د.نادر نور الدين يكتب: غياب التخصص أضاع فرص تحقيق الأمن الغذائي في مصر.. إخفاقات متتالية لوزارات الزراعة والتموين والري.. والفلاح ضحية غياب الكفاءات
خلال نحو ثماني سنوات ونصف ترأس فيها الدكتور مصطفى مدبولي الوزارة وتوالت فيها عدة تعديلات وزارية، كان أحدثها وأقصرها الوزارة الأخيرة التي عُدلت بعد نحو سنة وسبعة أشهر فقط من تشكيلها في تاريخ لا ينسى وهو الثالث من يوليه 2024، ثم السابقة لها واستمرت نحو عامين ونصف العام.
ومن الواضح أن سرعة وتوالي التعديلات الوزاري يعكس حالة عدم الرضاء العام عن الأداء، وكذا ضعف الإنجازات بحيث أصبح التغيير مطلبا عاما يعبر عن الفرص الضائعة العديدة في مختلف الوزارات، وسيعرض هذا المقال لأهم الفرص الضائعة في الوزارات المرتبطة بأمن الغذاء، وتشمل وزارات الزراعة والتموين والموارد المائية والبيئة، وربما التعاون الدولي.
وزارة الزراعة
هذه الوزارة التي ترأسها وزيران متتاليان من المحاسبين من خريجي كلية التجارة خلال الثماني سنوات الأخيرة، رغم وجود 37 كلية زراعة ومعهدا زراعيا، منها 31 كلية زراعة حكومية وأربع كليات للزراعة السمكية وكليتان خاصتان، بالإضافة إلى أكبر مركز للبحوث الزراعية في الشرق الأوسط، ومعه المركز القومي للبحوث والذي يتضمن أيضًا قطاعًا كبيرًا لخبراء وأبحاث الزراعة، وعادة ما يكون الإبداع والتطوير مرتبطًا بالتخصص، وليس لمن لا يمتلك الخبرة العلمية أن يطور أمورًا وقطاعات لم يدرسها، وأن كل ما يعلمه عنها قرأها وشاهدها في وسائل الإعلام أو من عدة تقارير قرأها مؤخرًا أو من نشأته الريفية، وبالتالي ففكر التطوير العلمي غائب لنحو 14 تخصصًا في قطاع الزراعة، والذي يرعى 55% من سكان مصر ويعمل به بشكل مباشر نحو 30% من إجمالي العمالة، منهم 40% من النساء، ويشارك في الناتج المحلي بنحو 12%، ويستهلك نحو 65 مليار متر مكعب من المياه سنويًا.
ولذلك شهدت السنوات الثماني الماضية غياب التطوير، وشهدت أزمات متتالية، آخرها غياب تقاوي القمح عالية الإنتاجية من إنتاج الوزارة عن المزارعين، ودفعهم إلى استخدام تقاوي متبقية من محصولهم السابق أو مشتراة من محلات العلافة، لغياب فكر المخزون الاستراتيجي، بمعنى تقدير الاحتياجات بدقة مع وجود فائض لا يقل عن 15% من هذه التقاوي للمزارعين الجدد أو لأراضي التوسع الزراعي في المشروعات القومية الكبرى، ثم ليخرج علينا متحدث الوزارة عبر الإذاعة ليعلن أنه لا فرق بين إنتاجية تقاوي الوزارة وبين إنتاجية قمح محلات العلافة، وبذلك أفقد المزارعين مصداقية الوزارة بأن تقاويها عالية الإنتاجية والمقاومة للإصابات المرضية والحشرية ونالت ثقة المزارعين، بما يوضح تأثير غياب التخصص الزراعي في مخاطبة الفلاحين. وهي أولى الفرص الضائعة التي أفقدت الفلاحين بعض الثقة في إدارة الوزارة.
