تأخر قانون “الأحوال الشخصية” يفاقم أزمات النفقة والرؤية.. والأطفال أول الضحايا.. الأب في المرتبة الـ17 بسلم الحضانة.. والاستضافة والرؤية الإلكترونية أبرز مفاجآت المشروع الجديد
يحظى ملف الأحوال الشخصية باهتمام كبير على كافة المستويات، في ظل تعدد الشكاوى من مواده التي تُعدّ جورًا على حقوق بعض الأطراف، سواء الأب أو الأم، وكذلك الأطفال.
محاولات كثيرة للتعديل، ومقترحات أكثر لإعادة النظر، إلا أن جميعها لا تزال محلك سر، وعلى الرغم من تناول القضية في العديد من المناقشات، مثل الحوار الوطني والتحركات البرلمانية، فضلًا عن المعالجات الدرامية في العديد من المسلسلات والأفلام، فإنه لا أحد يعلم مصير هذا الملف الذي يمثل محور اهتمام آلاف الأسر المصرية.
ونجح مجلس النواب، في الفصل التشريعي الثاني برئاسة المستشار الدكتور حنفي جبالي، في إنجاز العديد من التشريعات التي كانت في حاجة إلى تدخل فعلي، لعل أبرزها الإيجار القديم وقانون العمل وغيرهما، إلا أن قانون الأحوال الشخصية، الذي تنتظره آلاف الأسر المصرية، لا يزال «في علم الغيب».
قوانين الأسرة لم تصل إلى مجلس النواب رسميا
وكشفت مصادر مطلعة لـ«فيتو» أن مجلس النواب لم يتسلم حتى الآن أي مشروعات قوانين بشأن الأحوال الشخصية، وأن أغلب المقترحات في هذا الشأن، سواء من بعض أعضاء المجلس أو القانونيين، ليست إلا اجتهادات لم تصل بصورة رسمية.
أما على المستوى الرسمي، فأوضحت المصادر أنه، وعلى صعيد التكليف الرئاسي، فإن مشروع قانون الأحوال الشخصية ما زال في حوزة وزارة العدل، التي لم تنتهِ حتى الآن من مراجعته وصياغته.
وعقب إعلان وزارة العدل الانتهاء من الصياغة وإعداد مسودة متكاملة، سيتم إرسالها إلى مجلس الوزراء للمراجعة، ثم تُحال إلى مجلس النواب وفقًا لأولويات الأجندة التشريعية للحكومة.
ولن تكون هذه هي المرة الأولى التي يُعد فيها مشروع قانون للأحوال الشخصية ويُقدَّم إلى مجلس النواب؛ ففي الفصل التشريعي الأول، برئاسة الدكتور علي عبد العال، أرسلت الحكومة مشروع قانون أثار جدلًا واسعًا، بسبب اعتراض بعض الجهات، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، فضلًا عن الخلاف المجتمعي الواسع قبل مناقشته.
وقد وجّهت القيادة السياسية بضرورة إعادة النظر في القانون، كما كان أحد أهم محاور الحوار الوطني، الذي صدرت عنه توصيات بضرورة إعداد تشريع جديد، وفي عام 2022، وبناءً على توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، أصدر وزير العدل قرارًا بتشكيل لجنة قضائية لإعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، الذي لم يُنجز حتى الآن.
الحكومة تسحب مشروع قانون الأحوال الشخصية
وفي أكتوبر 2024، وخلال دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي الثاني لمجلس النواب، طالبت الحكومة بسحب مشروع قانون الأحوال الشخصية لمزيد من الدراسة، بهدف إعداد تشريع متكامل يتماشى مع احتياجات المجتمع المصري.
بدأت وزارة العدل العمل على إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية من خلال عقد عدد من المشاورات، وفي مارس 2025، أعلن المستشار محمد عبد الرحمن، رئيس لجنة إعداد مشروع القانون بوزارة العدل، الانتهاء من صياغة جميع مواده، مشيرًا إلى أنه يتضمن 355 مادة موزعة على ثلاثة أقسام: 175 مادة للولاية على النفس، و89 مادة للولاية على المال، و91 مادة للإجراءات.
وأكد، في ذلك الوقت، أن هناك 60 مادة مشتركة بين المسلمين والمسيحيين، لا تتعلق بالشريعة، وإنما بالمسائل الإجرائية والتنظيمية، مثل النفقة والرؤية وغيرهما من الأمور التي تنطبق على الطفل المسلم والمسيحي.
