فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

محمد عبد الجليل يكتب: الجنرال الصامت: كيف تحولت "الداخلية" من مطاردة الأزمات إلى صناعة الردع؟

محمد عبدالجليل، فيتو
محمد عبدالجليل، فيتو

عبر عقود طويلة، ارتبطت صورة وزير الداخلية في الوجدان المصري بالظهور الطاغي والخطابات التي تملأ الفضاء العام، لكن المشهد الأمني الحالي تحت قيادة اللواء محمود توفيق  وزير الداخلية كسر هذه القاعدة تمامًا. نحن أمام ظاهرة يمكن تسميتها بـ "هيبة الصمت"، حيث تراجعت الخطابة لتتقدم النتائج، واختفت الاستعراضات لتظهر استراتيجية "العمل الهادئ" التي أعادت صياغة مفهوم الأمن في الشارع المصري.تعتمد هذه المدرسة الجديدة على ركيزتين لا تخطئهما العين: تطوير مؤسسي صامت، واستقلال أمني صلب.العقل الاستباقي.. حين يسبق "التحري" صرخة الاستغاثة التغيير الأهم لم يكن في المعدات، بل في "العقيدة الإدارية".

انتقلت الوزارة من إدارة الأزمة إلى منظومة منع الأزمة. لم يعد قطاع "الأمن الوطني" مجرد جهاز معلوماتي تقليدي، بل تحول إلى عقل استخباراتي استراتيجي يقرأ المشهد قبل اكتماله.هذا التحول هو التفسير المنطقي للاختفاء شبه التام لتهديدات الإرهاب المنظم، وتجفيف منابع الجريمة الكبرى في محافظات الصعيد والمناطق الحدودية التي ظلت لسنوات بؤرًا ساخنة؛ فالضربات الآن تصيب أهدافها وهي لا تزال "نوايا" أو "مخططات حبر على ورق".بناء القوة الذاتية.. الاستقلال الذي يمنح الثقةثمة جهد غير مسبوق في تعزيز القدرات القتالية للأمن المركزي والقوات الخاصة؛ هذا التطوير لم يأتِ لمجرد التحديث التقني، بل لترسيخ "استقلال القرار الأمني".

 الفكرة هنا هي بناء "قوة موازية" مدربة باحترافية قتالية عالية، تضمن للوزارة التصدي لأي خطر داخلي ذاتيًا وبكفاءة مطلقة. هذا الاستقلال أرسى دعائم الثقة بين كافة أجهزة الدولة، مؤكدًا أن الجبهة الداخلية في أيدٍ أمينة وقادرة على الحسم دون استنزاف جهات أخرى.

الإصلاح الهيكلي.. ما وراء الانضباط والرقمنة 

المواطن العادي يلمس التغيير في تفاصيل يومية بسيطة لكنها عميقة الدلالة: على مستوى الانضباط: ظهر جيل جديد من الضباط يتميز بلياقة بدنية والتزام مسلكي يعكس صرامة "المؤسسة" لا "الفرد"، مما أعاد للهيبة معناها الحقيقي القائم على الاحترام لا الترهيب.على مستوى الخدمات: لم تعد "الرقمنة" مجرد شعار، بل تحولت الخدمات الجماهيرية والبلاغات إلى مسارات إلكترونية سريعة، خففت العبء عن كاهل المواطن وقضت على البيروقراطية.

على مستوى الفرد: تدرك القيادة أن نجاح المنظومة يبدأ من "إرضاء القائم عليها"، لذا شهدت الخدمات الاجتماعية والمعيشية للضباط والأفراد طفرة حقيقية، خلقت ولاءً مؤسسيًا انعكس على أداء الفرد في الشارع.

الإعلام الأمني.. الردع بـ "قوة الصورة" بذكاء لافت

 تحولت المنصات الرسمية للوزارة من وسيلة لنشر الأخبار إلى "أداة ردع نفسية"، فالنشر الدوري والمكثف لنتائج الضربات الأمنية، وتصوير سقوط الخارجين عن القانون، خلق حالة من الرهبة في نفوس من يفكر في مخالفة القانون.

 الرسالة هنا واضحة ومباشرة: "لا أحد بعيد عن يد العدالة"، وهذا الربط بين الفعل الميداني والتأثير النفسي هو تجسيد لعقلية تقرأ العصر وتدير أدواته باحترافية.ختامًا..إن الإشادة بالاستقرار الأمني الحالي، والذي انعكس إيجابًا على أرقام السياحة ومناخ الاستثمار، ليست مجرد مديح لشخص، بل هي اعتراف بنجاح "خطة إعادة هيكلة" نُفذت في صمت مطبق.

لقد أثبتت تجربة "الجنرال الصامت" للسيد محمود توفيق أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج، وأن الأمن المستدام هو ذلك الذي يشعر به المواطن في تفاصيل يومه دون أن يضطر المسئول للحديث عنه