الفرصة الضائعة الثانية هي أزمة الأسمدة، والتي لم يُصرف فيها للفلاح إلا نصف الكمية المقررة له فقط في الموسم الصيفي الماضي، وهي الظاهرة التي كانت قد اختفت طوال سبع سنوات سابقة! وللأسمدة الكيميائية أهمية كبيرة في زيادة الإنتاجية بنحو 30-50%، خاصة الأسمدة النتروجينية التي يطلق عليها المزارعون "الكيماوي"، وبالتالي تحمل الفلاح فرق السعر بين سماد الحكومة وسماد السوق السوداء إذا كان قادرًا على شرائها من السوق السوداء، وخسر أيضًا بسبب تراجع محصوله من الذرة والقطن والأرز وباقي الحاصلات الصيفية أو المعمرة مثل القصب وأشجار الفاكهة نتيجة لإضافة نصف المقررات السمادية فقط.
والغريب أن يخرج المسؤول ليخاطب المزارعين بالقول: إن الدولة تصرف لهم هذه الأسمدة بدعم كبير وعليهم أن يشكروا ذلك، وأن تراجع الإنتاج لأي سبب لا يستحق كل هذا الغضب، مع أن الضرر على الدولة قبل الفلاح لتراجع الإنتاجية والعائد.
ولأن التخصص غائب في أهمية الأسمدة لإنتاجية الفلاح والدولة، فقد ضاعت الفرصة الثانية لنيل رضاء القطاع الريفي وغياب الرضا عن الأداء للوزارة، وقد سبق لوزير غير زراعي أسبق أن خرج مستغربًا من إصرار المزارعين على إضافة الكيماوي دون غيره رغم أن هناك أسمدة أخرى، وتساءل لماذا لا تضيفون الأسمدة الفوسفاتية أو البوتاسية كبديل للكيماوي الذي تصرون عليه؟ فغياب التخصص جعل الوزير لا يعلم الفرق بين الأسمدة وبعضها ويظن أن كلها متشابهة وبلا فروق، ولا يعلم أن الكيماوي أو الأسمدة النتروجينية هي بروتين النبات وهي اللون الأخضر والنمو القوي والمحصول العالي، كما أنها غير موجودة في التربة وينبغي إضافتها خارجيًا، وهذا سبب حرص المزارع عليها بعكس أغلب العناصر الأخرى الموجودة بالتربة، بينما للفوسفات أهميتها للجذور ولصلابة الحبوب، والبوتاسيوم للحلاوة والسكريات، وأن هناك نحو 16 عنصرًا غذائيًا على الأقل أساسية لنمو النبات والمحصول ولا يكتمل بدونها، وأنه لا يمكن لعنصر أن يحل محل عنصر آخر، وأمور أخرى تغيب عن غير المتخصص، مثل المريض بالأنيميا ويحتاج إلى الحديد فيعطيه الوزير الكالسيوم بدلًا منه وكلها عناصر.
الفرصة الضائعة الثالثة هي عدم السعي نحو توفير متطلبات تصنيع الأعلاف من فول الصويا والذرة الصفراء، والتي نستوردها بالكامل وتمثل نحو 75% من تكاليف الإنتاج الحيواني والداجني والسمكي، وتوطين زراعتها في مصر، إلا أن السنوات مرت ولم ننتج لا الصويا ولا الذرة الصفراء، بما ربط أسعارها في السوق المصري بالدولار ومدى وفرته، ورأينا أزمة الإنتاج الداجني وإعدام الكتاكيت أثناء أزمة عدم توافر الدولار ومدى تأثيرها على ارتفاع الأسعار.
الفرصة الضائعة الرابعة كانت في عدم الرصد الجيد لمرض الحمى القلاعية واجتياحها لمواشي الفلاحين مسببة أضرارًا فادحة، والجاموسة والبقرة التي سعرها يتجاوز 100 ألف جنيه بيعت بألفي جنيه فقط لذبحها قبل الموت، وبدأت الوزارة مقاومة المرض متأخرة رغم مبدأ أن الوقاية خير من العلاج وأرخص وأجدى.
