فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

ما هي الضوابط الشرعية لبناء المقابر؟ الإفتاء تجيب

الضوابط الشرعية لبناء
الضوابط الشرعية لبناء المقابر

ورد سؤال إلى دار الافتاء يقول فيه السائل ما هي الضوابط الشرعية عند إنشاء المقابر؟ حيث إننا بصدد تنفيذ مشروع مقابر، وبصفتنا المالكين للمشروع وقبل الشروع في إجراءات التراخيص والتنفيذ، نرغب في الوقوف على الضوابط الشرعية الواجب مراعاتها عند إنشاء المقابر وتجهيزها بما يضمن توافق المشروع مع أحكام الشريعة الإسلامية وآداب الدفن وأحكام الجنائز.

 

وتقول دار الافتاء في ردها على السؤال إن الشرع الشريف فضل الإنسانَ وكرَّمه، فشَرَع له بعد مَمَاتِهِ قبرًا يُواريه ويحفظه؛ صيانةً لحرمته وحفظًا لأمانته، والأصل في بناء المقابر  أن يُعَمَّقَ القبر  في الأرض مَحَلِّ الدَّفن، وأقل ذلك أن يكون على قَدْر قامَة الإنسان الذي يَرفع يدَه فوقَه، وأن يكون بطول الميت، وعرضه نصف طوله إن كان في صورة لحد أو شقٍّ، فإن لم تَصلُح الأرضُ لأيٍّ منهما فلا مانِع مِن الدَّفن في الفَسَاقِيِّ والغُرَف ونحوها، بشرط أنْ تُحَقِّق المطلوب شرعًا في القبر، من نحو أن  يُوَارِي القبرُ جسدَ الميت فيَستُره ويَكتم رائحتَه عن الأحياء، وأن يكون تصميمُه الهندسي بحيث يوضَع فيه الميت على جنبه الأيمن مُستقبِلًا بوجهه وشِقِّه الأيمن القِبلةَ، وأن يكون مُحكَم الإغلاق؛ ليَحفَظه مِن الاعتِداء عليه بسرقةٍ أو نبشِ سِبَاعٍ أو نحوهما، وأن يكون ممهدًا مستويًا من داخله، ولا بأس بأن توضع عليه علامة تميزه من الخارج حتى يُعرف صاحبه، وهذا كله مع مراعاة اللوائح والقوانين المنظِّمة لذلك.

بيان حكم دفن الموتى في المقابر 
 

وقال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55]، وقال سبحانه في مَعرِض الِامتِنان: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ۝ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25- 26]، وقال جلَّ شأنه: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُۥ﴾ [عبس: 21].

وقد أَجمَعَ المسلمون على أنَّ دَفن الميت ومُوَارَاةَ بَدَنِهِ فرضُ كِفَايَةٍ على الناس، إذا قام به بَعضٌ مِنهم أو مِن غيرهم سَقَط عن الباقين.

قال الإمام ابن المنذر في "الإجماع" (ص: 44، ط. دار المسلم): [وأجمعوا على أن دفنَ الميت لازمٌ واجبٌ على الناس لا يسَعُهم تركه عند الإمكان، ومن قام به منهم سقط فرض ذلك على سائر المسلمين] اهـ.

وقال الإمام النووي في "المجموع" (5/ 282، ط. دار الفكر): [دفن الميت فرض كفاية بالإجماع، وقد عُلِمَ أن فرضَ الكفاية إذا تَعَطَّلَ أَثِمَ به كل من دخل في ذلك الفرض دون غيرهم] اهـ.

الضوابط الشرعية عند إنشاء المقابر


قال العلامة شيخي زاده في "مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر" (1/ 186، ط. دار إحياء التراث العربي): [(ويحفر القبر) وهو مقر الميت طوله على قدر طول الميت، وعرضه على قدر نصف طوله، وعمقه إلى السرة. وقيل: إلى الصدر، وإن زاد عليه فهو أفضل، فلو كان على قدر قامته فهو أحسن] اهـ.

