في ذكرى رحيله، حافظ إبراهيم شاعر النيل الذي جعل مصر تتحدث عن نفسها
حافظ ابراهيم، شاعر النيل وشاعر الشعب، نظم الشعر ببراعة ويمثل شعره أدبا رائعا، فكان له أسلوبه الخاص، شعره يدفع على النهضة والبناء، حاول الكتابة في جريدة الأهرام إلا أن صاحبها رفض خوفا من كتابته ضد الاستعمار والإنجليز بصفة خاصة، ورحل فى مثل هذا اليوم 21 يونيو عام 1932.
عن نفسه يقول الشاعر حافظ ابراهيم: أنا شرقى ربيت في الشرق وشببت على أخلاق وعادات شرقية لا يروق نفسى سواها، فلا تعجبنى الأخلاق الغربية، لأنه من الصعب أن يخرج الإنسان من أخلاقه وعاداته، فلا يعجبنى إلا الحياة الشرقية بالرغم من أنها لا تزال تحتاج إلى العلم والنظام.
ولد على شاطئ ديروط
ولد شاعر النيل حافظ إبراهيم عام 1872، على متن سفينة كانت راسية على نهر النيل قبالة شواطئ ديروط بأسيوط، والده مصري الأصل، وأمه تركية، رحل والداه وهو طفل وتبناه خاله وكان يعمل مهندسا للرى، فتربى على النيل وتعلم فى الكتاب، عاش فى طنطا فترة من الزمن حيث حفظ أجزاء من القرآن الكريم، وآلاف القصائد من الشعر القديم والحديث وكانت لديه قدرة فائقة على الحفظ.
بدأ ضابطا بالقوات المسلحة
تخرج حافظ إبراهيم من المدرسة الحربية وعين ضابطا بالجيش بوزارة الحربية وسافر إلى العمل بالسودان، نظم الشعر ببراعة وكان له أسلوبه الخاص وكذلك القضايا التي يناقشها فكان شعره أدبا رائعا وكلمات ذات معنى تحث النفوس على الخير والحب والأمل والمودة والمروءة.

عمل حافظ إبراهيم فى أكثر من وظيفة حكومية قبل أن يترأس القسم الأدبى بدار الكتب، وقيل: إن أمير الشعراء حاول أن يجد له وظيفة كاتب بجريدة الأهرام لكنه فشل لميول صاحب الأهرام اللبنانى الجنسية إلى الإنجليز، حتى إنه كان يخشى من شعر حافظ إبراهيم ضد الإنجليز متحاشيا سطوة المندوب الإنجليزي اللورد كرومر ورد فعله على كتاباته .
الوعاء الذى يتلقى الوحى
وكان شاعر النيل حافظ إبراهيم مبذرا شديد الإسراف حتى قيل إنه كان يستأجر القطار كاملا ليوصله إلى حلوان حيث يسكن، وصفه الشاعر خليل مطران بالوعاء الذى يتلقى الوحى من شعور الأمة وأحاسيسها ومؤثراتها في نفسه ليمتزج كل ذلك بشعوره وإحساسه فيأتى منه القول المؤثر في النفوس، وقال عنه عباس العقاد: مفطورا بطبعه على إيثار الجزالة والإعجاب بالصياغة والفحولة في العبارة.
مصر تتحدث عن نفسها
فى مثل هذا اليوم عام 1932 رحل شاعر النيل حافظ إبراهيم الذى جعل مصر تتحدث عن نفسها وتباهى العالم وهى تقول: وقف الخلق ينظرون جميعا..كيف أبنى قواعد المجد وحدى.. وبناة الأهرام فى سالف الدهر.. كفونى الكلام عند التحدى.. أنا تاج العلاء فى مفرق الشرق.. ودراته فرائد عقدى.. إن مجدى فى الأوليات عريق.. من له مثل أولياتى ومجدى.. أنا إن قدر الإله مماتى.. لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدى..ما رمانى رام وراح سليما..من قديم عناية الله جندى.. كم بغت دولة على وجارت.. ثم زالت وتلك عقبى التعدى.

غنت ام كلثوم قصيدة مصر تتحدث عن نفسها بصوتها ولحنها الموسيقار رياض السنباطى فى حفل بمسرح الجلاء بحضور الرئيس محمد نجيب ورئيس الوزراء جمال عبد الناصر وأعضاء مجلس قيادة الثورة، وقوبلت بالتصفيق الحاد والهتاف بحياة الثورة بعد الجلاء.
ليالى سطيح أشهر مؤلفاته
من مؤلفات حافظ إبراهيم إلى جانب القصائد كتاب نثرى باسم "ليالى سطيح" وهو عبارة عن مقالات تأثر فيها بما كتبه الأديب محمد المويلحى فى كتابه حديث عيسى بن هشام، كتب مقدمة كتاب حافظ إبراهيم الأديب عبد الرحمن صدقى فوصف مقالات حافظ بأنها تؤرخ لمصر فى الفترة التالية للاحتلال البريطانى عام 1882 حتى مأساة حادثة دنشواى عام 1906.
لم يجمع حافظ إبراهيم قصائده فى ديوان ولم يطبعه أو ينشره بل كان يلقى شعره فى المنتديات بأسلوبه الخطابى الرنان وكان ينشرها فى صحف ومجلات عصره، وعندما أحيل إلى التقاعد لبلوغه سن المعاش عام 1932 رحل فجأة فى نفس العام ودفن فى مقبرة جده بجوار مسجد السيدة نفيسة، ثم أمر محافظ القاهرة محمود باشا صدقى ببناء مقبرة فى نفس المكان تليق بشاعر النيل العظيم حتى نقل اليها.
جمع قصائده بعد وفاته
بعد الرحيل قام وزير المعارف إبراهيم زكى العرابى عام 1936 بتكوين لجنة علمية لجمع قصائد حافظ إبراهيم من الصحف والمجلات ــ كان أحد أعضاء اللجنة الدكتور أحمد أمين ــ قامت اللجنة بطبع قصائده فى ديوان كتب مقدمته أحمد أمين عضو اللجنة قال فيها: "كان حافظ وطنيا جياش العاطفى، وهو الذى قال فى مصر: لعمرك ما أرقت لغير مصر..ومالى دونها أمل يرام".

عاصر شاعر النيل حافظ إبراهيم أمير الشعراء أحمد شوقى وكانا صديقين حميمين، حتى إنه كان من مبايعى شوقى أميرا للشعراء، وفى نفس الوقت كانت بينهما نوادر وقفشات، وقد حزن أحمد شوقى يوم رحيل صديقه حافظ وكان يقضى الصيف بالإسكندرية ولم يعلم بالخبر إلا بعد ثلاثة أيام فرثاه بقوله "كنت أوثر أن تقول رثائى.. يا منصف الموتى من الأحياء" .