الفرصة الضائعة الخامسة، والتي استمرت لأكثر من عشر سنوات، هي الحسم في اتخاذ القرار بشأن زراعة القطن، وهل نستمر في زراعة قطن طويل التيلة لا نصنعه ولم يعد له أسواق عالمية، أم نتوسع في زراعة القطن قصير التيلة الذي يكتسح الأسواق العالمية وتسيدت به بنجلاديش والهند وباكستان أسواق الملابس في أوروبا، لأنه يدخل في صناعة الملابس الكاجوال والجينز والتيشيرت، والذي سحب البساط تمامًا من القطن طويل وفائق الطول المصري. الغريب أن كل مصانع النسيج المصرية تستورد القطن قصير التيلة، والأغرب أن ننتج القطن طويل التيلة ونفشل في تسويقه ويستمر راكدًا لدى المزارعين لنحو العام، مع أن الزراعة الحديثة تعتمد على تسويق المحصول قبل زراعته وليس أن نزرع ونحصد ثم نبحث عن التسويق وقد نفشل فيه كما حدث مع القطن طويل التيلة مؤخرًا ومع الذرة الرفيعة أيضًا.
ونفس الفرص الضائعة تتكرر مع حسم الثنائيات في الزراعة مثل: هل نزرع ذرة رفيعة أم ذرة شامية؟! نزرع القمح في شمال الدلتا بأراضيه المالحة بسبب مجاورتها لمياه البحر أم نزرع فيها الشعير والقطن وبنجر السكر الأعلى تحملًا وأعلى سعرًا؟! وهل نزرع الذرة الصفراء أم نستوردها؟! وهل نزرع فول الصويا أم عباد الشمس من أجل زيوت الطعام التي نستوردها بالكامل، وكيف أن زراعة عباد الشمس تزيد من إنتاجنا من العسل ومن النحل، وأن زراعة الصويا تخدم علينا في توفير احتياجات مصنعات اللحوم من كسبة الصويا، والتي تستوردها كاملة بالإضافة إلى زيت الطعام، وتدخل أيضًا في تصنيع الأعلاف.
هناك أيضًا زراعة البقوليات، وخاصة الفول والعدس والحمص والفاصوليا واللوبيا، بعد أن زادت معدلات استيرادها بشدة بسبب التوسع غير المحسوب في زراعة بنجر السكر في أراضي الدلتا ووسط الصعيد على حساب زراعة الفول والعدس والحمص وحتى القمح، مع تقليص مساحات قصب السكر في صعيد مصر والمربح لأهل الصعيد، والذي ينتج فدانه مرتين وربع من السكر أكثر من زراعة البنجر، وفرق استهلاك المياه بين المحصولين ليس بالكبير، خاصة في ظل وجود مصانع إنتاج السكر من القصب في الصعيد، كما أنه أكثر ملاءمة لأهل الصعيد ومناخهم الصعب وينتج نحو 17 منتجًا ثانويًا بجوار السكر (كحول المستشفيات ونصدره والعسل الأسود والأسيتون والسكر البني وسكر الفركتوز والخل والمولاس والمقشات وسكر النبات و.....).
وبشكل عام فإن اقتصاديات استيراد كل من القطن قصير التيلة والذرة الصفراء والفول قد تحسنت كثيرًا بسبب ارتفاع أسعار الدولار مقابل الجنيه، والتي كانت سببًا في أن يكون استيرادها أرخص من أن نزرعها.
الفرصة الضائعة السادسة: هي تراجع الاهتمام بالفلاحين وعدم التواصل معهم إلا في فترة ما قبل التعديل الوزاري الأخير، وحتمية الاستماع إلى شكواهم بتراجع أسعار المنتجات الزراعية وخسارتهم في زراعة البطاطس والبصل والثوم والفراولة والموالح بسبب عدم تنسيق الوزارة معهم وتحديدها للمساحات المثلى لكل محصول حتى لا تنهار الأسعار، وتحديد احتياجات كل من أسواق التصدير والأسواق المحلية، وبالتالي فهناك عدم رضا مكتوم من المزارعين بسبب استمرار الخسائر وعدم تواصل الوزارة معهم إلا عندما يكون هناك تغيير وتعديل وزاري، ثم يختفي التواصل معهم فور انتهاء الأمر ويتراجع نشاط المسؤول.