كما أوضح أن مشروع القانون ينظم كافة المسائل المتعلقة بالخطوبة وحالات العدول عنها، وكذلك الزواج والطلاق والرؤية والنفقة وغيرها من المسائل الشخصية، مستندًا إلى آراء ومقترحات متعددة، وأحكام محكمتي النقض والدستورية العليا، فضلًا عن دراسة القضايا الأسرية.
وأعلن رئيس لجنة إعداد مشروع القانون أنه، عقب صدور القانون رسميًا، سيتم تعديل عقود الزواج للمسلمين والمسيحيين، لإدخال بنود جديدة تتوافق مع التشريع الجديد.
وكشف أيضًا أن وزارة العدل سترسل مشروع القانون، بعد الانتهاء من مراجعته وصياغته النهائية، إلى مجلس الوزراء لمراجعته وضبط صياغته، ثم الموافقة عليه وطرحه لحوار مجتمعي، تمهيدًا لإحالته إلى مجلس النواب.
الرؤية والاستضافة والنفقة تحديات تواجه القانون
وفي ظل حالة الترقب لصدور تعديلات جوهرية في قانون الأحوال الشخصية، تبرز العديد من التحديات التي قد تعرقل صدوره، نتيجة اختلاف الرؤى بين طرفي العلاقة، الرجل والمرأة.
وتتصدر مشكلات الرؤية والنفقة والاستضافة وسن الحضانة قائمة المعوقات، لاسيما أن لكل طرف رؤية وموقفًا في هذا الشأن، ففي الوقت الذي يأتي فيه الأب في مرتبة متأخرة من حيث الولاية، تتزايد المطالب بأن يكون في المرتبة التالية مباشرة للأم، فضلًا عن المشكلات التي يعانيها الآباء فيما يتعلق بالرؤية.
وفي المقابل، تواجه المرأة إشكاليات أخرى، أبرزها التعنت في سداد النفقة، سواء نفقة المطلقة أو نفقة الأطفال، بمختلف أنواعها، من معيشة ومسكن وتعليم، وصولًا إلى مسألة نقل الولاية في سن معينة إلى الأب.
وفي وقت سابق، تم الإعلان عن ملامح مشروع القانون، حيث تم تحديد سن الحضانة ليكون 15 عامًا للولد، وللبنت حتى الزواج، وفيما يتعلق بترتيب الحضانة، يبدأ في المشروع الجديد بالأم ثم الأب، بدلًا من الترتيب الحالي الذي يقدّم أقارب الأم، وهو ما يعد تغييرًا مهمًا، رغم ما يثيره من اعتراضات.
وفيما يخص الرؤية، توسع المشروع ليتيحها في أماكن تحددها الدولة أو توفرها، مع إضافة إمكانية الرؤية الإلكترونية داخل مصر وخارجها، خاصة في الحالات التي يتعذر فيها اللقاء المباشر.
كما نص المشروع، وفق ما تم إعلانه، على أنه في حال امتناع الأب عن سداد النفقة، يجوز للأم طلب منعه من رؤية الأطفال، بينما إذا امتنعت الأم عن تنفيذ الرؤية رغم التزام الأب بالنفقة، قد تنتقل الحضانة إليه.
اقرأ أيضا:
بعد توجيهات الرئيس، أبرز التحديات أمام مشروع قانون الأحوال الشخصية
نائب: قانون الأحوال الشخصية ينطوي على ظلم مجتمعي، وحرمان الطفل من والده جريمة
واستحدث المشروع نظام «الاستضافة»، الذي يمنح الأب حق استضافة أبنائه في منزله، مع الالتزام بإعادتهم إلى الحاضنة، وفق ضوابط يتم الاتفاق عليها أو تحددها المحكمة، وقد تصل مدة الاستضافة إلى 15 يومًا سنويًا وفق بعض المقترحات.
وفي ظل هذه التطورات، يترقب مجلس النواب وصول مشروع القانون الجديد من الحكومة لمناقشته.
وفي هذا السياق، أكدت النائبة عبلة الهواري، عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، أن سبب تأخر مناقشة مشروع قانون الأحوال الشخصية يرجع إلى عدم وصوله من الحكومة حتى الآن، مشيرة إلى أن اللجنة القضائية المكلفة بإعداده لم تنتهِ منه بعد.
