فضلها وأسماؤها وكيفية استغلالها، كل ما تريد معرفته عن ليلة النصف من شعبان
تُعد ليلة النصف من شعبان موسمًا استثنائيًا للنفحات الربانية، تضافرت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على علو قدرها، وتواتر عمل السلف في مكة والشام على تعظيمها، وقد اتفقت المذاهب الفقهية المتبوعة على استحباب إحيائها بالقيام والدعاء وصيام نهارها، عادّين إياها ليلةً للبراءة والمغفرة وتدبير الأقدار؛ ممّا يوجب اغتنام ساعاتها تأسّيًا بالهدي النبوي وميراث السلف.
فضل ليلة الصنف من شعبان
ومن جانبها أوضحت وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية أن الرحمات الإلهية تتجلي في ليلة النصف من شعبان؛ إذ ترفع فيها الأعمال وتُغفر الذنوب، وقد عظَّمها السلف الصالح وأجمع الفقهاء على استحباب إحيائها بالطاعات وصالح الدعوات.
منزلة شهر شعبان في الهدي النبوي
من بديع حكمة الله تعالى في خلقه للزمان أن فاضل بين الأوقات، واصطفى منها مواسم للخيرات تزداد فيها الأجور وتسمو فيها الأرواح، ومن هذه المواسم الكريمة التي اختصها المولى سبحانه بعناية فائقة: شهر شعبان المعظم؛ فقد حباه الله بمنزلة سامية، وجعله جسرًا مباركًا بين رجب ورمضان، وقد كان من هدي النبي ﷺ الاحتفاء بأيام هذا الشهر عبر الإكثار من الصيام؛ تعظيمًا لشأنه واستعدادًا لعرض الأعمال على الله؛ فقد ورد في الحديث الصحيح عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [أخرجه أحمد: ٢١٧٥٣، والنسائي: ٢٣٥٧ واللفظ له].
وفي قلب هذا الشهر الكريم، تجلى الحق سبحانه وتعالى بنفحة ربانية خاصة، فاختار ليلة النصف من شعبان ونهارها، مفضّلًا إياهما على ما سواهما في هذا الشهر، وقد جاءت التوجيهات الشرعية مرغّبة في اغتنام هذه الفرصة السانحة عبر إحياء ليلها بالقيام والذكر، وصيام نهارها تذللًا وشكرًا؛ طمعًا في التعرض لنفحات الرحمة الإلهية وما يتنزل فيها من البركات والخيرات؛ وهذا التفضيل لم يأتِ من فراغ، بل تضافرت عليه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وعضدته أقوال الصحابة والتابعين، وسار عليه عمل الأمة الإسلامية جيلًا بعد جيل.

أسماء ليلة النصف من شعبان
لهذه الليلة الكريمة أسماء، وكثرة الأسماء فيها دلالة على شرف المسمى، ومن هذه الأسماء: "ليلة البراءة، ليلة الدعاء، ليلة الصك، ليلة الرحمة والبركة والخير والعفو والغفران لأهل الأرض، الليلة المباركة، ليلة الحكم والقضاء، وليلة السخط والرضا، ليلة القبول والرد والوصول والصد، ليلة السعادة والشقاء والكرامة والنقاء".
قال الإمام القشيري رحمه الله:"﴿فِی لَیۡلَةࣲ مُّبَٰرَكَةٍۚ﴾: قيل هي ليلة القدر، وقيل هي النصف من شعبان وهي ليلة الصّك [لطائف الإشارات (٣/ ٣٧٩) ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب].
وقال الإمام عبد القادر الجيلاني -رحمه الله-: "ومنها سمي ليلة البراءة مباركة لما فيها من نزول الرحمة والبركة والخير والعفو والغفران لأهل الأرض".
