فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

"ذا جارديان": نتنياهو يفضل خوض إسرائيل حروبا أبدية بدلا من رؤية فلسطين حرة.. والمراهنون على الاستقرار المدعوم أمريكيا يتابعون انهياره في الحرب ضد إيران

إسرائيل تسعى لإشعال
إسرائيل تسعى لإشعال الحروب بطول منطقة الشرق الأوسط

حذر مقال رأي نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية من تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مؤكدا أن كل الذين راهنوا على "الاستقرار" المدعوم من الولايات المتحدة يتابعونه الآن وهو ينهار تحت أقدامهم.

المقال كتبته نسرين مالك، وهي صحفية سودانية المولد مقيمة في لندن ولها مقال ثابت في جريدة "ذا جارديان"، ومؤلفة كتاب "نحتاج إلى قصص جديدة: تحدي الخرافات السامة وراء عصر السخط".

تقول مالك: الحرب تتصاعد في الشرق الأوسط، وحصيلة القتلى حتى الآن تقدر بالآلاف في إيران ولبنان، وأسعار الطاقة ترتفع بشكل كبير في فترة تبدو مربكة، وغير مفهومة، وخارجة عن السيطرة. لكن في قلب هذا الواقع، هناك منطق بسيط مفاده أن كل ما يحدث هو نتيجة احتلال "إسرائيل" لفلسطين.

"إسرائيل" تريد احتلال الأراضي الفلسطينية إلى الأبد

 

وتضيف: انظر إلى المنطقة قبل 7 أكتوبر 2023. فقد ركزت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط على "الاندماج"، واحتواء إيران، وإشراك مزيد من الدول العربية في عملية تطبيع العلاقات مع "إسرائيل"، وبالتالي إنشاء كتلة من المصالح الاقتصادية والأمنية تحت مظلة عسكرية أمريكية؛ كان من المفترض أن يجري عزل إيران بواسطة هذا التحالف الإسرائيلي-العربي، وأن يغلق ملف الفلسطينيين. وكانت الدول العربية تقدم دعما شكليا لهم، من خلال المطالبة بضمانات للسعي نحو إقامة دولة فلسطينية وأن تتوقف "إسرائيل" عن محاولات ضم الضفة الغربية. لكن الواقع كان يشير إلى استمرار الاحتلال في الأراضي الفلسطينية إلى الأبد.

على مدى أكثر من عامين شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حرب إبادة على قطاع غزة
على مدى أكثر من عامين شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حرب إبادة على قطاع غزة

تمضي مالك قائلة: الثقة في دوام هذا الوضع كانت دائما مجرد أماني، أو محاولة لإنكار احتمالات حدوث انفجار لهذا الوضع بين لحظة وأخرى، في ظل احتلال أراضي 3 ملايين شخص في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وحصار وعزل نحو 2 مليون آخرين في غزة، وغياب العمل على منح الفلسطينين إمكانية حقيقية لتقرير المصير.

توسع المخططات الاستعمارية الإسرائيلية

تقول مالك: وفقا لقوانين الطبيعة، فإن الاحتلال والفصل العنصري والهيمنة المطلقة لإسرائيل على حياة الفلسطينيين لا يمكن احتواؤها، وحرمان الفلسطينيين من منازلهم وحياتهم وكرامتهم لم يكن مجرد جريمة أخلاقية، بل حماقة عملية تسمح للدوائر المتركزة حول فلسطين بالاتساع؛ حيث زعمت "إسرائيل" –بعد 7 أكتوبر 2023- أن أمنها لم يعد يعتمد فقط على القضاء على حماس في غزة، بل على كل من تعتبرهم وكلاء لها. وبدأت بتنفيذ مهمتها في لبنان وسوريا بنفس الطريقة التي نفذتها في غزة، واحتلت المزيد من الأراضي، وقتلت آلاف المدنيين في العملية.