الفرصة الضائعة السابعة: هي تفرغ الوزارة للشكر والثناء على مشروع منافس أو مكمل لعمل الوزارة وتعظيم مكانة المشروع، وهو فعلًا ذو أهمية كبيرة وسيكون له تأثير مستقبلي كبير، ولكن ليس على حساب التقليل من إمكانيات خبراء الوزارة (وقد استغلت القنوات الخارجية الأمر وكررت إذاعة تصريحات الوزير صوتًا وصورة عدة مرات بأن كفاءة الجهاز أفضل من كفاءة الوزارة رغم أن الجهاز يعمل في التوسع الزراعي الصحراوي فقط بينما ترعى الوزارة 55 مليون فلاح في 9.5 مليون فدان أراضٍ قديمة)، والتي كان لهم سابق فضل كبير نعيش عليه في مشروعات كبيرة مثل مشروع النوبارية لاستصلاح مليون فدان، والذي أصبح مسؤولًا عن غذاء سكان القاهرة والإسكندرية، ثم مشروعات الصالحية الجديدة ووادي الملاك ورمسيس وبلبيس الجديدة ووادي النطرون وأراضي الإسكندرية الصحراوي والإسماعيلية الصحراوي والفيوم الصحراوي وشمال سيناء في ترعة السلام والخطاطبة الجديدة ومركز بدر والوادي الجديد، وأضافت نحو 4 ملايين فدان من هذه المشروعات إلى الستة مليون فدان من الأراضي القديمة السمراء، وبالتالي فالأمر يستوجب الفخر بإنجازات وزارة الزراعة سابقًا وحاليًا، والتفرغ الأكبر لهموم الفلاحين والمزارعين والعمل على حل مشاكلهم.
وتحتاج مصر حاليًا إلى عمل استراتيجيتين عاجلتين للزراعة، الأولى تتعلق بالإنتاج الزراعي تحت ظروف الشح المائي، أي إنتاج أكثر من مياه أقل، واستراتيجية أخرى مرتبطة بالزراعة تحت ظروف تغير المناخ والاحترار العالمي لأصناف أكثر تحملًا لارتفاع درجات الحرارة والعطش والبخر وزيادة تركيز الأملاح في التربة.
وزارة التموين
مثلما تكرر الأمر في اختيار وزراء الزراعة من محاسبي البنك الزراعي (وهناك محاسبون أيضا في كليات الزراعة يمكن الاختيار منهم) فقد تكرر أيضا اختيار وزراء التموين من هيئة البريد المصري، ولا أدري ما هي العلاقة بين البريد وبين بورصات الغذاء العالمية ومناقصات الشراء والرقابة والتوزيع وتوفير الأمن الغذائي، رغم أن الوزارة تتاجر في السلع الغذائية من قمح وسكر وزيت طعام وشاي وقمح وبقول وجميعها منتجات زراعية وكان يخصص لها وزير زراعي كان آخرهم الدكتور أحمد جويلي ثم الدكتور حسن خضر وبعدها تم استبعاد الزراعيين من جميع الوزارات والمحافظات بلا سبب!!
الفرصة الضائعة الأولى كانت في فشل الوزارة في تحجيم التجار لرفع أسعار الدواجن قبيل شهر رمضان بحجة العرض والطلب رغم أن الغذاء سلعة غير مرنة لا ينطبق عليها قواعد العرض والطلب، فالمواطن سيشتري رغيف الخبز سواء كان سعره جنيها واحدا أو عشرة جنيها وبالمثل سيشتري الدواجن مهما كان سعرها نظرا لارتفاع أسعار اللحوم ثم اختفاء الأسماك في النصف الأول من رمضان لظروف الصيام وما تسببه من عطش، وبالتالي أقنع التجار الوزارة لترك أسعار الدواجن للعرض والطلب التي لا تخضع له حيث لها أسعار إذعان فقط وصدقتهم الوزارة دون أن تراجع معهم تكاليف مدخلات الإنتاج وهل زادت مثلا أسعار الأعلاف في دورة إنتاج دواجن رمضان والتي تبدأ 50 يوما قبل الشهر الفضيل؟! وهل زادت أسعار الأمصال واللقاحات أو زادت أجو العمال وأجور النقل وإجابة جميعها بالنفي؟!
