استعدادا لاستقبال العيد، البيوت تواجه غلاء الأسعار بـ«صاج الكعك»
في أحد الشوارع القديمة، لا تحتاج إلى أن تنظر في التقويم لتعرف أن العيد على الأبواب. يكفي أن تمر بجوار بيت مفتوح النوافذ، لتتسلل إليك رائحة السمن الساخن ممزوجة باليانسون، وصوت ضحكات أطفال متقطعة بين آثار المناقيش على وجه الكعك. في الداخل، تتوزع الأدوار بدقة يد تعجن، وأخرى تشكّل، وثالثة تنقش، بينما تنتظر الصينية دورها أمام الفرن كأنها تحمل وعدًا صغيرًا بالبهجة.
هكذا يبدأ العيد، لا من الأسواق، بل من المطابخ.
لكن، في ظل موجات الغلاء المتلاحقة، هل لا تزال هذه الطقوس قادرة على الصمود؟ أم أن الكعك، رمز العيد الشعبي، بات رفاهية مؤجلة؟ بين الأرقام والروائح، وبين حسابات التكلفة ودفء التجمع العائلي، تتشكل حكاية أخرى… حكاية مقاومة هادئة تُخَبَّز في البيوت.








الكعك طقس قديم لا يتخلى عنه المصريون
صناعة الكحك ليست مجرد إعداد حلوى موسمية، بل هي طقس اجتماعي ضارب في الجذور. منذ العصور الفاطمية، ارتبط الكعك بالأعياد، وتحوّل إلى رمز للكرم والفرحة الجماعية. لم يكن مجرد طعام، بل مناسبة تجمع النساء حول مائدة واحدة، يتبادلن الحكايات قبل الوصفات.
واليوم، رغم تغيّر إيقاع الحياة، لا تزال هذه الطقوس حاضرة، خاصة في المدن الشعبية، حيث يحتفظ الناس بعلاقة خاصة مع “الكعك البيتي” باعتباره أكثر من مجرد بديل اقتصادي.
أسعار المقادير حسابات دقيقة قبل العجن
قبل أن تبدأ رحلة العجن، تبدأ رحلة أخرى لا تقل أهمية حساب التكاليف. جولة سريعة في محال العطارة تكشف عن أرقام تفرض نفسها على كل بيت:
- كيلو الدقيق: حوالي 26 جنيهًا
- الفانيليا: 5 جنيهات
- الخميرة الفورية: بأسعار متفاوتة حسب النوع
- السكر البودرة: يصل إلى 60 جنيهًا للكيلو
أما باقي المكونات، مثل السمن واللبن، فتظل هي العامل الأكثر تأثيرًا في التكلفة النهائية، ما يدفع كثيرًا من الأسر إلى تقليل الكميات أو استبدال بعض المكونات ببدائل أقل تكلفة.
ورغم ذلك، لا يبدو أن هذه الأرقام نجحت في إلغاء الفكرة، بل أعادت تشكيلها. فبدلًا من شراء كميات كبيرة، تلجأ الأسر إلى “العجن على قد الإيد”، أو المشاركة بين أكثر من بيت لتقليل التكلفة وتقاسم الجهد.
المناقيش نقوش بسيطة تصنع بهجة كبيرة
على طاولة صغيرة، تجلس سيدة خمسينية تمسك بـ“منقاش” معدني صغير، تنقش به أشكالًا دقيقة على وجه الكحك. الزهور، الخطوط، الدوائر… تفاصيل تبدو بسيطة لكنها تمنح كل قطعة شخصية خاصة.
المفارقة أن هذه الأدوات لم تعد حكرًا على البيوت، بل أصبحت خدمة تُباع أيضًا، حيث يصل سعر نقش الكحك إلى نحو 15 جنيهًا للشكل الواحد في بعض المناطق.
ورغم بساطة الرقم، فإن كثيرًا من السيدات يفضلن القيام بالمهمة بأنفسهن، ليس توفيرًا فقط، بل حفاظًا على “روح الكحك”. فالنقش هنا ليس مجرد زينة، بل توقيع شخصي، يحمل لمسة البيت.
تزيين الكعك بين البساطة والابتكار
لم يعد الكحك اليوم يقتصر على العجوة والسكر البودرة، بل دخلت عليه عناصر جديدة تعكس ذوق الأجيال المختلفة. على قائمة التزيين، تظهر
- الشوكولاتة “الفارماسية” كبديل اقتصادي للشوكولاتة الفاخرة
- العجوة بأنواعها
- ملبس البتي فور بألوانه الزاهية
- اليانسون، الذي لا يزال يحتفظ بمكانته كنكهة تقليدية
هذا التنوع لا يعكس فقط تطور الذوق، بل أيضًا محاولة للتكيف مع المتاح. فكل بيت يعيد ابتكار الكحك بطريقته، وفقًا لميزانيته، دون أن يفقده هويته الأساسية.
الكحك البيتي حيلة اقتصادية أم ضرورة نفسية
قد يبدو الاتجاه إلى صنع الكعك في المنزل قرارًا اقتصاديًا في المقام الأول، لكنه في الواقع يتجاوز ذلك بكثير. فالكعك البيتي يمنح الأسرة إحساسًا بالسيطرة في مواجهة الغلاء، ويخلق مساحة مشتركة تعيد ترتيب العلاقات داخل البيت.
في ظل ضغوط الحياة اليومية، تصبح هذه اللحظات الجماعية نادرة. لذلك، يتحول “يوم الكعك” إلى مناسبة صغيرة للاجتماع، حيث تختفي الهواتف قليلًا، وتعلو أصوات الضحك بدلًا منها.
حتى الأطفال، الذين قد لا يدركون تفاصيل الأسعار، يشاركون في تشكيل الكعك أو رش السكر، ليصبحوا جزءًا من ذاكرة تُصنع أمامهم.
بين السوق والبيت معركة الذوق والتكلفة
رغم انتشار محال الحلويات التي تقدم كعكًا جاهزًا بأشكال جذابة، يبقى الكعك البيتي محتفظًا بمكانته. الفارق لا يتعلق فقط بالسعر، بل بالطعم أيضًا، وبالإحساس المرتبط به.
الكعك الجاهز قد يكون أكثر تناسقًا في الشكل، لكنه يفتقد “حكاية الصنع”. أما الكعك البيتي، حتى لو جاء غير متساوٍ في الحجم أو النقش، فإنه يحمل أثر اليد التي صنعته، ودفء اللحظة التي خرج منها.
حين يصبح العجن فعل مقاومة
في نهاية اليوم، بعد أن تهدأ الأصوات، وتخرج آخر صينية من الفرن، يبقى في المكان شيء لا يُقاس بالأرقام. رائحة تملأ البيت، ووجوه مرهقة لكنها راضية، وصوانٍ مصطفة كأنها إعلان صغير عن انتصار مؤقت على الغلاء.
الكعك هنا ليس مجرد حلوى، بل فعل مقاومة يومي، تختاره الأسر دون ضجيج. مقاومة لا ترفع شعارات، بل تُخبز على نار هادئة، وتُزيَّن بلمسات بسيطة، وتُقدَّم مع ابتسامة.