صناعة الدواجن بين مطرقة الشائعات وسندان تقلبات السوق.. شعبة الثروة الداجنة توضح كواليس الأزمة وحلول الاستدامة.. والزيادة غير المسبوقة في الإنتاج أبرز أسباب تراجع الأسعار
حالة من الجدل الواسع ممزوجة بالشائعات تضرب قطاع الثروة الداجنة في مصر، القطاع الذي يمثل العمود الفقري للبروتين الحيواني لشريحة عريضة من المواطنين، مع ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء.
ويشهد القطاع حالة غير مستقرة؛ بين تذبذب حاد في الأسعار نزولًا وصعودًا، وانتشار شائعات تمس سلامة المنتج الوطني.
ليكون لنا هذا الحوار مع الدكتور عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الثروة الداجنة في غرفة القاهرة التجارية، الذي حاول من خلاله وضع النقاط على الحروف في حوار صريح لـ «فيتو» كشف فيه عن الحقائق الغائبة ووضع خارطة طريق لإنقاذ هذه الصناعة الاستراتيجية.
الرد على التعديل الجيني
بدأ الدكتور عبد العزيز السيد حديثه بنفي قاطع ومشدد لما تم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي من تصريحات منسوبة إليه تزعم أن الدواجن واللحوم والخضروات في مصر معدلة جينيًا.
ووصف هذه الادعاءات بأنها عارية تمامًا من الصحة وتمثل نوعًا من التشهير والإساءة البالغة التي تستوجب الملاحقة القانونية.

الغذاء المصري آمن تمامًا
وأكد أن الغذاء المصري آمن تمامًا، مشددًا على أن الدولة تمتلك منظومة رقابية صارمة تمنع تداول أي منتجات تضر بالصحة، مستشهدًا بنتائج تحاليل وفحوصات رسمية أكدت خلو الدواجن المصرية من الهرمونات أو المتبقيات الضارة.
ودعا في هذا الصدد المواطنين ووسائل الإعلام إلى تحري الدقة والاعتماد على المصادر الرسمية لتجنب إثارة البلبلة التي تضر بسمعة القطاعات الإنتاجية الوطنية.

لغز انخفاض الأسعار.. هل أطاح نظام الطيبات بالدواجن؟
وبالانتقال إلى الملف الأكثر إثارة للجدل حاليًا في السوق المحلي، وهو الانخفاض المفاجئ والكبير في أسعار الدجاج والبيض، الذي طرح تساؤلات حول مدى تأثير "نظام الطيبات" في عزوف الناس عن الاستهلاك مما أدى لهبوط الأسعار.
أوضح عبد العزيز السيد أن هذا النظام كان له دور، لكنه ليس بالدور المؤثر الكبير الذي يُنسب إليه في خفض أسعار الدواجن والبيض؛ حيث قدر تأثير السوشيال ميديا وما يثار حول هذا النظام بنسبة تتراوح بين 10% إلى 15% فقط من إجمالي مشهد انخفاض الأسعار.
وحذر من اللعب في مقدرات صناعة استراتيجية توفر 75% من احتياجات البروتين للمجتمع، مشيرًا إلى أن ضرب الصناعة الوطنية سيعني حتمًا اللجوء للاستيراد بالعملة الصعبة.

الأسباب الحقيقة لانخفاض أسعار البيض والدواجن
وقال «السيد» أن هناك أسباب جوهرية أدت إلى انخفاض أسعار البيض والدواجن بعيدًا عن ضجيج السوشيال ميديا؛ منها:
- زيادة غير مسبوقة في الإنتاج: بعد أزمة عام 2022 ونقص مستلزمات الإنتاج، عاد المنتجون بقوة، ودخلت فئات جديدة للمنظومة وهم صغار المربين مما خلق إغراقًا للمنتجات في السوق.
- غياب الأزمات الوبائية: ساهم استقرار الحالة الصحية للدواجن، خاصة في فصل الصيف، في الحفاظ على وتيرة إنتاج عالية.
- ضعف الطلب وتراكم الأعباء: يعاني المواطن المصري من ضغوط مالية متلاحقة؛ بدءًا من مصاريف شهر رمضان والعيد، وصولًا إلى امتحانات الثانوية العامة وتكاليف عيد الأضحى.
واستطرد قائلًا: إن المواطن «معهوش فلوس» للشراء حتى مع انخفاض الأسعار، مما أدى لركود في الطلب مقابل وفرة المعروض.

كواليس سوق البيض.. من 185 جنيهًا لخسائر فادحة
كما يشهد سوق البيض أيضًا حالة من الدراما؛ حيث انخفض سعر كرتونة البيض من مستويات قياسية وصلت إلى 185 جنيهًا في بعض الفترات إلى نحو 65 جنيهًا في المزرعة حاليًا.
تكلفة إنتاج كرتونة البيض الفعلية
وفي هذا السياق، كشف «السيد» أن تكلفة إنتاج كرتونة البيض الفعلية تتراوح بين 100 إلى 110 جنيهات، نظرًا لأن الدجاجة لإنتاج الكرتونة تستهلك نحو 5 إلى 5.5 كيلو علف، ويصل سعر كيلو علف نحو 20 جنيها؛ وهذا يعني أن المنتج يخسر حاليًا ما بين 25 إلى 35 جنيهًا في كل كرتونة بيض يبيعها.
وحذر من أن استمرار هذه الخسائر سيؤدي حتمًا إلى خروج المربين من المنظومة، مما سيخلق "شحية" في المعروض مستقبلًا تؤدي لقفزات جنونية جديدة في الأسعار.