والغريب أنه بعد القبض على اثنين من كبار تجار الدواجن قبيل الشهر الفضيل قام التجار برفع أسعار الدواجن عشرة جنيهات إضافية بما يعني أنه لم يتم حسابات وتأثير هذا الانفعال وكان ينبغي للوزارة التفاوض مع التجار والغرفة التجارية قبل شهر على الأقل من موسم رمضان.
الفرصة الضائعة الثانية: كانت ضياع فكر السيطرة المسبقة على الأسواق قبل الشهر الفضيل وليس الانتظار لقدوم الشهر ثم الإعلان عن استيراد الدواجن والتي تحتاج إلى شهر ونصف للوصول إلى الأسواق منها أسبوعين تعاقد وذبح وتجهيز ونقل للمراكب وأسبوعين للنقل البحري وأسبوعين للتفريغ في الموانئ المصرية والتخزين والتوزيع، بخلاف ذلك سنضطر لنقل الدواجن بالطائرات وترتفع تكاليف نقلها لأربعة أضعاف وتصل السوق المصري أغلى كثيرا من الدواجن المصرية رغم ارتفاع أسعارها.
ففي أثناء عملي بهيئة السلع التموينية عام 2005 كنا نتعاقد على مستلزمات رمضان قبل أكثر من شهرين من حلول الشهر الفضيل ومنها اللحوم الحمراء الطازجة والمبردة والمجمدة ثم الدواجن المجمدة والفول الإنجليزي والأسترالي والكندي والسكر والزبدة البقري وزيوت الطعام، ونتأكد من مخزون الدقيق ونتعامل مع زيادة الاستهلاك بنسبة 30% خلال رمضان أغلبها للتوزيع على الفقراء في كراتين وشنط رمضان وموائد الرحمن التي كانت منتشرة وقتها، والسكر ودقيق الحلويات لزوم الكنافة والقطائف والجلاش وحلويات هدايا العزومات، ونقوم بتوزيع هذه المنتجات على منافذ التوزيع الحكومية قبل شهر أو ثلاثة أسابيع من قدوم رمضان فيجد تجار اللحوم والدواجن والفول منافسة وأسعار أقل في منافذ الدولة فلا يجدون الفرصة لرفع أسعارها، ولكن يبدوا أن الأمر تغير الان!
الفرصة الضائعة الثالثة هي احتمالات خروج تسريبات بوجود جهاز مكلف باستيراد ثم توريد القمح لوزارة التموين يحصل على عمولات من هذا التوريد والبعض يظن أنها خرجت من الوزارة دون نفي أو تأكيد، ولا أظن أن الأمر كان يحتاج مثل هذا التوريد في ظل وجود هيئة السلع التموينية وخبرات 80 عاما منذ أن أنشاءها جمال عبد الناصر وكانت مسئولة عن استيراد نحو 70 سلعة في بعض الأوقات لحل أزمات الأسواق، كما وأن التعاقدات تتم من خلال البورصات العالمية للحبوب عن طريق الموردين الدوليين وبالتالي فلا سبيل لتخفيض الأسعار أو الحصول على مميزات لكوننا الدولة الأكبر في استيراد القمح لأن هذا عيبا وليس ميزة ويمكن أن يستغل ضدنا بالامتناع عن التصدير حتى يصل المخزون الاستراتيجي إلى حد الخطر ووقتها يبيعون لنا بأعلى الأسعار.
