فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الدكتور عائد زقوت يكتب من الأرض المحتلة: هزيمة العقل داخل الجماعة وسوسيولوجيا التفكير الجمعي.. العنصرية والطائفية والتعصب لا تُنتج داخل وعي الفرد.. ويحذر من خطورة انتصار منطق الطاعة

الدكتور عائد زقوت
الدكتور عائد زقوت

العنصرية والطائفية والتعصب السياسي لا تُنْتَج غالبًا داخل وعي الفرد وحده بمعزل عن سياقه الاجتماعي، بل تتشكّل حين يذوب الفرد في جماعة مؤدلجة ذات نزعة طوباوية، تُعطِّل آليات التفكير النقدي وتستبدلها بمنطق الاصطفاف والانتماء.

 في هذا التحوّل، لا يعود الفرد فاعلًا معرفيًا مستقلًا، بل وحدة وظيفية داخل بُنية جماعية تُعيد تشكيل إدراكه للآخر العابر للحدود.

تُظهر الخبرة اليومية أن الإنسان، بوصفه فردًا، يمتلك قدرة على التعايش مع الاختلاف الفكري والعقائدي، وعلى مشاركة الهموم والآمال دون تَوتُّر أو إقصاء ممنهج. 

غير أن هذا الاتزان يتآكل سريعًا داخل الفضاء الجماعي، حيث تفرض الجماعة منطقها الخاص على الأفراد، وتُعيد تعريف المقبول والمرفوض وفق معاييرها الأيديولوجية.

داخل الجماعة، يفقد التفكير المستقل قيمته المعرفية، ويُعاد تأطيره بوصفه خروجًا عن الطاعة وتهديدًا للتماسك الجمعي. في هذا السياق، تُشوَّه المفاهيم، ويُخْتزَل الحق في تأويل واحد مُهَيمِن، وتتحول القناعات إلى شعارات أيديولوجية مُقدّسة لا تقبل المراجعة أو المُساءلة. 

هنا يُقصَى العقل ويُهزَم ليس عبر القسّر المباشر، بل من خلال آليات إدماج ناعمة تقوم على إغراء الانتماء، وإنتاج اليقين، وبَث التفاؤل الأعمى، وتخفيف كلفة السؤال، بما يؤدي إلى تآكل الاستقلالية المعرفية وتطبيع التبعية الفكرية.

الأكثر إشكالية أن هذا النمط لا يقتصر على الجماعات التعبوية أو الشعبوية، بل يمتد إلى جماعات سياسية ونُخَب مثقفة، تمتلك نُطاسة خطابية عالية وقدرة متقدمة على التبرير وصناعة المسوغات. 

في هذا المستوى، يُعاد تأهيل الخطأ بوصفه "موقفًا"، ويُقدَّم الفشل على أنّه "خَيار"، ويُعاد إنتاج التناقض باعتباره "حكمة سياسية"، فيما يُسوَّغ الإقصاء تحت مسمّى "تحليل"، وتُمنح الكراهية صفة الموقف المبدئي. هكذا تتحوّل الأيديولوجيا إلى مظلّة أخلاقية تُضفي المشروعية على ممارسات كانت مرفوضة فرديًا.

إن المجتمعات التي تسمح بهزيمة العقل داخل الجماعة تفتح المجال أمام أشكال متصاعدة من العنف الرمزي والسياسي، لا تحتاج إلى عدو خارجي كي تستمر. 

فالصراع الجوهري ليس بين جماعات متنافسة بقدر ما هو بين عقل ناقد يسعى إلى الفهم، وبُنية جماعية تطالب بالطاعة والامتثال. 

وحين ينتصر منطق الطاعة، لا يكون المهزوم طرفًا بعينه، بل المجتمع العام بأسره؛ إذ لا أداة لمواجهة المعاناة وإنتاج المعنى سوى العقل النقدي، القادر وحده على خلق قيمة جديدة من قلب الفوضى.