وضع نظام للتسعير
و نادى الدكتور عبد العزيز السيد بضرورة العودة إلى نظام التسعير أو وضع مدى سعري منضبط، وهو المطلب الذي ينادي به منذ أكثر من 10 سنوات، مقترحًا تشكيل لجنة دائمة تضم متخصصين لتحديد التكلفة الفعلية لكل من سعر الكتكوت، العلف، الأدوية مع وضع هامش ربح عادل للمنتج.
رفض آليات العرض والطلب
ورفض «السيد» التحجج بآليات العرض والطلب في تحديد أسعار البيض والدواجن، مؤكدًا أنها تُستخدم فقط عندما تكون الأسعار مرتفعة لتبرير الغلاء، بينما يصرخ الجميع عندما تنخفض الأسعار.
وشدد على أن الحكومة قادرة على تطبيق القانون، ضاربًا المثل بنظام التسعير الذي كان متبعًا في الثمانينات، حيث كان سعر كيلو الفراخ محددًا بـ 2.70 جنيه وسعر البيضة بـ 95 مليم.
وأكد أن من أمن العقاب أساء الأدب، وأن الرقابة الصارمة هي الكفيلة بمنع التفاوت الكبير في الأسعار بين منطقة وأخرى.

الثروة الحيوانية والبحث العلمي.. أين الخلل؟
وبالحديث عن قطاع اللحوم الحمراء، أشار إلى وجود عجز يصل إلى 40% في الثروة الحيوانية يتم تعويضه عبر الاستيراد سواء ذبح فوري أو تربية، منتقدًا بشدة دور البحث العلمي في مصر، واصفًا إياه بأنه «قاصر وحبيس الأدراج».
صناعة أعلاف منخفضة التكلفة للماشية
وأوضح أن مصر تمتلك مخلفات زراعية تتراوح بين 70 إلى 80 مليون طن سنويًا، ويمكن استغلالها في صناعة أعلاف منخفضة التكلفة للماشية، مما يقلل سعر اللحوم بشكل كبير.
ودعا الباحثين لتقديم حلول تجارية قابلة للتطبيق على أرض الواقع بدلًا من الأبحاث التي تهدف فقط للترقيات الأكاديمية.
الفجوة السعرية في أسعار اللحوم
استنكر رئيس الشعبة التفاوت الرهيب في أسعار اللحوم داخل الحي الواحد؛ حيث قد يباع كيلو اللحم في محل بـ 420 جنيهًا وفي محل مجاور بـ 570 جنيهًا بحجج واهية مثل الإيجار أو مستوى الخدمة.
وأكد أن هذه الممارسات غير مقبولة نهائيًا، مطالبًا بوضع حد أدنى وحد أعلى للسعر تتبناه الحكومة وتراقبه الجهات الرقابية لمنع استغلال المواطن البسيط.

حلول لاستيعاب فائض الإنتاج ومنع انهيار الصناعة
وطرح الدكتور عبد العزيز السيد حلولًا لاستيعاب فائض الإنتاج الحالي في البيض والدواجن ومنع انهيار الصناعة، ومنها:
- التصدير للخارج: أكد أن مصر هي أرخص دولة تبيع البيض في المنطقة، مما يفتح فرصًا واعدة للتصدير للدول المجاورة مثل السعودية لتحقيق توازن في السوق المحلي.
- الاحتياطي الاستراتيجي: كشف عن وجود احتياطي استراتيجي من السلع الأساسية لا يقل عن 3 أشهر، مما يسمح للحكومة بتثبيت الأسعار لفترات محددة مع الرقابة الصارمة.
- التوعية الإعلامية: طالب وزارة الصحة والاعلام بالقيام بحملات توعية لإرشاد المواطنين حول الغذاء السليم والآمن بعيدًا عن تهويل السوشيال ميديا.
منظومة منضبطة
واختتم الدكتور عبد العزيز السيد حواره؛ بأن صناعة الدواجن في مصر ليست مجرد تجارة، بل هي أمن قومي غذائي، والانخفاض الحالي في الأسعار، رغم كونه خبرًا سارًا للمستهلك، يحمل في طياته خطرًا داهمًا بانهيار المزارع وخروج المنتجين.
وأضاف: الحل يكمن في الانضباط؛ من خلال منظومة سعرية عادلة، رقابة صارمة، ودعم حقيقي للمنتج يضمن بقاءه وللمستهلك يضمن قوته، بعيدًا عن شائعات الفضاء الإلكتروني وتقلبات السوق العشوائية.