وقال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" (2/ 234، ط. دار الفكر): [(قوله: مقدار نصف قامة إلخ) أو إلى حَدِّ الصدر، وإن زاد إلى مقدار قامةٍ فهو أَحْسَنُ، كما في "الذخيرة". فعُلِمَ أنَّ الأدنى نصفُ القامة، والأعلى القامةُ وما بينهما، "شرح المُنية". وهذا حَدُّ العُمق، والمقصود منه: المبالغة في مَنْعِ الرائحة ونَبْشِ السِّباع. وفي القُهُسْتَاني: وطولُه على قَدْرِ طولِ الميتِ، وعَرْضُه على قَدْرِ نصفِ طولِه] اهـ.

وقال الإمام النووي في "المجموع" (5/ 287): [يستحب أن يعمَّق القبر؛ لحديث هشام بن عامر الذي ذكرناه، ويستحب أن يكون عُمقُه قامةً وبسطة؛ لما ذكره المصنف. هذا هو المشهور الذي قطع به الأصحاب في كل طرقهم، إلا وجهًا حكاه الرافعي وغيره: أنه قامة بلا بسطة، وهذا شاذ ضعيف. ومعنى القامة والبسطة: أن يقف فيه رجل معتدل القامة ويرفع يديه إلى فوق رأسه ما أمكنه. وقدَّر أصحابنا القامة والبسطة بأربع أذرع ونصف، هذا هو المشهور في قدرهما، وبه قطع الجمهور] اهـ.

وذلك إذا كان نظام الدفن المتَّبَع على صورة "الشَّق"، فيكون بتعميق في الأرض مَحَلِّ الدَّفن على قَدْر قامَة الإنسان العادي الذي يَرفع يدَه فوقَه -أي مترين وربع المتر تقريبًا-، ثم يُحفَر في أرضها على قَدْر وضع الميت على جَنبه بِطُوله، بحيث يكون على جَنبه الأيمن وصَدرُه إلى القِبلة، ثم يُوَسَّد في قبره ويَدُه لِجَنْبِهِ، ثم تُوضَعُ اللَّبِناتُ أو الحِجارة فوق الشَّقِّ، ثم يَخرج الحافِر، ثم يُهالُ عليه التراب.

وإذا كان على صورة "اللَّحْد"، فيتحقق بأنْ يَقوم الواقفُ داخلَ الحُفرة المُعَمَّقة في الأرض بحَفرِ مكانٍ في جانِبِ القبر مِن جهة القِبلة على بُعد ثُلُثَي طُولِه مِن الأرض يَسمح بدَفن الميت فيه، ويُعَمِّقه بحيث يُمكِن إرقادُ الميت فيه على الهيئة السابقة، ثم يُغطِّي الجانبَ المفتوح باللَّبِن أو الحِجارة، ثم يَخرج الحافِر ويُهِيل التراب، مع التنويه على أن هاتين الطريقتين إنما تَصلُحان في الأرض الصَّلْبة.

فإن لم تَصلُح الأرضُ لأيٍّ منهما فلا مانع مِن أن يَكون الدَّفنُ بأيِّ طريقةٍ أخرى بشرط أنْ تُحَقِّق المطلوب شرعًا في القبر، كما سبق بيانه؛ لتحقق المطلوب به مِن الدفن الشرعي وحِكمته مِن مُوَارَاةِ جسد الميت والحفاظِ عليه مِن أن يَتعرض للأذى والامتِهان، وهذا هو المفتَى به، وعليه العمل في الديار المصرية منذ زمنٍ بعيد، حيث أجازوا الدفن في الفَسَاقِيّ -جمع فَسْقِيَّة، وهي حجرةٌ صغيرةٌ مبنيةٌ تَسَعُ الميت، سواء كانت تحت الأرض أو فوقها- نظرًا لرطوبة الأرض ورخاوتها بسبب مجاورة الأنهار وكثرة المياه الجوفية.