يضاف إلى ذلك أن الحكومات لا تصدر القمح ولكن القطاع الخاص فقط مثلما أن وزارة الزراعة المصرية لا تصدر الموالح مثلا ولكن القطاع الخاص هو من يصدر فقط وقد حاولنا مرارا في السابق إبرام اتفاقيات استيراد للقمح بكميات كبيرة تتجاوز المليون طن من كازاخستان أو روسيا أو أوكرانيا أو استراليا بأسعار مخفضة ورفضوا جميعا لارتباط الجميع بالأسعار المعلنة في البورصة، وأنهم لن يخفضوا من أرباحهم من أجل مصر التي لا تمثل إلا أقل من 1% من سوق استيراد القمح، ولهذا فإن القول بأن هناك جهات يمكن أن تستورد القمح بسعر أقل من هيئة السلع التموينية غير صحيح ولكن التوفير يمكن فقط أن يتم من خلال النقل في السفن القديمة الأرخص وهي مخاطرة أو إلغاء التأمين على الشحنات القادمة وهذا غير مسموح به لكونها أموالا حكومية وفي حال غرق المركب يتحول الأمر إلى كارثة ونيابة وتحقيقات.
الفرصة الضائعة الرابعةكانت في شكاوي المواطنين من ارتفاع أسعار الغذاء بشكل كبير طوال السنوات الأربع الأخيرة، صحيح أن بعضها مرتبط بارتفاع أسعار الدولار وبعضها الآخر برفع الحكومة لأسعار منتجاتها وسلعها من وقود وكهرباء ومياه وغاز ورسوم استخراج وتعامل وضرائب وأصبحت هي التي تقود الغلاء بسبب غياب فكر التنمية ووجود فكر النمو فقط بزيادة موارد الدولة ولكن بدون مشروعات تنموية بما شجع التجار أيضا على رفعهم للأسعار، فمن لن ترحمه الحكومة لن يرحمه التجار، وكنا دوما في وزارة التموين نعقد اجتماعات متتالية مع الغرفة التجارية بمختلف شعابها للتوافق على الأسعار ونسيان موضوع العرض والطلب والذي لا ينطبق على السلع الغذائية غير المرنة وأنها أسعار إذعان.
وكنا نقدر زيادة الأسعار الناتجة عن زيادة أسعار المحروقات مثلا أو ارتفاع أسعار الدولار وفي الحقيقة كنا نجد تجاوبا كبيرا من التجار وكانوا دوما أرحم كثيرا من الحكومة على المواطن، وكانت أسعارهم دائما أرخص من أسعار سلع الحكومة في المجمعات التعاونية ومنافذ التسويق الفئوية ومازال الأمر موجودا حتى الآن، وحاولنا تغيير الأمر بعمل المجمعات التعاونية لعروض مثل القطاع الخاص والسوبر ماركت ولكن الروتين الحكومي رفض.
ومازالت هذه الأمور سارية فحاليا يباع السكر الحكومي في المجمعات بسعر 28 جنيها وفي القطاع الخاص والسوبر ماركت بسعر 25 جنيها، وأن الترويج بوجود تخفيضات في منافذ الحكومة تصل إلى 25% غير موجود على أرض الواقع، بل أن مبالغ تأجير أماكن شوادر أهلا رمضان ترتفع كل عام، والمطلوب من التجار فقط تخفيض أسعارهم ومن الدولة رفع أسعارها.
وزارة الري
تسير وزارة الري بخطوات جيدة في السنوات الأخيرة وشهدت تراجع شكاوى الفلاحين من نقص مياه الري أو تكرار شكاوى المنازل من انقطاع مياه الشرب أو انخفاض منسوب مياه النهر اللازم للملاحة النهرية وانتهاء ظاهرة "شحوط" السفن النيلية، كما كان لأثر تبطين الترع فضل كبير في سرعة وصول المياه إلى جميع المزارعين ومنع وصول مياه البحر إلى مياه الترع ورفع ملوحتها وتوفير نحو 5 مليار متر مكعب سنويا كانت تفقد في الترع المسامية واستعادة المزارعون ما فقدوه من أراض تم تبويرها بسبب نقص المياه،. ولكن هناك بعض الملاحظات:
الفرصة الضائعة الأولى هي العصبية الواضحة في التعامل مع إثيوبيا وهي المصدر الأكبر لمياه النيل والقول بأنها لا تستطيع إدارة السد والأفضل دبلوماسيا القول بوجود أخطاء في إدارة السد ومياه النهر وغياب التنسيق مع مصر والسودان، ومازلت أرى أن قرار وزير الري بإنهاء التفاوض مع إثيوبيا في نوفمبر 2022 لم يكن ضروريا رغم تقديري للتسويف والملاوعة الإثيوبية المعتادة ولكن نحن نعرفها جيدا وأرى أن استمرار التفاوض وبوتيرة متصاعدة الحدة كان أفضل من قطعها خاصة في أمور تشغيل السد وتبادل المعلومات، وعموما فنحن نعتقد أن قرار إيقاف المفاوضات لم يكن قرار وزارة الري وحدها لمشاركة جهات أخرى سيادية معها في المباحثات.