والآن، مع الضربات الإيرانية، توسع تعريف "إسرائيل" لما هو مطلوب لأمنها، بدعم من الولايات المتحدة، ليشمل تغيير النظام في الدولة التي تدعم هؤلاء الوكلاء.

وجرى هذا على الرغم من أن بنيامين نتنياهو حصل بالفعل على كل ما طلبه: لقد دمر غزة، وهو في طريقه للضم الفعلي للضفة الغربية، وحتى الآن تجنب المثول أمام القضاء بتهم الفساد في "إسرائيل" أو الاعتقال في الخارج كما طالبت المحكمة الجنائية الدولية. ومن خلال تقليص المنطقة بأكملها إلى تعريفها التعسفي لما هو تهديد، وسعت "إسرائيل" نفوذها ليشمل تحديد مصير المنطقة بأكملها، بل وبقية العالم أيضا، بحسب المقال.

فشل تكميم القضية الفلسطينية

تقول مالك: فشل محاولة تكميم القضية الفلسطينية هو السبب الجذري وراء مقتل الأطفال في إيران بواسطة الضربات الأمريكية، والأزمة التاريخية في دول الخليج، وارتفاع أسعار الوقود. وهو السبب أيضا في تغير الخارطة الانتخابية في المملكة المتحدة، واحتجاز الطلاب في الولايات المتحدة.

وتتابع: هناك عوامل أخرى مسرعة بالطبع؛ وأهمها إدارة ترامب المتطرفة والمتغطرسة، وكذلك حكومة نتنياهو. لكن الظروف التي أوصلت العالم إلى هنا سبقت كليهما؛ وهي الإجماع على أن فلسطين مشكلة يمكن تأجيلها مع إبرام الاتفاقيات التجارية وبيع الأسلحة والمساعدات الأمريكية -سواء لإسرائيل أو الدول العربية- لإنشاء منطقة من الشركاء المبهورين بالهيمنة الأمريكية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب خلال حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب خلال حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة

وتضيف: ما كشفته الأسابيع الأخيرة هو أن هؤلاء الشركاء والحلفاء، حتى الذين قاموا بتطبيع علاقاتهم مع "إسرائيل"، لم ينظر إليهم يوما كشركاء، بل كأتباع؛ وأن على هذه الدول دفع ثمن متزايد لحملات "إسرائيل" والولايات المتحدة المتهورة. ليس هذا فحسب، بل يُطلب منهم المشاركة في الحرب ضد إيران، ويجري تهديدهم إذا لم يفعلوا؛ وهو ما صرح به السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام علانية على منصة "إكس" قائلا:  نأمل أن تشارك دول مجلس التعاون الخليجي أكثر، لأن هذا القتال في ساحتها الخلفية، وإذا لم يحدث، ستكون هناك عواقب.

نتنياهو يفضل حروب "إسرائيل" الأبدية بدلا من رؤية فلسطين حرة

وتستطرد: نتنياهو يفضل أن تكون "إسرائيل" في حالة حروب مكلفة بلا نهاية بدلا من رؤية فلسطين حرة. لقد ربطت حكومته "إسرائيل" والشرق الأوسط والعالم كله بهذه الأزمة المتصاعدة، بدلا من حل القضية الأساسية؛ وحتى لو افترضنا أن هذا الصراع سيقتل كل عضو في حزب الله ويسقط النظام الإيراني، فإن فلسطين بالنسبة لمليارات الناس في المنطقة العربية والعالم لا تزال قضية حية. ونسيان ذلك، أو تجاهل كيف تثير القتل الجماعي والاحتلال المشاعر وتقاوم التطبيع، هو تكرار نفس الأخطاء التي ارتكبتها القوى العالمية في الماضي.

وتختم مالك مقالها قائلة: لتحقيق الأمن، لا يمكن "دمج" فلسطين، بل يجب تحريرها. وحتى ذلك الحين، سندفع جميعا الثمن.