كوكا مولادينجا، تمثال حي يستحضر روح لومومبا بكأس أمم إفريقيا 2025 (بروفايل)
في مدرجات بطولة كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، لم يكن الجمهور وحده من يذهل الجميع بالأداء أو الاحتفالات، بل كان مشجع الكونغو الديمقراطية ميشيل "كوكا" مولادينجا، الذي تحوّل إلى رمز حي للصمود والتاريخ في كل مباراة، وقف ساكنًا، رافعًا يده اليمنى، كأنه تمثال باتريس لومومبا التاريخي، مستحضرًا قصة نضال واستقلال الكونغو من الاستعمار البلجيكي.
موقفه لم يكن مجرد إيماءة، بل درس حي عن الحرية، التضحيات، والقيم التي تتجاوز الرياضة لتلامس السياسة والتاريخ.
تمثال حي في مدرجات الملاعب المغربية
منذ الدور الأول، لفت كوكا مولادينجا الأنظار في مباريات منتخب الكونغو ضد بنين والسنغال وبوتسوانا، حيث ظل واقفًا بلا حركة طوال المباراة، مرتديًا بدلة وربطة عنق، محاكيًا حركة الرئيس الكونغولي الراحل باتريس لومومبا في تمثاله الشهير بكنشاسا.
وحتى بعد هدف الفوز الحاسم للجزائر في المباراة الأخيرة، ظهرت دموعه على وجهه، في مشهد مؤثر جمع بين الانفعال الرياضي والاحترام التاريخي، مؤكدًا أن وقوفه كان تقديرًا لتضحيات بطل استقلال بلاده.
احتفال مزدوج بين كوكا وعمورة: الفكاهة والاحترام
لم يترك مهاجم الجزائر محمد الأمين عمورة فرصة الصمت، فاحتفل بطريقة ساخرة أمام مكان مولادينجا، مقلدًا حركة رفع اليد، قبل أن يسقط على الأرض بطريقة فكاهية، لتتحول اللقطة إلى مزج فريد بين الاحتفال الرياضي والانفعال الإنساني.
هذا المشهد سلط الضوء على الروح الرياضية التي ترافق التاريخ والسياسة في المدرجات، وأكد أن كرة القدم يمكن أن تكون منصة لتقدير الرموز الوطنية.
مولادينجا: أيقونة البطولة الغريبة
أصبح كوكا مولادينجا رمزًا للبطولة ليس فقط بسبب ثباته أثناء المباريات، بل أيضًا لأنه نجح في نقل قصة باتريس لومومبا إلى الملاعب، مستفيدًا من التشابه الكبير بينه وبين الزعيم الكونغولي الراحل.
الجمهور كان يظن في البداية أنه تمثال، قبل أن يتحرك قليلًا ليؤكد أنه إنسان حي يحاكي التاريخ بإيمانه ورسالة تظل خالدة.

باتريس لومومبا: رمز الكفاح والتحرر
باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء للكونغو بعد الاستقلال عن بلجيكا عام 1960، عرف بشجاعته ونضاله ضد الاستعمار والتدخلات الأجنبية.
بعد أقل من عام في الحكم، تم اغتياله بطريقة وحشية بدعم بلجيكي وأمريكي، وتم التخلص من جسده بطريقة بشعة، مع الاحتفاظ بأسنانه كـ"تذكار"، قبل أن تُعاد إلى الكونغو بعد عقود طويلة.
مولادينجا، في كل وقوف له، كان يحيي هذه الروح، مذكرًا العالم بأن الحرية تتطلب تضحيات وأن التاريخ لا يموت.
رسالة المشجع مولادينجا: الرياضة والتاريخ والكرامة
في مقابلاته، أكد مولادينجا أن وقوفه الطويل كان لإلهام فريقه ومنحهم القوة والطاقة، مضيفًا:
"هو من منحنا الحرية، وضحى بحياته من أجلنا، لذا هو بطل لنا وقدوة، وهو فرد من العائلة"
وأضاف أن الأمر صعب للغاية، خصوصًا وسط حماس الجماهير، لكنه يرى أن كل مشجع يؤدي دوره، وهو يؤدي دوره أيضًا.
الارتباط المصري–الكونغولي ودور جمال عبد الناصر
تجدر الإشارة إلى أن قصة لومومبا ارتبطت بالقاهرة، حيث دعم الرئيس جمال عبد الناصر زعيم الكونغو التاريخي وأرسل عائلته إلى مصر لحمايتهم. هذا الرابط التاريخي يعكس تداخل الرياضة، السياسة، والتحرر في المشهد الإفريقي.
نهاية البطولة الافريقية للكونغو وبداية أسطورة
بعد خروج منتخب الكونغو من البطولة، غادر مولادينجا المغرب، حاملًا رسالة نضال وطنية وتاريخية، مؤكدًا أنه لن ينسى أبدًا باتريس لومومبا، وسيبقى رمزًا حيًا للصمود والتضحيات، بينما الجماهير تعلم أن كرة القدم يمكن أن تصبح منصة لتذكّر القيم الكبرى والتاريخ العميق.
ميشيل "كوكا" مولادينجا لم يكن مجرد مشجع، بل صوت حي لتاريخ أمة وأيقونة للحرية. قصته تربط بين الرياضة، التاريخ، والسياسة بطريقة لم نشهدها في أي بطولة سابقة، مؤكدًا أن رموز التحرر تبقى حاضرة حتى في قلب الملاعب.