عمرها أكثر من 1000 عام، قصة "العيدية"من "ذهب المعز" و"الجامكية" إلى الجنيه المصري
العيدية، من أهم مظاهر الاحتفال بـ العيد، مثلها مثل الملابس الجديدة، أشهر العادات القديمة، حيث لا تكتمل فرحة الكبار والصغار إلا بها، ينتظرها الصغار من العام الى العام، وهي غالبًا ما تكون مبلغًا من المال، وقد تطورت العيدية من بعد أن كانت هدية عينية أصبحت هدية إلكترونية، وبرغم هذا التطوير في شكل العيدية العام إلا أنها مستمرة منذ زمن بعيد كطقس مصري قديم، تبعث البهجة وتوطد الروابط الأسرية.
فبينما نتبادل العيدية اليوم، نحن نُكمل مسيرة بدأها أجدادنا كرمز للفرح والاحتفال، وجزء لا يتجزأ من طقوس الأعياد، ورغم أنها بدأت كممارسة اجتماعية بسيطة، إلا أنها تأثرت بمرور الزمن بالمتغيرات الاقتصادية.
مقادير من الدراهم في الدولة الفاطمية
وأكدت المراجع وكتب التاريخ أن ظهور "العيدية" يرجع إلى الدولة الفاطمية في مصر المحروسة، حين خصص الفاطميون للفقهاء وقراء القرآن الكريم بمناسبة ختم القرآن ليلة العيد مقادير مختلفة من الدراهم الذهبية، مع توزيع كسوة العيد على موظفي الدولة، مصحوبة بمبالغ من الدنانير الذهب تختلف حسب رتبهم الوظيفية. يعود أصل العيدية إلى العصور الإسلامية، وتم توزيع "ذهب المعز" أيضًا كعطايا عندما يذهب الناس إلى قصر الخليفة الفاطمي لتهنئته صباح يوم العيد، فقد كان الخليفة يطل عليهم من شرفة أعلى باب القصر ليفرق عليهم الدراهم الفضية والدنانير الذهبية، وعُرفت تلك النقود باسم "العيدية" نظرًا لارتباط الحصول عليها بقدوم العيد.

وانتشرت “العيدية” في عصر الدولة المملوكية، حيث كانت تُمنح كهدايا نقدية للأطفال والفقراء خلال الأعياد، وكان اسمها "الجامكية"، وكانت تقدم في شكل طبق مملوء بالدنانير الذهبية أو الفضية.
صلاح الدين الأيوبي يمنع العيدية
ومع الدولة الأيوبية، اضطر صلاح الدين الأيوبي لوقف "العيدية" عن الشعب، وحتى عن أصحاب الوظائف المدنية، واكتفت الدولتين الأيوبية والمملوكية بصرفها للجنود من المماليك، وبصفة خاصة في عيد الأضحى، ففي العصر المملوكي كان السلطان يقدم راتبًا للأمراء والجنود بمناسبة قدوم العيد، وفقًا لرتبة كل منهم بحيث يحصل الأقل رتبة على عيدية أقل مما يحصل عليها الأعلى رتبة.
صعوبة في استمرار العيدية
وفي عصر الدولة العثمانية أخذت العيدية شكل النقود، واستمر هذا التقليد حتى وقتنا هذا. استمرت العيدية حتى وقت قريب عبارة عن قروش معدودة، لكنها كانت كافية لإسعاد الصغار. ومع تغير الزمن وارتفاع الأسعار، ارتفعت قيمة العيدية تدريجيًا، لتصبح الجنيهات الورقية الصغيرة هي السائدة، ثم زادت مع التحولات الاقتصادية والتضخم، حتى بات الأهالي يواجهون صعوبة في تقديم المبالغ المعتادة، ما دفع البعض إلى البحث عن بدائل، مثل تقديم الهدايا الرمزية بدلًا من النقود، أو تقليل القيمة الممنوحة للأطفال.
عسب العيد في اليمن
ويختلف اسم العيدية من بلدٍ لآخر، إلا أنها تجتمع في النهاية على أنها قيمة مادية تهدى للأطفال في العيد لشراء الحلوى، ففي اليمن تسمى العيدية "عسب العيد" وهي تقدم للمقربات من المحارم والشقيقات بوجه خاص، ويلتزم الرجل بالسفر إلى أماكن تواجدهن لمنحهن إياها. وفي سوريا يطلق على العيدية اسم "الخرجية" ويعطيها الآباء والأمهات والأقارب للأطفال أثناء زيارتهم لبيوت الأقارب في أيام العيد.

وفي المملكة العربية السعودية يتم تخصيص يومين من أيام العيد للعيدية بحيث يكون هناك يوم للبنين وآخر للبنات، يعرفان بأيام الطلبة، حيث يقوم فيها الأطفال بطرق الأبواب والطلب من أصحاب المنازل في البلدة إعطاءهم العيدية، كلٌّ حسب ما يجود به وقدر استطاعته، فمنهم مَن يقدم الحلوى أو حب القريض، أو حب القمح.
أما في الكويت فيقوم الأطفال في يوم العيد بالمرور على البيوت لأخذ العيدية، التي كثيرًا ما تكون من "القرقيعان" وهو عبارة عن خليط من المكسرات والزبيب يعطيه أصحاب البيوت، وفي السودان يقوم الآباء والأقارب بإعطاء الأطفال قطعًا نقديةً معدنيةً تخصص بالكامل من أجل أن يشتري الأطفال ما يحبون من الألعاب.
توزيع العيدية في العيود
وفي عُمان يتم تبادل الزيارات بين أفراد المجتمع والأسر من قرية إلى قرية، ويتجمع الأطفال والنساء بمكان يسمى "القلة" أو العيود، وهذه عبارة عن حلقة يتم فيها تبادل التهاني وإعطاء الأطفال العيدية، وكالعادة يعد أصحاب البيوت كمية من الهدايا خصيصًا للأطفال الذين يأتون لتهنئتهم وزيارتهم.
تقليد وعادة مصرية أصيلة
في النهاية، تظل العيدية تقليدًا مصريًا أصيلًا، يعكس مزيجًا من الفرح والكرم والتواصل العائلي، حتى وإن اختلفت قيمتها النقدية أو طريقة تقديمها عبر الأجيال.