أخبروني كيف تنتهي؟.. ذا جارديان": ترامب يبحث عن انسحاب غير مذل من الحرب الإيرانية.. والحسابات الخاطئة ورطت واشنطن في حرب بلا نهاية
عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران، انجذب المشجعون بشدة إلى إثارة عالم أمريكي الصنع؛ حيث قالت جريدة "نيويورك بوست" إن الحرب كانت "خطوة جيلية"؛ وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن الحرب "تنطوي على مخاطر كما تفعل جميع الحروب، لكنها تمتلك أيضا القدرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط نحو الأفضل وخلق عالم أكثر أمانا".
وقال الكاتب الصحفي الأمريكي بريت ستيفنز على صفحات جريدة "نيويورك تايمز" يقول: "أنا مذهول من التشاؤم المستمر الذي أراه في كثير من التعليقات، نحن أقل من أسبوعين في حرب من المرجح أن تنتهي بنهاية الشهر".
هكذا لخصت جريدة "ذا جارديان" البريطانية حالة الحرب التي يعيشها العالم منذ 28 فبراير 2026، مشيرة إلى أن "الجهل والغرور كانا دافعين لتلك الحرب".
وتقول الجريدة في مقال للكاتبة السودانية المقيمة في بريطانيا نسرين مالك: ما كان يفترض أن يكون "حملة عسكرية دقيقة وغاشمة" للقضاء على "تهديد نووي وشيك" ودفع الشعب الإيراني إلى "تولي إدارة حكومته" أصبح الآن غاشما، دول الخليج مشلولة بهجمات إيرانية انتقامية، ومضيق هرمز مغلق، ولا توجد أي مؤشرات على انهيار النظام الإيراني سواء عبر التدهور العسكري أو التحركات الشعبية، واحتفال استعادة طاقمين أمريكيين أسقطت طائرتهما تجاوز الحقائق الفعلية؛ والنتجية هي مزيج من الغرور والجهل، وعيوب تصبح أكثر خطورة بسبب خصوصيات النظام الإيراني.
فشل المآلات الأمريكية
تضيف مالك: لم تكن واشنطن تتصور أن قوتها العسكرية المتفوقة لن تحقق أهدافها بسرعة، أو أن قوة أقل منها لن تستسلم فورا، أو أن الحلفاء لن يقفوا إلى جانب الولايات المتحدة، لكن تطورات الحرب كشفت أن أيا من هذه السيناريوهات الأمريكية المتوقعة لم تتحقق؛ وبدلا من ذلك بدأ الصراع يهز أسواق الطاقة وسط توقعات بـ "ركود اقتصادي عالمي نادر" في حال استمرار الحرب لفترة طويلة؛ وفشل دونالد ترامب في استقطاب الحلفاء الأوروبيين والخليجيين للمشاركة في الهجوم -أو في جهود إعادة فتح مضيق هرمز- والنظام الإيراني لا يزال صامدا، وخسائر أمريكية متزايدة في المعدات والجنود.
ترامب يبحث عن انسحاب غير مذل من الحرب
تمضي الكاتبة قائلة: الحديث يدور عن مستنقع محتمل، وعن طرق للخروج أو إجراءات حفظ ماء الوجه التي يمكن أن يتخذها ترامب ليخرج دون إذلال، والسؤال الآن ليس عن مدى سرعة انتهاء الحرب، بل هو السؤال ذاته الذي طرحه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الأسبق الجنرال ديفيد بترايوس في 2003 عن حرب العراق: "أخبروني كيف تنتهي؟".

تقول مالك: ما يظهر الآن هو أن إيران تمتلك ديناميكيات معقدة لا يمكن تبسيطها في تلك القصة السطحية التي اندلعت الحرب على أساسها، والقائمة على فكرة وجود نظام سيئ سيصبح ضعيفا عبر تدهور منهجي، وأن شعبه سيطيح به بمجرد أن تبدأ دعائمه في الاهتزاز.
