فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

جنون العظمة يسيطر على العالم.. ذا جارديان: ترامب يشعل الحروب في الشرق الأوسط.. بوتين يسعى للسيطرة على كل أراضي أوكرانيا.. وسلاح إمدادات الطاقة يكشف هشاشة أوروبا

الرئيسان فلاديمير
الرئيسان فلاديمير بوتين ودونالد ترامب

نشرت جريدة "ذا جارديان" البريطانية مقال رأي أكد أن الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تكشف دور القيادة السياسية وتأثيراتها غير العقلانية على مسار الأزمات التي يشهدها العالم، وتضع أوروبا أمام معضلة حقيقية تستوجب إعادة صياغة استراتيجيتها فيما يتعلق بالطاقة والنواحي الأمنية، في عالم يتسم بتزايد عدم اليقين وتراجع فاعلية القواعد الدولية التقليدية.

المقال كتبه نائب وزير الاقتصاد والعمل المناخي في ألمانيا من عام 2021 إلى 2025 روبرت هابيك؛ والذي شهدت فترة توليه المنصب أزمة طاقة حادة وعمليات تخريب لخطي الأنابيب نورد ستريم 1 و2، وهما خطان مزدوجان لأنابيب الغاز الطبيعي يمتدان من روسيا إلى ألمانيا تحت بحر البلطيق، ويمثلان أحد أهم مسارات الطاقة لأوروبا.

يقول هابيك: مثل فلاديمير بوتين، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصاب بجنون العظمة، ما يستوجب على أوروبا حماية نفسها من الطرفين، وأن تحرر نفسها من فخ الوقود الأحفوري.

بوتين وترامب يتصرفان تبعا لجنون العظمة

يضيف النائب السابق لوزير الاقتصاد والعمل المناخي في ألمانيا: هناك اختلافات كبيرة بين حرب العدوان التي تشنها روسيا على أوكرانيا منذ أربع سنوات، والحرب التي شنتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران. وأهم هذه الاختلافات أن الولايات المتحدة لا تزال ديمقراطية؛ حتى أن الرئيس الذي يرى نفسه مطلق السلطة وجد نفسه أم حملات صحفية لاذعة، وغضب شعبي من ارتفاع أسعار النفط، والخوف من انتخابات التجديد النصفي، وصولا إلى انخفاض أسعار الأسهم، وكلها مؤشرات تجبره أحيانا على تغيير موقفه. أما في روسيا، فالأمر ليس كذلك.

ويضيف: كان لدى فلاديمير بوتين خطة واضحة؛ حيث أرادت روسيا احتلال كامل أوكرانيا وتحويلها إلى دولة تابعة أو ضم أراضيها. وبرأيي، كان بوتين يستعد لهذه الحرب لسنوات؛ وقد تكون لدى "إسرائيل" خطة، وهي تحويل إيران إلى دولة غارقة في حرب أهلية، أي نسخة جديدة من سوريا.لكن الولايات المتحدة في عهد ترامب لم يكن لديها بوضوح أي خطة بشأن أهدافها العسكرية أو كيفية إنهاء الحرب.

يخطىء كل بوتين وترامب في تقدير الحسابات

يمضي هابيك قائلا: ومع ذلك، هنا تظهر أوجه التشابه. فقد تصرف كل من بوتين وترامب بدافع نوع من جنون العظمة. وسلوكهما شرير وغير قانوني، لكن الدوافع العقلانية ليست العامل الحاسم. بل إن كليهما منشغل أساسا بعظمته الشخصية، أو بما يراه كذلك، وهذا ما يجعلهما غير قابلين للتنبؤ. وبالتالي، فإن القانون الدولي لا يعني لهما الكثير"، بحسب هابيك.

استغلت روسيا إمدادات الغاز كسلاح ضد أوروبا في الحرب على أوكرانيا
استغلت روسيا إمدادات الغاز كسلاح ضد أوروبا في الحرب على أوكرانيا

ويضيف: التشابه الثاني هو أن جنون العظمة هذا أدى إلى أخطاء عسكرية جسيمة في الحسابات. فقد قلل الرئيسان من عزيمة الدول التي هاجماها على تقديم التضحيات. كما يشمل سوء التقدير لدى الرئيسين جهلا كبيرا بمصالح الحلفاء المحتملين للدول المستهدفة. فكما أن أوروبا (والولايات المتحدة آنذاك في عهد جو بايدن) لم تكن لتسمح لبوتين بفرض إرادته في أوكرانيا، فإن روسيا والصين لديهما الآن مصلحة في إبقاء الولايات المتحدة منخرطة في إيران لفترة طويلة، مستنزفة ذخيرتها ومبقية سفنها الحربية في المنطقة. وهكذا، كان من الممكن أن يتحول الصراع في إيران أيضا إلى حرب استنزاف على غرار أوكرانيا. لكن لا أحد يستطيع التنبؤ بما قد يحدث إذا قررت الولايات المتحدة في نهاية المطاف نشر قوات برية.