وقال رحمه الله أيضا: "وقد سميت ليلة البراءة لأن فيها براءتين، براءة للأشقياء من الرحمن، وبراءة للأولياء من الخذلان.....وقيل: إن للملائكة ليلتي عيد في السماء، كما أن للمسلمين يومي عيد في الأرض، فعيد الملائكة ليلة البراءة وليلة القدر، وعيد المؤمنين يوم الفطر ويوم الأضحى، وعيد الملائكة بالليل لأنهم لا ينامون، وعيد المؤمنين بالنهار لأنهم ينامون.
وقيل: إن الحكمة في أن الله تعالى أظهر ليلة البراءة وأخفى ليلة القدر، لأن ليلة القدر ليلة الرحمة والغفران والعتق من النيران، أخفاها الله عز وجل لئلا يتكلوا عليها، وأظهر ليلة البراءة لأنها ليلة الحكم والقضاء، وليلة السخط والرضا، ليلة القبول والرد والوصول والصد، ليلة السعادة والشقاء والكرامة والنقاء".
أدلة القرآن الكريم على فضل ليلة النصف من شعبان
أما في كتاب الله العزيز، فقد ذهب جمع من المفسرين إلى أن الليلة المباركة التي يُقدر فيها أمر السنة هي ليلة النصف من شعبان؛ حيث تكتب فيها الآجال وتُقسم الأرزاق ويكتب فيها الحجاجّ؛ فقد جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿فِیهَا یُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِیمٍ﴾ [الدخان: ٤]: أنها ليلة النصف من شعبان؛ يبرم فيها أمر السَّنَة، وتنسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاجّ؛ فلا يُزَاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد.
فقد ورد عَنْ عِكْرِمَةَ رحمه الله، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِیهَا یُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِیمٍ﴾ [الدخان: ٤]، قَالَ: "لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، يُدَبَّرُ أَمْرُ السَّنَةِ، وَتُنْسَخُ الْأَمْوَاتُ مِنَ الْأَحْيَاءِ، وَيُكْتَبُ الْحَاجُّ، فَلَا يَنْقُصُ مِنْهُمْ وَلَا يَزِيدُ فِيهِمْ أَحَدٌ" [أخرجه ابن أبي الدنيا في فضائل رمضان (ص٣١): برقم (٧)]
قال الإمام القشيري رحمه الله:"﴿فِی لَیۡلَةࣲ مُّبَٰرَكَةٍۚ﴾: قيل هي ليلة القدر، وقيل هي النصف من شعبان وهي ليلة الصّك [لطائف الإشارات (٣/ ٣٧٩) ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب].
وقد نقل مثل ذلك الإمام الطبري في "جامع البيان" (٢٢/ ١٠، ط. مؤسسة الرسالة)، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" (١٠/ ٣٢٨٧، ط. مكتبة نزار) وغيرهم من المفسرين.

الأنوار النبوية في فضل ليلة النصف
وأما السنة المطهرة، فقد حفلت بالأحاديث التي تضيء جوانب العظمة في هذه الليلة، وتحث المؤمنين على التعرض لنفحات الجواد الكريم فيها؛ فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا؟ أَلَا كَذَا؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» [أخرجه ابن ماجه: ١٣٨٨].
وتأكيدًا لسعة رحمة الله التي تغمر الخلق في تلك الليلة، فقد ورد عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» [أخرجه ابن ماجه: ١٣٩٠].
وعن أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعَرِ غَنَمِ كَلْبٍ». [أخرجه الترمذي: ٧٣٩، وابن ماجه: ١٣٨٩-واللفظ له-، والبيهقي في شعب الإيمان:٣٨٢٦].
كما أشارت الأحاديث إلى أن هذه الليلة هي ميقات لنزول الخيرات والفتوحات من الله تعالى لعباده، وفيها تكتب وتنسخ الآجال والأرزاق، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «يَفْتَحُ اللهُ الْخَيْرَ فِي أَرْبَعِ لَيَالٍ: لَيْلَةِ الْأَضْحَى، وَالْفِطْرِ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَان؛ ينْسَخُ فِيهَا الْآجَالَ وَالْأَرْزَاقَ، وَيَكْتُبُ فِيهَا الْحَاجَّ، وَفِي لَيْلَةِ عَرَفَة إِلَى الْأَذَانِ» [أخرجه ابن الجوزي في "مثير العزم" (ص ١٧٦)، والديلمي في "الفردوس"، وابن حجر في زهر الفردوس (٧/ ٦٠٥) ط. جمعية دار البر].