وأشارت إلى أنه منذ إعلان تشكيل لجنة بوزارة العدل لإعداد التشريع الجديد، ينتظر أعضاء مجلس النواب وصوله من الحكومة، دون أن يتقدم أي من النواب بمشروع قانون مماثل.
وشددت على أهمية الإسراع في تقديم مشروع قانون الأحوال الشخصية، لا سيما في ظل تزايد المشكلات الناتجة عن القانون الحالي، بما يؤثر سلبًا على استقرار الأسرة المصرية.
فيما أكد محمود سامي الإمام، عضو مجلس النواب، ضرورة إجراء تعديل جوهري على قانون الأحوال الشخصية، في ظل تزايد الدعاوى القضائية المرتبطة بمشكلات النفقة والرؤية والحضانة وغيرها، الأمر الذي يستدعي الإسراع في إقرار القانون الجديد.
واستعرض عضو مجلس النواب بعض الإشكاليات في القانون الحالي، من بينها ترتيب الأب، الذي يأتي في المرتبة السابعة عشرة ضمن سلم الحضانة، مؤكدًا أن ذلك يمثل ظلمًا واضحًا يستلزم إعادة النظر لتحقيق التوازن بين الطرفين.
وفيما يتعلق بسن الحضانة، أشار إلى أنها بحاجة أيضًا إلى تعديلات جوهرية، موضحًا أن تحديدها عند 15 عامًا غير مناسب، إذ يكون الطفل في هذا العمر قادرًا على الاختيار.
ولمعالجة هذه الإشكالية، دعا إلى إعادة ترتيب الأب في سلم الحضانة ليكون في المرتبة الثانية بعد الأم، بما يحقق المصلحة الفضلى للطفل، ويعزز استقرار الأسرة.
من جانبها، تمسكت النائبة نشوى الشريف، عضو مجلس النواب، بضرورة إجراء مراجعة شاملة لقانون الأحوال الشخصية، في ضوء التغيرات المجتمعية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة، مؤكدة أهمية أن يكون القانون منصفًا لجميع الأطراف، دون انحياز لطرف على حساب آخر.
وأوضحت أن الملفات المتعلقة بتنظيم الحضانة والرؤية والاستضافة تمثل أبرز القضايا التي تشغل الأسرة المصرية، مشددة على ضرورة وضع ضوابط حاسمة تضمن حقوق الأطفال، وتمنع إساءة استخدام أي طرف لحقوقه بما يضر بمصلحة الأسرة.
وفي السياق ذاته، تقدم أحمد الحمامصي، عضو مجلس الشيوخ، باقتراح لدراسة الأثر التشريعي لتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية، بما يتماشى مع المتغيرات المجتمعية ويحقق مصلحة الطفل الفضلى.
وأوضح أن الدراسة توصي بمنح حق الحضانة للأب مباشرة بعد الأم، مع إدخال نظام مبتكر يُعرف بـ«الاستضافة» كآلية مكملة للرؤية، على أن يكون ترتيب الحضانة: الأم، ثم الأب، ثم الجدة للأم، ثم الجدة للأب.
وأشار إلى أن هذه المقترحات تستهدف سد الثغرات القانونية في ملف الحضانة، والتي كانت تُقدِّم في بعض الحالات الخالة أو العمة على الأب، رغم وجوده، وهو ما يسهم في زيادة النزاعات الأسرية.
كما تتضمن المقترحات استحداث نظام «الاستضافة» بشكل موسع، يتيح للأب أو صاحب الحق قضاء يوم أسبوعي كامل مع الطفل، مع إمكانية المبيت، إلى جانب التوسع في فترات الاستضافة لتشمل الإجازات الرسمية ونصف العام الدراسي، على أن تحدد المحكمة تفاصيل ذلك وفقًا لعمر الطفل وظروف الأسرة.
وأكد أن هذه المقترحات تراعي مقاصد الشريعة الإسلامية في القوامة والولاية، وتحقق التوازن بين حقوق الأب والأم، مع وضع مصلحة الطفل في المقام الأول، بما يسهم في تقليل النزاعات الأسرية وما يترتب عليها من قضايا أمام المحاكم.
اقرأ أيضا:
قبل مناقشته، تفاصيل تعديل تشريعي يمنح المطلقة ثلث ثروة الزوج
برلمانية تكشف أهم مواد قانون الأحوال الشخصية المشتركة بين المسلمين والمسيحيين