ويتابع: بقدر ما يبدو الأمر ساخرا، فإن تقلب ترامب -الذي أدهش العالم مرة أخرى هذا الأسبوع- يمثل ثاني أفضل أمل لدينا في ألا تتصاعد الحرب.

تأثير الحربين على أسواق الطاقة

بحكم منصبه السابق، يحكي هابيك قصة التشابه بين الحرب الروسية الأوكرانية والحرب على إيران قائلا: هناك تشابه آخر يتمثل في تأثير الحرب على أسعار الطاقة. أتذكر جيدا، خلال فترة عملي في الحكومة الألمانية، المكالمات الجماعية مع نظرائنا في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، عندما ارتفع سعر النفط إلى 130 دولارا للبرميل. وحتى في ذلك الوقت، أرادوا من ألمانيا الإفراج عن احتياطياتها الوطنية من النفط. كنت مترددا، إذ خشيت أن يوقف بوتين إمدادات النفط بالكامل، والتي كانت لا تزال تمثل نحو 30% من واردات ألمانيا. وبرأيي، لم تكن الأسعار المرتفعة سوى ثاني أكبر مشكلة، أما المشكلة الأكبر فكانت ما إذا كان سيكون هناك ما يكفي من الطاقة أساسا أم لا.

تستخدم إيران مضيق هرمز كورقة استراتيجية في مواجهة الحرب الأمريكية الإسرائيلية
تستخدم إيران مضيق هرمز كورقة استراتيجية في مواجهة الحرب الأمريكية الإسرائيلية

ويقول هابيك: حتى الآن، ينظر إلى حرب إيران أيضا في المقام الأول على أنها صدمة في أسعار الطاقة، مع ما يترتب على ذلك من آثار قاتمة على النمو الاقتصادي. لكن عدوى التضخم لن تقتصر على قطاع الطاقة إذا طال أمد الصراع. ففي عام 2021، استورد الاتحاد الأوروبي نحو 45% من الغاز و27% من النفط من روسيا. وبحلول عام 2025، انخفضت هذه النسبة بشكل حاد إلى 13% للغاز و3% للنفط. ومع ذلك، لم ترتفع حصة الطاقة المتجددة من إجمالي إنتاج الكهرباء سوى بثلاث نقاط مئوية بحلول عام 2024 (من 22% إلى 25%). وبعبارة أخرى، بدلا من التحول المنهجي إلى الكهرباء، قام الاتحاد الأوروبي بتغيير موردي الوقود الأحفوري، وخاصة إلى الولايات المتحدة. ومن المشكوك فيه ما إذا كان استبدال بوتين بالرئيس ترامب يعد مكسبا من منظور أمني.

سلاح إمدادات الطاقة يكشف هشاشة أوروبا

بحسب النائب السابق لوزير الاقتصاد والعمل المناخي في ألمانيا، فإن العودة إلى استخدام إمدادات الطاقة مرة أخرى كسلاح يكشف هشاشة أوروبا. ففي سبتمبر 2022، قطع بوتين إمدادات الغاز عن أوروبا. وفي عام 2026، تقوم إيران بإغلاق مضيق هرمز. كما أصبحت البنية التحتية للطاقة هدفا صريحا، بل وفي بعض الحالات الهدف الرئيسي للهجمات.

ويقول هابيك: يمكن استخلاص بعض الدروس المهمة من هذه التشابهات؛ وأهمها أنه في النظام الجيوسياسي الجديد، لا يتحرك الحكام السلطويون بدافع الأيديولوجيا بقدر ما تحركهم نشوة العظمة التاريخية الذاتية. ورغم أهمية المطالبة بالالتزام بالقانون الدولي، فإن هناك سببا ضئيلا للاعتقاد بأنه سيكون له تأثير يذكر. لذا؛ يجب على أوروبا تطوير قدرات دفاعية تستعد لسيناريو حرب طويلة. ما يعني أننا بحاجة إلى مخزونات من الطائرات الاعتراضية المسيرة، وكذلك إلى قدرات إنتاج جديدة ستكون باهظة التكلفة للغاية. 

ويختتم الكاتب مقاله بالقول: يجب فهم متطلبات الأمن الاقتصادي؛ وينبغي تنفيذ جميع استراتيجيات الطاقة التي تم تطويرها لمواجهة أزمة المناخ على وجه السرعة، واستخدام الأموال التي ينفقها الاتحاد الأوروبي على الوقود الأحفوري والتي تبلغ نحو 450 مليار دولار سنويا في إنتاج الطاقة محليا وحماية بنيتنا التحتية، وان نتحرك لمنع أسوأ السيناريوهات التي تتسم بها حروب المستقبل.