وقد بلغ من اهتمام المحدثين بهذه النصوص أن خصصوا لها أبوابًا مستقلة في دواوين السنة، إلى غير ذلك من الأحاديث التي ذكرها الأئمة في مصنفاتهم، حتى إنهم أفردوا لها بالتصنيف أبوابًا مخصوصة في كتبهم؛ فبوَّب الإمام ابن أبي شيبة: (مَا قَالُوا فِي لَيْلِهِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَمَا يُغْفَرُ فِيهَا مِنَ الذُّنُوبِ)، وبوَّب الترمذي وابن ماجه في "سننهما" وضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في "السنن والأحكام": (بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ)، وبوَّب ابن أبي عاصم في "السنة": (بَابُ ذِكْرِ نُزُولِ رَبِّنَا تبارك وتعالى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَمَطْلَعِهِ إِلَى خَلْقِهِ)، وبوَّب البيهقي في "فضائل الأوقات"، والبغوي في "شرح السنة": (بَابٌ فِي فَضْلِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ). ورغم ما قد يُثار حول أسانيد بعض هذه الأحاديث منفردة، إلا أن القاعدة عند علماء الحديث تقتضي قبولها بمجموعها؛ إذ إن أحاديث هذا الباب وإن كان في بعضها مقالٌ، إلا أنها في الجملة يقوِّي بعضُها بعضًا؛ لكثرة طرقها وتعدد رواتها فيُحْتَجُّ بها؛ قال المباركفوري [في "تحفة الأحوذي" (٣/ ٣٦٤-٣٦٧، ط. دار الكتب العلمية)]: "باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان.. فهذه الأحاديث بمجموعها حجة على من زعم أنه لم يثبت في فضيلة ليلة النصف من شعبان شيء" اهـ.
هدي الصحابة الكرام في اغتنام ليلة النصف من شعبان
لقد وعى صحابة رسول الله ﷺ قيمة هذا التوقيت المبارك، فكانوا يفرغون أنفسهم للعبادة في ليلة النصف من شعبان؛ فأما أقوال الصحابة رضوان الله عليهم: فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "يُعْجِبُنِي أَنْ يُفَرِّغَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فِي أَرْبَعِ لَيَالٍ: لَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَلَيْلَةِ الأَضْحَى، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ" [أورده الحافظ ابن الجوزي في "التبصرة" (٢/ ٢٠، ط. دار الكتب العلمية)].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "خَمْسُ لَيَالٍ لَا يُرَدُّ فِيهِنَّ الدُّعَاءُ: لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَأَوَّلُ لَيلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَتِي الْعِيدَيْنِ" [أخرجه عبد الرزاق: ٨١٧٥، والبيهقي في شعب الإيمان: ٣٧١٣، وفي فضائل الأوقات: ١٤٩].
ميراث التابعين في تعظيم ليلة النصف من شعبان
وسار التابعون ومن جاء بعدهم على هذا النهج القويم، موصين باغتنام هذه الليلة لِمَا فيها من إفراغ الرحمات وضمان الدرجات؛ وإليك بعض ما ورد عن التابعين ومَن بَعدَهُم:
١) كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديّ بن أرطأة وهو عامله على البصرة: "أَنْ عَلَيْكَ بِأَرْبَعِ لَيَالٍ مِنَ السَّنَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ يُفْرِغُ فِيهِنَّ الرَّحْمَةَ إِفْرَاغًا: أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَةِ الفِطْرِ، وَلَيْلَةِ الْأَضْحَى"؛ [كما ذكره العلامة قوام السنة في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٣٩٣، برقم (١٨٥١) ط. دار الحديث)، والحافظ ابن الجوزي في " لطائف المعارف (ص٣٢٧) ط. دار بن خزيمة].
