فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

من هو أول من وضع علامات التنقيط والتشكيل بالمصحف؟

أول من قام بتنقيط
أول من قام بتنقيط المصحف وتنقيطه وقام بتشكيله

 في هذا الشهر الفضيل شهر رمضان يداوم الكثيرون علي قراءة وتلاوة كتاب الله، ويعدونها فرض عين على كل مسلم، وقد تواردت النصوص في بيان جزيل ثواب من أطاع الله تعالى بصيام  شهر رمضان؛ وقراءة القرآن مع صوم رمضان؛ ويتساءل كثيرٌ من الناس عند تلاوة القرآن الكريم من المصحف عن المقصود بالرسم العثماني ونقاط المصحف ومن هو أول من وضعها، وما هي قصة تنقيط وتشكيل المصحف؟ وهل تنقيط وتشكيل المصحف بدعة.

 كل هذه الأسئلة وغيرها الكثير سنجيب عليه في هذا التحقيق فإلى التفاصيل

أول من قام بتنقيط المصحف وتنقيطه وقام بتشكيله
أول من قام بتنقيط المصحف وتنقيطه وقام بتشكيله

 

 

مراحل ضبط المصحف

 

مرت عملية ضبط المصحف بـ4 مراحل تتمثل فيما يلي:

1- نقط الإعراب هي النقاط التي تفرق بين الحركات كـ(الفتحة والضمة والكسرة)، ولقد وضعها أبو الأسود الدُّؤَلِي بعد أن طلب منه زياد بن عبيد الله والي البصرة أن يضع للناس علامات تدل على الحركات والسكنات، فقام أبو الأَسْوَدِ الدُّؤَلِي بتنقيط المصحف نقطة فوق الحرف المفتوح، ونقطة بين يدي الحرف المضموم، ونقطة تحت الحرف المكسور، ونقطتين للتنوين وذلك بمداد يخالف لونه لون مداد المصحف. 

قال الداني: فَاخْتَارَ مِنْهُم أَبُو الْأسود عشرَة ثمَّ لم يزل يخْتَار مِنْهُم حَتَّى اخْتَار رجلا من عبد الْقَيْس فَقَالَ خُذ الْمُصحف وصبغا يُخَالف لون المداد فَإِذا فتحت شفتي فانقط وَاحِدَة فَوق الْحَرْف وَإِذا ضممتهما فَاجْعَلْ النقطة إِلَى جَانب الْحَرْف وَإِذا كسرتهما فَاجْعَلْ النقطة فِي أَسْفَله فَإِن اتبعت شَيْئا من هَذِه الحركات غنة فانقط نقطتين فابتدأ بالمصحف حَتَّى أَتَى على آخِره.

 

2-  نقط الإعجام: وهي النقاط التي تفرق بين الأحرف المتشابهة كـ(الباء والتاء والثاء) و(الطاء والظاء)، ولقد وضعها نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق في زمن  الخليفة عبد الملك بن مروان، فقاما بنقط الحروف المتشابهة بخطوط مائلة صغيرة بلون مداد المصحف حتى لا تختلط مع نقاط الإعراب.

3. الحركات: قام الخليل بن أحمد الفراهيدي بإجراء تحسينات على نقط الإعراب فشكل الكلمات بالحركات بدلًا من النقط: فالفتح شكلة مستطيلة فوق الحرف، والكسر شكلة مستطيلة تحته، والضم واو صغرى فوقه، والتنوين زيادة مثلها؛ ووضع بعض علامات الضبط كالهمز والتشديد، وكتابة الألف المحذوفة والمبدل منها في محلها حمراء، وكتابة الهمزة المحذوفة همزة بلا حرف حمراء أيضًا، ووضع على النون والتنوين قبل الباء علامة إقلاب حمراء، وقبل حروف الإظهار الحلقي سكون، وتعرى عند الإدغام والإخفاء.

 

4- التطورات المتلاحقة: لما تحول نقط الإعراب من نقاط حمراء إلى حركات، استبدلت نقط الإعجام من خطوط مائلة صغيرة إلى نقاط وجرى العمل على ذلك إلى عصرنا. وأخذ التحسين يتدرج في أطوار متلاحقة فوضعت أسماء السور وعدد الآيات، والرموز التي تشير إلى رءوس الآي، وعلامات الوقف، والتجزئة، والتحزيب، إلى غير ذلك من وجوه التحسين.