أخطاء رئيسية أصابت العقلية الأمريكية
ترصد الكاتبة في مقالها عدة أخطاء رئيسية أصابت العقلية الأمريكية في مرحلة التفكير في الحرب على إيران أهمها:
- التقليل من قدرة طهران على الصمود في مواجهة الحرب والعزف على وتر أن إيران لا يجب أن تمتلك قدرات عسكرية هائلة لتعطيل الخليج وزعزعة استقراره.
- التوقع الغريب بأن إيران لن تستخدم سلاحها الأكثر قيمة، وهو إغلاق مضيق هرمز وفرض تكلفة أعلى على الحرب؛ حيث جرى تجاهل حقيقة أن- حتى خلال حرب الـ12 يوما التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 13 يونيو 2025، جرى طرح احتمال إغلاق المضيق، وكان القلق الرئيسي ليس الصواريخ الإيرانية، بل تهديد إغلاق المضيق.
- التوقعات الأمريكية باندلاع انتفاضة شعبية إيرانية مع الساعات الأولى لشن الحرب، وهو أمر لم يحدث بسبب ظروف متعددة، أبرزها أن النزول الشعبي إلى الشوارع أثناء القصف جنون، وأن استقطاب الرأي العام يصبح أمرا معقدا في ظل هجوم خارجي يقتل المدنيين ويضرب البنية التحتية المدنية للبلاد.
- الفشل في فهم أن النظام الإيراني، رغم كل الانتقادات، يمتلك قدرة هائلة على الصبر والتصعيد الطويل دون سيناريو واضح للنصر العسكري ضد قوة عظمى، وهو أمر لا يمكن للنظام الأمريكي تصوره.
الشرق الأوسط عانى 40 عاما من محاولات التدجين
تقول مالك: على مدى 40 عاما كان العنوان الأبرز في الشرق الأوسط عبارة عن قصة تدجين؛ حيث سعى ساسة المنطقة إلى التقرب من الولايات المتحدة، والاستفادة من مساعداتها الاقتصادية واستثماراتها وغطائها الأمني، وهذا السبب في أن إيران ترى جيرانها الخليجيين كألعاب صيد؛ حيث تنظر إليهم كدول استضافت قواعد أمريكية وعملت على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وبالتالي أصبحت طرفا في حرب بالوكالة، وهي حرب غير مباشرة حتى وإن لم تكن طرفا هجوميا في تلك الحرب.
وتضيف: انخدعت الولايات المتحدة بفكرة أن كل الطرق تؤدي إلى الاستسلام، سواء عبر الاستفادة من قوة أمريكا أو الاستسلام لهيمنتها؛ وهو منطق لا ينطبق على الدول التي لها حسابات أخرى لا يمكن اختزالها في معادلة تكاليف وفوائد، أو على دول محاصرة ومفروضة عليها عقوبات لفترة طويلة، ما جعلها تبتكر أسلوب حياة تكتيكي اقتصادي وسياسي يقوم على فكرة البقاء في اللعبة. والجماعات التابعة لإيران، من حزب الله إلى الحوثيين، دليل على مدى تأثير إيران بعيدا عن حدودها، بطريقة تخدم مصالحها وتمنع نتائج تضعفها أو تعزلها أكثر.
وتختتم مالك مقالها بالقول: ما يواجه ترامب هو خصم لا يفهمه لأنه جاهل، ولكنه أيضا خصم استثنائي -نظام بنى على مدى عقود إطارا داخليا وإقليميًا، وإطارا فكريا كاملا، حيث النجاح يعني الحفاظ على القدرة على الصمود بشروطه الخاصة في مواجهة الهيمنة الأمريكية. والنتيجة؛ حرب بلا نهاية واضحة، وتكاليف تتصاعد على الجميع، وصراع بين طرفين لكل طرف منهما تعريف مختلف للنصر.
- الفيديو المرفق يتناول إعلان إيران تدمير عدة طائرات أمريكية خلال مهمة إنقاذ طيار أسقطت طائرته في جنوب أصفهان، وفق المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء إبراهيم ذو الفقاري، والذي وصف عملية الإنقاذ الأمريكية بأنها "فشل ذريع".