وعن خَالِد بْن معدَان قَالَ: "خَمْسُ لَيَالٍ في السَّنَةِ؛ مَنْ وَاظَبَ عَلَيْهِن رَجَاءَ ثَوَابِهِنَّ وَتَصْديقًا بِوَعْدِهِنّ، أَدْخَلَهُ الله الْجَنَّةَ: أَوْلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا، وَلَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا، وَلَيْلَةُ الْفِطْرِ يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا، وَلَيْلَةُ الْأَضْحَى يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا، وَلَيْلَةُ عَاشُورَاءَ يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا"؛ [كما أورده أبو بكر الخلال في "فضائل شهر رجب" (ص: ٧٥، ط. دار ابن حزم)]. بل إن بعضهم قارب فضلها بليلة القدر، فعن عطاء بن يسار قال: "مَا مِنْ لَيْلَةٍ بَعْدَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَفْضَلُ مِنْهَا -يَعْنِي لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ-؛ يَنْزِلُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ أَوْ قَاطِعِ رَحِمٍ" [ذكره اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (٣/ ٤٩٩، ط. دار طيبة)].

التصنيف العلمي في خصائص ليلة النصف من شعبان
وختامًا، فإن مما يدل على رسوخ فضل هذه الليلة في وجدان الأمة وعقلها الجمعي، ذلك الاهتمام العلمي البالغ من قبل العلماء؛ وقد اعتنى العلماء بهذه الليلة المباركة؛ لما لها من الفضل، وزاد اعتناؤهم بها حتى أفردوا في فضلها وإحيائها وبيان خصائصها أجزاء حديثية ورسائل؛ منها: "ليلة النصف من شعبان وفضلها" للحافظ ابن الدبيثي صاحب "الذيل على تاريخ بغداد" (ت: ٦٣٧هـ)، و"الإيضاح والبيان لما جاء في ليلتي الرغائب والنصف من شعبان" للإمام ابن حجر الهيتمي (ت: ٩٧٤هـ)، و"التبيان في بيان ما في النصف من شعبان" للملا علي القاري (ت: ١٠١٤هـ)، و"فضائل ليلة النصف من شهر شعبان" للعلامة سالم السنهوري (ت: ١٠١٥هـ)، و"رسالة في فضل ليلة النصف من شهر شعبان" للعلامة محمد حسنين مخلوف (ت: ١٣٥٥هـ)، و"حسن البيان في ليلة النصف من شعبان" للعلامة عبد الله بن الصديق الغماري (ت: ١٤١٣هـ)، و"ليلة النصف من شعبان في ميزان الإنصاف العلمي" للإمام الرائد الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم (ت: ١٤١٩هـ)، وغيرها.
