وعين شمس على سبيل المثال مقارنة بعدد طلاب هذه الكليات، والذين يقاتلون من أجل عدم تعيين معيدين جدد بالكلية تتفق والنسب العالمية بهذه الكليات حتى لا يتم منافستهم في عائد الكتب الذي يصل حجمه إلى الملايين؟ فهل هذه هي النوعية التي سنزيد رواتبها؟ ومقابل ماذا؟ أم نجعل الزيادة على الفئة المطحونة في نفس هذه الكليات من المعيدين والمدرسين المساعدين والمدرسين أيضًا الذين لا يستفيدون من عائد هذه الكتب ولا يُسمح لمعظمهم بتأليف أي كتاب جديد غير الذي يقوم الأستاذ الأقدم بتدريسه؟
السؤال السادس: أليس من الممكن، خاصة وأنه قد أصبح لدينا 28 جامعة أهلية بمصروفات وليس بها أعضاء هيئة تدريس معينين حتى الآن لأنها ما زالت قائمة على انتداب أعضاء هيئة التدريس لكلياتها المختلفة من الجامعة الأم، أن نخيرهم ما بين استمرارهم في جامعاتهم الحكومية وندرس إمكانية زيادة رواتبهم وقتها، أو الانتقال للجامعة الأهلية براتب أعلى بلا شك؟
يا سادة، أرجو عند مناقشة هذه القضية أن نتناولها بموضوعية شديدة، وأن نراعي الله فيما ننادي به، وأن نكون ملمين بالواقع الحالي بمختلف الجامعات، وبواقع كل نوعيات أعضاء هيئة التدريس بها. وأرجو من الجميع أن يدرس حال أعضاء هيئة التدريس الموجودين خاصة في معظم الجامعات الإقليمية التي لا دخل لها سوى راتبها الشهري من الكلية التي ينتمون إليها، والتي تتواجد معظم أيام الأسبوع بكليتها وبين طلابها، وهذه هي الفئة وأمثالها التي أؤيد زيادة رواتبها 3 أضعاف ما تتقاضاه الآن؛ أما إذا قمنا بالتعميم فسوف نكون قد أخطأنا خطأً جسيمًا بإهدار المال العام لفئات وأماكن غير مستحقة، ونكون قد ظلمنا الدولة كثيرًا في هذا المجال. اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.