ليلة النصف من شعبان، الفضائل الثابتة فيها وحكم صيام يومها
أكدت وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية أنه في سجل الليالي التي خصّها اللهُ تعالى بعناية خاصة، تبرز ليلة النصف من شعبان، كواحدةٍ من الليالي العظيمة التي تتنزل فيها رحماتُ السماء، وتنفتح فيها أبوابُ المغفرة.
أولًا: الفضائلُ الثابتةُ لهذه الليلةِ المباركة
١ - نزولُ الرحمةِ الإلهيةِ، وفتحُ أبوابِ المغفرة:
في هذه الليلةِ ينزلُ اللهُ تعالى إلى السماءِ الدنيا، فينادي: «هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟». [مسند الإمام أحمد: ١٧٩٠٤].
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَتَهَا، وَصُومُوا يَوْمَهَا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ، أَلَا مِنْ مُسْتَرْزِقٍ فَأَرْزُقَهُ، أَلَا مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ». [رواه البيهقي في: شعب الإيمان].
وإنّما عُظّمت هذه الليلةُ؛ لأنّها مقدمةُ رمضان، ومحطةُ استعدادٍ للقلوب، وموعدُ عتقٍ من النار. فما فضائلُها؟ وما أسرارُها التي تجلّتْ في ضوءِ الوحيِ والهُدى؟
فهي ليلةُ الاستجابةِ، والاستغفارِ، والعتقِ من النار، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ». [ابنُ ماجه: ١٣٩٠].
٢ - كتابةُ الآجالِ والأرزاقِ للعامِ القادم:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً فَخَرَجْتُ، فَإِذَا هُوَ بِالبَقِيعِ، فَقَالَ: «أَكُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ». [الترمذي: ٧٣٩].
وهذا يدلُّ على أنَّ هذه الليلةَ من ليالي التفضل الإلهيّ، حيث يُكتَبُ فيها ما يكونُ في العامِ المقبلُ من آجالٍ وأرزاقٍ، كما في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]
وجمهورُ العلماء على أنّ المرادَ بها ليلةُ القدر، لكنّ بعضَ السلف ذهبوا إلى أنّها قد تشملُ ليلة النصف من شعبان أيضًا.
٣ - استحبابُ الصيامِ في يومِها:
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ". [البخاري: ١٩٧٠].
وكان صلى الله عليه وسلم، يقول: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ». [رواه النسائي].
فإذا كان صيامُ شعبانَ كلهُ مستحبًّا، فصيامُ يومِ النصفِ منه أحرى بالفضل، خصوصًا وقد وردَ في الحديثِ: «إِذَا كَانَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَتَهَا وَصُومُوا يَوْمَهَا» [فضائل الأوقات للبيهقي: ٢٤].

ثانيًا: أسرارُ هذه الليلةِ في بناءِ النفسِ والتربيةِ الإيمانية
ومن هذه الأسرار:
الاستعدادُ الروحيُّ لرمضان: إنّ ليلة النصفِ من شعبان ليستْ نهاية، بل بدايةُ الاستعدادِ لرمضان؛ فهي محطةُ تنقيةٍ للقلب، وتصفيةٍ للنية، وتهيئةٍ للروح. فمن أحسنَ استقبالَها، أحسنَ استقبالَ رمضان.
التأكيدُ على صلةِ الرحمِ، ودرءِ الشحناء: لقد استثنى النبيُّ صلى الله عليه وسلم من المغفرةِ في هذه الليلةِ: (المشركَ والمشاحن)، أي: الذي في قلبهِ حقدٌ على أخيه المسلم؛ ففي ذلك تذكيرٌ بأنّ الطهارةَ القلبيةَ شرطٌ للمغفرة، وأنّ العبادةَ لا تُثمرُ مع الشحناءِ والبغضاء.
الاقتداءُ بالرسولِ صلى الله عليه وسلم في الإكثارِ من العبادةِ في شعبان: كان صلى الله عليه وسلم يُكثرُ من الصيامِ في شعبانَ؛ لـِيَعدَّ نفسَهُ وصحابتَهُ لرمضان. ففي ذلك سرُّ الاستمراريةِ في العبادة، لا الانقطاعِ.
واختتمت وزارة الأوقاف توضيحها بالتأكيد على أن ليلةِ النصفِ من شعبانَ فضيلتُها ثابتةٌ بالأحاديثِ الحسنة، لا بالضعيفةِ والموضوعة، فهي ليلةُ عبادةٍ، واستغفارٍ، ورحمةٍ، وعتقٍ من النار.