توارث العمل بإحياء ليلة النصف من شعبان
لقد تواترت الأخبار بنقل العمل على الاحتفاء بليلة النصف من شعبان عن السلف الصالح وأهل الحواضر الإسلامية كمكة والشام؛ فقد قال العلامة ابن الحاجّ المالكي: "وكان السلف رضي الله عنهم يُعَظِّمونها -أي: ليلة النصف من شعبان-، ويُشَمِّرُون لها قبل إتيانها، فما تأتيهم إلا وَهُمْ متأهِّبون للقائها، والقيام بحرمتها على ما قد عُلِمَ من احترامهم للشعائر على ما تَقَدَّم ذِكْرُه؛ هذا هو التعظيم الشرعي لهذه الليلة" اهـ. [المدخل (١/ ٢٩٩، ط. دار التراث)]
وعن حال أهل مكة واجتهادهم، قال العلامة الفاكهي: "ذِكْرُ عمل أهل مكة ليلة النصف من شعبان واجتهادهم فيها لفضلها: وأهل مكة فيما مضى إلى اليوم؛ إذا كان ليلة النصف من شعبان خرج عامة الرجال والنساء إلى المسجد، فصلَّوا، وطافُوا، وأحيَوْا ليلتهم حتى الصباح بالقراءة في المسجد الحرام، حتى يختموا القرآن كله، ويُصلُّوا، ومَن صلَّى منهم تلك الليلة مائة ركعةٍ يقرأ في كل ركعة بـ﴿ٱلۡحَمۡدُ﴾-أي: الفاتحة-، و﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ -أي الإخلاص- عشر مرات، وأخذوا من ماء زمزم تلك الليلة، فشربوه، واغتسلوا به، وخبَّؤُوه عندهم للمرضى، يبتغون بذلك البركة في هذه الليلة، ويروى فيه أحاديث كثيرة" اهـ. [أخبار مكة (٣/ ٦٤، ط. دار خضر)]
اتفاق الفقهاء على استحباب إحياء الليلة
ولم يقتصر الأمر على مجرد العمل، بل نَصَّ فقهاء المذاهب المتبوعة على استحباب إحياء هذه الليلة وتعظيمها؛ فعند الأحناف قال العلامة ابن نجيم الحنفي: "ومن المندوبات: إحياء ليالي العشر من رمضان، وليلتي العيدين، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان" اهـ. [البحر الرائق (٢/ ٥٦، ط. دار الكتاب الإسلامي)]
وأما عند المالكية، فقد قال العلامة ابن الحاج المالكي: "ولا شك أنها -أي: ليلة النصف من شعبان- ليلة مباركة عظيمةُ القدر عند الله تعالى.. وبالجملة: فهذه الليلة وإن لم تكن ليلةَ القدر فلها فضلٌ عظيمٌ وخيرٌ جسيمٌ" اهـ. [المدخل (١/ ٢٩٩)]
وقال الشيخ زروق: "وحديثُ صومِ شعبانَ رواه مسلمٌ، ورَوَى غيرُ واحدٍ قيامَ ليلة النصف منه" اهـ. [شرح على متن الرسالة (٢/ ٩٨٨، ط. دار الكتب العلمية)]
وفي المذهب الشافعي، نص الإمام الشافعي على فضلها بقوله: "إنَّ الدعاء يستجاب في خمس ليالٍ: في ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان" اهـ.[الأم (١/ ٢٦٤، ط. دار المعرفة)]
ومن المعلوم أن من مظاهر الإحياء: الدعاء، كما أوضح ذلك العلامة القليوبي الشافعي قائلًا: "يُندَب إحياء ليلتي العيدين بذكرٍ أو صلاةٍ، وأَوْلَاها: صلاة التسبيح، ويكفي مُعظَمُها؛ وأَقَلُّهُ: صلاة العشاء في جماعة، والعزم على صلاة الصبح كذلك، ومثلهما: ليلة نصف شعبان، وأول ليلة من رجب، وليلة الجمعة؛ لأنها مَحَالُّ إجابة الدعاء" اهـ. [حاشيته على شرح المنهاج (١/ ٣٥٩، ط. دار الفكر)]
وأما الحنابلة، فقد نقل الحافظ ابن رجب الحنبلي الروايات عن الإمام أحمد بقوله: "ولا يُعْرَف للإمام أحمد كلامٌ في ليلة نصف شعبان، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه في رواية لم يستحب قيامها جماعة؛ لأنه لم يُنْقَل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، واستحبَّها في رواية؛ لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود وهو من التابعين، فكذلك قيام ليلة النصف" اهـ. [لطائف المعارف (ص: ١٣٧)]
وقرر ذلك العلامة البهوتي الحنبلي ناقلًا عن ابن رجب قوله: "قال شيخنا: قيام بعض الليالي كُلِّها مما جاءت به السنة (إلا ليلة عيد)؛ لحديث: «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ أَحْيَا اللهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» رواه الدارقطني في "علله"، وفي معناها: ليلة النصف من شعبان؛ ذكره ابن رجب في "اللطائف"" اهـ. [كشاف القناع (١/ ٤٣٧، ط. دار الكتب العلمية)].