الفرصة الضائعة الثانية: كان فيضان شهر سبتمبر الماضي وغرق العديد من أراضي محافظات الدلتا وترك تبرير الأمر وأسباب حدوثه والتحول إلى الهجوم على ملاك أراضي طرح النهر وكيف أنهم معتدون على حرم النهر رغم وجود عقود إيجارات وتمليك مع وزارة الري نفسها بما أدى إلى استغلال البعض للأمر والقيل والقال وأن الأمر مخطط مسبقا لطرد المستأجرين لهذه الأراضي لصالح جهات اخرى، وأعتقد أن تفسير الأمر وإيضاح أسباب عدم استيعاب مفيض توشكى هذه الزيادة من المياه كالمعتاد ولماذا تم ضخ كميات زائدة في مجرى النهر رغم وجود 144 جزيرة نيلية وغيرها من أراضي الدلتا المنخفضة يمكن أن تتضرر من الأمر وأن التحذير علي ذلك تم قبل حدوثة بفترة قليلة لم تتجاوز 48 ساعة لم تكن كافية لإنقاذ زراعات الأرز والذرة والخضروات والبيوت الموجودة في هذه المساحات حتى لو كانت مخالفة وكذا عدم تعويض المزارعين عن ذلك لكونهم رعايا الوطن بسبب إظهارهم كمخالفين وبالتالي فقدنا تعاطف الكثير منهم مع سياسات الحكومة.
الفرصة الضائعة الثالثة مرتبطة بالتعامل مع الخبراء والزملاء وأن كل من كان يتعامل مع الوزير السابق محسوب عليه وينبغي استبعاده حتى من المؤتمرات العلمية التي تنظمها الوزارة وكأنها تتبع الوزير نفسه وليس الوزارة وبذلك فقدت الوزارة العديد من كوادرها الخبيرة وأيضا من خارج الوزارة وكل ذنبهم حسن علاقتهم مع الوزير السابق وهو رجل فاضل ومن أهل العلم وليس مع الوزارة نفسها ككيان، وهو ميراث فرعوني ينبغي أن نتخلص منه في جميع الوزارات، مع الاعتراف بحق الوزير في إجراء التغيرات اللازمة التي تتناسب مع فكره وقناعاته في إدارة الوزارة.
الفرصة الضائعة الرابعة هي تأخير الانتهاء من توصيل ترعتي الري إلى جهاز ومشروع مستقبل مصر والتي كان من المقدر لها أن ينتهي العمل بها في يناير 2025 وذلك كما علمت أثناء عملي لفترة قصيرة في هذا المشروع الضخم الواعد، وتأخر هذا التوصيل لأكثر من عام وربما يكون الأمر بسبب بعض الهموم الاقتصادية والفنية ولكن المشروع يتطلب فعليا توفير المخصصات المالية لإنهاء توصيل الترعتين والتي ستساهم في زراعة نحو 1.4 مليون فدان في المشروع والذي تمت زراعة فعليا لنحو 800 ألف فدان وينتظر وصول الترعتين لزراعة باقي مساحة 2.2 مليون فدان المخصصة للمشروع والجهاز.
