فرضه الله في شهر شعبان، تعرف على مراحل تشريع الصيام
من المعروف أن شهر شعبان من الشهور المباركة التي اختصها الله سبحانه وتعالى وأَوْلَاها من المنزلة بمكان؛ فمَيَّزه بمنزلة كريمة، ومكانة عظيمة، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يختص أيامه بالصيام؛ لكونها محلًّا لرفع الأعمال؛ فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». ومن المعروف أيضا أن فرض الصيام كان في شهر شعبان وخلال السطور التالية نستعرض معكم متى فرض الصيام علي المسلمين ومراحل تشريعه؟

فرض الصيام في شعبان
فرض الله تعالى الصيام على المسلمين في العاشر من شعبان من العام الثاني للهجرة، كما قال ابن كثير رحمه الله: “وفي شعبان فُرض صوم رمضان”، ولا بد من الإشارة إلى أن زكاة الفطر فرضت في نفس الوقت.
الصيام في الأمم السابقة
ذكر المفسرون: أن الصيام كان مفروضا على الأمم السابقة، وأنه كان مفروضا على أهل الكتاب، فأما اليهود فقد فرض الله عليهم الصيام ولكنهم حولوه فصاموا يوما من السنة، وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني «عن دغفل بن حنظلة عن النبي ﷺ قال: كان على النصارى صوم شهر رمضان، فمرض ملكهم فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن عشرا، ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فوه، قال: لئن شفاه الله ليزيدن سبعة، ثم كان عليهم ملك آخر فقال: ما ندع من هذه الثلاثة الأيام شيئا أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع، ففعل فصارت خمسين يوما».
متى فرض الصيام على المسلمين؟
أول رمضان صامه النبي صلى الله عليه وسلم كان في العام الثاني من الهجرة، قال النووي: صام رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان تسع سنين، لأنه فرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة… (المجموع شرح المهذب (6/ 250).
مراحل تشريع الصيام
فرض الصيام على مراحل، أولها عاشوراء، وثلاث مراحل كانت في رمضان، روى البيهقي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ” أُحِيلَ الصِّيَامُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: وَأَمَّا حَوْلُ الصِّيَامِ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَ بَعْدَمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَصَامَ عَاشُورَاءَ فَصَامَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا شَهْرَ رَبِيعٍ إِلَى شَهْرِ رَبِيعٍ إِلَى رَمَضَانَ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَرَضَ عَلَيْهِ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]. وبيان ذلك على هذا النحو:
- صوم عاشوراء: وكان صيامه واجبا أول الأمر ثم نسخ بفرض رمضان، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ. (متفق عليه). قال ابن حجر: ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه… (فتح الباري (4/ 247).
2- صيام رمضان على التخيير: من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا عن كل يوم: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ } [البقرة: 184].
3- صيام رمضان على الإلزام وله المفطرات ما لم ينم: قال تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، وكان للصائم أن يأكل ويشرب ما لم ينم، روى البخاري عَنِ البَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ” كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلاَ يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لاَ وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187].
- صيام رمضان على الإلزام على الحالة التي نحن عليها الآن، قال تعالى:{فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187].
الحكمة من التدرج في فرض الصيام
قال ابن القيم: لما كان -أي الصوم- غير مألوف لهم ولا معتاد، والطباع تأباه إذ هو هجر مألوفها ومحبوبها، ولم تذق بعد حلاوته وعواقبه المحمودة، وما في طيه من المصالح والمنافع فخيرت بينه وبين الإطعام وندبت إليه، فلما عرفت علته يعني حكمته والفقه، وعرفت ما تضمنه من المصالح والفوائد، حتم عليها عينا، ولم يقبل منها سواء، فكان التخيير في وقته مصلحة، وتعيين الصوم في وقته مصلحة… (مفتاح دار السعادة (2/ 29).

كم رمضانا صامه الرسول؟
فرض صيام رمضان في شهر شعبان في السنة الثانية من الهجرة في المدينة المنورة فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات.