فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

هل المعاصي والذنوب تمنع صاحبها من فضائل ليلة النصف من شعبان؟ الإفتاء ترد

ليلة النصف من شعبان
ليلة النصف من شعبان

ورد سؤال إلى دار الإفتاء يقول فيه صاحبه: "هل المعاصي والذنوب تمنع صاحبها من فضائل ليلة النصف من شعبان؟"، وجاء رد الدار على هذا السؤال كالتالي: 

التوبة هي سبيل النجاة في الدارين

يجب على المسلم المبادرة بالتوبة من كل ذنب اقترفه؛ فالتوبة هي سبيله للنجاة في الدارين، ولا يضره معاودة الذنب مرة بعد مرة ما لم يصرّ على الذنب، ويتوب منه في كل مرة؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135].

فقد تفضل الله تعالى على عباده بقبول توبتهم والعفو عن سيئاتهم؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110].

وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: 25].

وعن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم قال: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» أخرجه ابن ماجه والبَيْهَقِي، والطَّبَرَانِي في "المعجم الكبير".

رفع الأعمال في شهر شعبان 

والتوبة آكد في شهر شعبان؛ حيث ترفع الأعمال فيه، فيجب على من ارتكب ذنبًا أن يبادرَ بالتوبة والرجوع إلى الله، ويندمَ أشد الندم على ما فعل، ويعزمَ عزيمة صادقة على ألَّا يرجع إليه، ولا يقع في نفس المسلم يأس بسبب ذنب يعاوده؛ فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَهُ ذَنْبٌ يَعْتادُهُ: الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، أَوْ ذَنْبٌ هُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُفَارِقَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفْتَنًا تَوَّابًا نَسِيًّا إِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ» رواه الطَّبَرَانِي في "المعجم الكبير".

قال المُنَاوي في "فيض القدير" (5/ 491، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [أي ممتحنًا، يمتحنه الله بالبلاء والذنوب مرة بعد أخرى، والمفتن: الممتحن الذي فتن كثيرًا (توابًا نسيًّا إذا ذُكِّرَ ذَكَرَ) أي: يتوب ثم ينسى فيعود ثم يتذكر فيتوب هكذا] اهـ.

ويقول رب العزة عز وجل في الحديث القدسي: «أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ» رواه الإمام مسلم.

قال الإمام النووي في "المنهاج شرح صحيح مسلم" (17/ 75): [وهذه الأحاديث ظاهرة في الدلالة لها وأنه لو تكرر الذنب مائة مرة أو ألف مرة أو أكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته، وسقطت ذنوبه، ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها صحت توبته. قوله عز وجل للذي تكرر ذنبه: (اعمل ما شئت فقد غفرت لك) معناه: ما دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك] اهـ.

فضل ليلة النصف من شعبان 

بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فإن الله سبحانه وتعالى اختصَّ ليلة النصف من شعبان بجملة من الفضائل: كرفع الأعمال وفرق الأمور وتغشية العباد بالرحمات، ورغَّبَ في إحيائها، واغتنام نفحها، سعيًا لنيل فضلها وتحصيل ثوابها، وما ينزل فيها من الخيرات والبركات، ولا يمنع من ذلك معاودة المسلم الذنب بعد الذنب، ما دام يبادر بالتوبة، ويفعل الخيرات.