وزارة البيئة
وهي وزارة سيادية في كل دول العالم ويزيد دورها وهمومها دوريا منذ الإحساس بتغيرات المناخ والتلوث البيئي وتأثيراته في جميع المجالات، وتتطلب وزيرا متفرغا تماما لها ولا اتفق مع ضمها مع وزارة الحكم المحلي والتي لها دور اجتماعي وإصلاحي لأحوال معيشة المواطن في 27 محافظة ومئات من رؤساء الأحياء رغم تبرير رئيس الوزراء للأمر بأن تنفيذ السياسات البيئية مرتبط بالمحليات والمحافظين ولكني لا أتفق معه، ورغم أن كلية الطب البيطري للوزيرة المكلفة هي كلية علمية عملية ولكن ارتباطها بالتلوث البيئي الذي هو في الأساس تلوث مياه وترب زراعية وزروعات بمخلفات المبيدات والأسمدة والكيميائية ومصانع التصنيع الغذائي والفلزات الثقيلة التي تختلف مثلا من نواتج مصانع النسيج عن مصانع الأسلحة الثقيلة عن الصناعات الغذائية والسكر، وحرق المخلفات الزراعية وتحويل قمامة المدن إلى أسمدة وكذلك مخلفات المزرعة، ومقاومة التصحر، وكيف أن وزيرة البيئة السابقة تولت مسئولية منظمة الأمم المتحدة لمجابهة التصحر، وهو حماية الترب الزراعية وألا تصبح شأنها شأن الصحراء غير منتجة للغذاء، ومازلت على يقين مع تقديري للوزيرة الناجحة بأن تولي خبراء الزراعة وكليات العلوم لوزارة البيئة مناسبا، مع تقدير النجاحات التي حققتها الوزيرة في مجال عملها كمحافظ ثم كوزيرة للحكم المحلي، ولكن البيئة هم كبير يحتاج إلى تقدير وتفرغ وحسم واستغلال حجة العمالة في عدم صدور قرارات غلق للمصانع المخالفة وكأن أكل عيش عشرات العمال يبرر مقتل الآلاف والملايين من البشر أو إمراضهم بالأورام وأرجو لها التوفيق والنجاح.
وزارة التعاون الدولي
من الوزارات المهمة التي تعمل مباشرة مع المنظمات الدولية المانحة والتي تتطلب عملا شاقا للتفاوض معهم في أمور مهمة مثل تقليل الفقد والإهدار في الموارد المائية ومثل مشروع تبطين الترع الذي تم بنجاح مع الاتحاد الأوروبي ومنظمات المياه، والتعاون مع منظمة IFAD وهي الدعم الدولي لتطوير الزراعة والأمن الغذائي في إدخال النظم الجديدة للزراعة الذكية والرقمية والذكاء الاصطناعي ومعرفة مفهوم وتعريف هذه المفردات، وكذلك منظمة الأغذية والزراعة في دعم الأبحاث الزراعية الخاصة بالإنتاج الزراعي تخت ظروف الشح المائي وكذلك إنتاج الأصناف الجديدة المتأقلمة مع تغيرات المناخ والعطش وزيادة تركيز أملاح التربة ومياه الري، ومنظمات مجابهة التصحر وحماية الترب الزراعية من التدهور وتراجع إنتاجيتها والزراعة المستدامة التي تتيح الحصول على أعلى عائد من الزراعة مع الحفاظ على خصوبة وصحة الترب الزراعية للأجيال القادمة أي كما تسلمناها خصبة ومنتجة نسلمها أيضا خصبة ومنتجة، ثم تدخل في التعاون مع البنك الدولي لتعزيز استخدامات وإنتاج الطاقات النظيفة المتجددة وصديقة البيئة وتطوير الصناعة وتقنيات ولوجيستيات الأسواق والنقل ودعم الصادرات وحماية البيئة والمحميات الطبيعية والآثار والتراث وغيرها،، وأعتقد أن إضافتها لوزارة الخارجية ستزيد من هموم الوزارة في زمن متقلب وحروب متكررة وسلام غائب، وكنت أرجو على الأقل وجود نائبا لوزير الخارجية لشئون التعاون الدولي إن لم يكن لها وزارة كاملة.
كاتب المقال: أستاذ الموارد المائية بكلية الزراعة-جامعة القاهرة