جلال الدين الحمامصي، مهندس الصحافة المصرية وصوت الكلمة الحرة الذي لم ينكسر
جلال الدين الحمامصي، أحد أعمدة الصحافة المصرية، وصحفي من طراز نادر، خاض معاركه بالقلم، وجعل من كتاباته سلاحا لمقاومة الفساد والدفاع عن الضمير الحي، عاش ثائرا في مواقفه، معارضا حين يتطلب الموقف المعارضة، وناقدا شرسا للسلطة، حتى بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر، تصادم مرارا مع الحكم بسبب مقالاته، فتعرض للاعتقال والمنع من الكتابة والوقف عن العمل، وبقي رغم ذلك نموذجا فريدا للكلمة الحرة، اشتهر بعموده الشهير «دخان في الهواء»، ورحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم عام 1988.

ولد جلال الدين الحمامصي عام 1913 بمدينة دمياط، وبدأ رحلته الصحفية مبكرا، متنقلا من كتابة الخبر إلى الموضوع ثم المقال، حيث عمل محررا بجريدة «كوكب الشرق» عام 1929 أثناء دراسته الهندسة، ثم انتقل إلى دار الهلال، فـ«جريدة المصري»، مطبقا ما تعلمه في الهندسة على فن إخراج الصحف. بعدها عمل ناقدا رياضيا في مجلة «روز اليوسف»، ثم أسس مجلة «الأسبوع»، وأعقبها بإصدار «الزمان» التي تولى رئاسة تحريرها، قبل أن يكون أول رئيس تحرير لجريدة «الأخبار» عقب تأسيسها عام 1952 مع علي ومصطفى أمين.
البداية من روز اليوسف
كانت الانطلاقة الحقيقية للحمامصي من مجلة «روز اليوسف»، أثناء تغطيته أحداث توقيع معاهدة 1936 مع مصطفى النحاس رئيس الوزراء، وذلك خلال عمله مع الصحفي الكبير محمد التابعي وبدعم مباشر من السيدة روز اليوسف التي آمنت بدور الشباب.
وعن تلك المرحلة قال في صحيفة «الأخبار» عام 1974: بدأت مرحلة الاحتراف الصحفي في مجلة روز اليوسف مع أستاذنا محمد التابعي، وكنت لا أزال طالبا بالجامعة، حتى إنني أُرسلت إلى لندن عام 1936 لتغطية احتفال توقيع المعاهدة، فكانت أول مهمة لي خارج مصر.
مناصب ومسئوليات كبرى
كلفه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بإنشاء أول وكالة أنباء مصرية خالصة، هي وكالة أنباء الشرق الأوسط، على النمط الأوروبي، وكان أول مدير لها عند تأسيسها عام 1956. غادرها بعد التأميم، ثم عاد رئيسا لتحرير «الأخبار» عام 1959. كما عمل أستاذا للصحافة بالجامعة الأمريكية، وساهم في تأسيس معهد الإعلام بجامعة القاهرة، ودرّس فيه، وتخرج على يديه أول ثلاث دفعات قبل تحوله إلى كلية الإعلام.
«ما أحلى الرجوع إليه»
بسبب آرائه الجريئة، منعت الحكومة الحمامصي من كتابة عموده «دخان في الهواء» لمدة 14 عاما. وفي عام 1974 عاد إلى الكتابة بمقال حمل عنوان «ما أحلى الرجوع إليه»، عبّر فيه عن رهبة العودة لمواجهة القراء بعد غياب قسري طويل، مؤكدا أن بعض العقليات ما زالت تضيق بالنقد وتراه خروجا على ما يسمى بالالتزام.

مؤلفات صنعت مدرسة
ترك الحمامصي تراثا فكريا وصحفيا ضخما، من أبرز كتبه: صحافتنا بين الأمس واليوم، نزاهة الحكم، المخبر الصحفي، الصحيفة المثالية، المندوب الصحفي، من الخبر إلى الموضوع، معركة الجلاء، ماذا في السودان؟ معركة تأميم قناة السويس، من القاتل؟ القربة المقطوعة، حوار خلف الأسوار، أسوار حول الحوار، صالة التحرير، الأخبار في الراديو والتليفزيون، وكالات الأنباء، الإدارة في الصحف، ورغم ذلك لم يكتب مذكراته، وكان يردد دائما: لم أصل بعد إلى السطر الأخير من حياتي لأكتب سيرتي الذاتية.

آخر المعارك بالقلم
كان آخر مؤلفاته كتاب «حوار وراء الأسوار»، الذي شكك فيه في ذمة الرئيس عبد الناصر، فهاجمه أنصاره بشدة.
وكتب فيه مؤكدا أن الكلمة المطبوعة المشبعة بالفكر الحر تمتلك جاذبية لا تقاوم، مشيرا إلى أن أزمة الصحافة تزامنت مع التحولات الاقتصادية وسياسات الانفتاح، التي لا يعترض عليها إذا جاءت لصالح الشعب أولا.
العمل النقابي والعلاقات الإنسانية
خاض الحمامصي أول انتخابات لنقابة الصحفيين عام 1971 وفق القانون الجديد، في منافسة شريفة مع ابن شقيقته علي حمدي الجمال، وخسر بفارق بسيط. كما ربطته صداقة قوية بالسيدة أم كلثوم في أربعينيات القرن الماضي، حضرت على إثرها حفل زفافه. وكانت له موهبة فنية، فكتب للسينما قصصا منها قصة فيلم «إحنا بتوع الأتوبيس» المستوحى من وقائع حقيقية جرت خلال العهد الناصري.
وصايا لا تموت
من أهم وصاياه للأجيال الجديدة من الصحفيين الدعوة إلى الصدق وتحمل المسؤولية. كان يؤمن بأن الصحفي إذا اتهم مسؤولا بالفساد فعليه تقديم الأدلة، فإن كذب وجب حسابه، وإن صدق وجب عزل الفاسد ومحاسبته، وإلا سادت الفوضى وانعدمت الثقة.
رحيل «دخان في الهواء»
في 20 يناير 1988، غاب جلال الدين الحمامصي، فغاب معه «دخان في الهواء»، وبقيت سيرته شاهدا على صحفي عاش حرا، ومات واقفا، تاركا مدرسة أخلاقية ومهنية لا تزال تلهم أجيالا جديدة.