 

 

قصة تنقيط وتشكيل المصحف

 

كان أول من التفت إلى نقط المصحف الشريف هو زياد بن أبيه؛ ولذلك قصة، وهي: أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلى زياد عندما كان واليًا على البصرة أن يبعث إليه ابنه عبيد الله، ولما دخل عليه وجده يلحن في كلامه، فكتب إلى زياد يلومه على وقوع ابنه في اللحن، فبعث زياد إلى أبي الأسود الدؤلي يقول له: (إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت مِن ألسنة العرب، فلو وضعت شيئًا يُصلح به الناسُ كلامَهم، ويعربون به كتاب الله).

 فاعتذر أبو الأسود فلجأ زياد إلى حيلة؛ بأن وضع في طريقه رجلا وقال له: إذا مرّ بك أبو الأسود فاقرأ شيئًا من القرآن، وتعمد اللحن فيه. فلما مرّ به قرأ قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، بجرّ لام رسوله، فشق ذلك على أبي الأسود، وقال: (عزّ وجه الله أن يتبرأ من رسوله).

 وقال لزياد: (قد أجبتك إلى ما طلبت، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن))، واختار رجلا من عبد القيس، وقال له: (خذ المصحف، وصِبغًا يخالف لون المداد، فإذا رأيتني فتحت شفتي بالحرف فانقط واحدة فوقه، وإذا كسرتها فانقط واحدة أسفله، وإذا ضممتها فاجعل النقطة إلى جانب الحرف (أي أمامه)، فإذا أتبعت شيئًا من هذه الحركات غنة (أي تنوينًا)، فانقط نقطتين).

فأخذ أبو الأسود يقرأ المصحف بالتأني، والكاتب يضع النقط، واستمر على ذلك حتى أعرب المصحف كله، وكان كلما أتم الكاتب صحيفة، أعاد أبو الأسود نظره فيها وجاء تلاميذ أبي الأسود بعده، وتفننوا في شكل النقطة.

 

أول من قام بتنقيط المصحف وتنقيطه وقام بتشكيله
أول من قام بتنقيط المصحف وتنقيطه وقام بتشكيله

 

 

 

هل جمع المصحف وتنقيطه وتشكيله يندرج تحت البدع والمحدثات؟

 شهد تنقيط المصحف وتشكيله آراء متباينة بين جوازه والأخذ به، لما فيه من البيان والضبط والتقييد، وكراهته والرغبة عنه؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم عندما جمعوا القرآن، وكتبوا المصاحف جردوها من النقط والشكل، فلو كان مطلوبًا لما جردوها، يقول القلقشندي: (وأما أهل التوقيع في زماننا فإنهم يرغبون عنه (أي النقط) ؛ خشية الإظلام بالنقط والشكل، إلا ما فيه إلباس على ما مر، وأهل الدَّيْونة لا يرون بشيء من ذلك أصلا، ويعدون ذلك من عيوب الكتابة، وإن دعت الحاجة إليه) 

 قال العلماء  إن جمع المصحف، وتنقيطه، وتشكيله، لا يندرج تحت البدع والمحدثات، لأن البدعة ما لم يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- مع وجود المقتضي له وعدم المانع.

ولم يكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- ما يقتضي نقط المصحف وشكله، لقلة من يعرف القراءة من الصحابة، واعتمادهم على الحفظ، وأمن وقوع الخلل في قراءة القرآن، فلما كثر الناس باتساع الفتوحات، ودخل في الإسلام قوم عجم، اقتضى الحال عمل ذلك، وهذا يدخل تحت المصالح المرسلة، وقد يسمى هذا بدعة حسنة من حيث اللغة، كما قال عمر -رضي الله عنه- عن التراويح: نعمت البدعة هذه.

وأما إحداث عبادة لم ترد، مع وجود المقتضي لها في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعدم المانع من فعلها، فهذا هو الابتداع