وهذا مأخوذ من تعامل الفقهاء مع دفن الموتى في الأراضي الرِّخوة أو النَّدِيَّة تعاملًا مصلحيًّا، حيث نظروا فيه إلى المصلحة بفعل ما يدفع الأذى عن الميت؛ فجوَّزوا اتِّخاذ الوسائل وعمل الإجراءات التي تزيد إحكام القبر وإغلاقه، فقالوا بجواز الدفن في تابوتٍ، سواء كان حجرًا أو خشبًا أو حديدًا، وبجواز وضع القصب أو البلاط بدلًا عن الطين، وبجواز وضع الأحجار التي تحفظ القبر من الاندراس والنبش، وبجواز توسيع القبر أو تعميقه أو رفع بنائه كلما احتيج إلى ذلك، ومع اختلافهم في المفاضلة بين الشَّقِّ والَّلحد فقد أجازوهما جميعًا.

وسواء كان القبر على أي صورة من هذه الصور المذكورة، فلابد من مراعاة جملة من الضوابط والأحكام والآداب الشرعية التي معها يصلح القبر لدفن الميت فيه، ومن ذلك:

أولًا: أن يُوَارِي جسدَ الميت ويَحفَظه مِن الاعتِداء عليه ويَستُره ويَكتم رائحتَه؛ لأن الحكمة من القبر هي صون الجسم عن الانتهاك، أو انتشارِ ريحه المستلزِم للتأذي منها من قبل الأحياء، واستقذارِ جيفته، فكان لا بد مِن قبر يَمنَع ذلك.

ثانيًا: أن يُراعَى في الرسم التخطيطي والهندسي لمنطقة القبور أن يكون ضِلعُ القبر المقابلُ لوجه الميت مستقبلًا القِبلة، بحيث إذا وُضع الميت على جَنبه الأيمن بِطُوله يكون صَدرُه مُتَّجهًا لِلقِبلة، مع العلم بأن الانحرافَ المسموح به في ذلك عن سَمْتِ الكعبة المشرَّفة شرعًا عند الضرورة أو الحاجة هو ما يكون في حدود ربع الدائرة مِن جهتها، وهو 45 درجةً يمينًا، ومِثلُها شِمالًا، وما دام الميتُ المدفونُ متوجهًا إلى القبلة في حدود ذلك غير مجاوِزٍ له، فإنه يكون مستقبلًا القبلة، ولا يُعَدُّ منحرفًا عنها.

وتوجيه الميت إلى القبلة هو ما عليه عمل المسلمين من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا.

ثالثًا: أن يكون القبر مُحكَمَ الإغلاق (مُصْمَتًا)، بحيث يصان الميت عن كافة أنواع السرقات والانتهاكات التي يمكن أن يتعرض لها بعد دفنه، فهي جريمة في حق الأحياء، وفي حق الأموات من باب أولى.

قال الإمام ابن الحاج في "المدخل" (3/ 270): [والسرقة معصية كبرى إذا كانت في حق الأحياء، فما بالك بها في حق الموتى؟!] اهـ.

رابعًا: أن يكون القبر من الداخل ممهدًا مستويًا نظيفًا، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد: «احفِرُوا، وَأَوسِعُوا، وَأَحسِنُوا» أخرجه الأئمة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه واللفظ له.

خامسًا: لا بأس بوضع علامة تميز القبر كالألواح والرخام المكتوب عليه ونحو ذلك مما يميز القبور ليسهل الاستدلال عليها ويُعرَف أصحابها ويتيسر الوصول إليها؛ لما روي عن المُطلب بن عبد الله بن حنطب، في قصة موت عثمان بن مظعون رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حمل حجارة، فوضعها عند رأسه، وقال: «لِنَعلَمَ بِهَا قَبرَ أَخِي، وَأَدفِنَ إِلَيهِ مَن مَاتَ مِن أَهلِي» أخرجه الإمامان: أبو داود، والبيهقي في السنن الصغرى واللفظ له.