فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

"فيتو" في قرية صائد الدبابات.. عبد العاطي دمر 23 دبابة و3 مجنزرات.. إدراج اسمه في الموسوعات العالمية.. ونجله يكشف أبرز المحطات في حياته

الرقيب أول مجند محمد
الرقيب أول مجند محمد عبد العاطى شرف

من قرية صغيرة هادئة تُدعى شيبة قش التابعة لمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، خرج بطل من طراز نادر، دوّن اسمه بحروف من نور فى سجل البطولات المصرية والعربية، هو الرقيب أول مجند محمد عبد العاطى شرف، صائد الدبابات الأشهر فى التاريخ الحديث، الذى حوّل ساحات القتال فى حرب أكتوبر إلى أسطورة واقعية بقدرته على تدمير 23 دبابة إسرائيلية و3 مجنزرات، ليصبح رمزًا للشجاعة والفداء وواحدًا من أنقى من جسّدوا روح الجندى المصرى فى أنصع صورها.

انتقلت «فيتو» إلى قرية شيبة قش منيا القمح لتستعيد مع أهاليها ذاكرة البطل، وزارت منزله القديم الذى وُلد فيه وعاش فيه طفولته وشبابه، قبل أن ينتقل لاحقًا للإقامة بمدينة منيا القمح، حيث شيّد منزلًا آخر.

خلال الزيارة، رصدت”فيتو”لحظات مؤثرة عند قبر البطل، حيث حرص عدد من أقاربه وأبناء قريته على قراءة الفاتحة لروحه والدعاء له بالرحمة، فى ذكرى  انتصارات حرب اكتوبر المجيدة مؤكدين أن ذكراه ما زالت حية فى وجدانهم رغم مرور السنين.

استقبال لا يُنسى بعد النصر

ما زالت الذاكرة الشعبية فى شيبة قش تحتفظ بتفاصيل يوم استثنائى من ديسمبر 1973، حين عاد البطل إلى قريته بعد النصر.

يقول الحاج أحمد جزر (61 عامًا)، موظف على المعاش أحد أبناء القرية: “عمرى ما أنسى يوم استقبلنا فيه البطل بعد نصر أكتوبر.. كنا أطفالًا خرجنا من المدارس ومعنا المعلمين، نصطف على الطريق العام نهتف ونهلل..كانت فرحة لا توصف.. حتى وزير الزراعة وقتها الدكتور سيد مرعي، ابن قرية العزيزية، حضر لاستقباله، وظل اليوم كله هتاف وتصفيق وابتسامات نصر لا تنتهي”.

حياة بسيطة.. وجندى يرفض الأضواء

ورغم البطولات التى صنعت مجده، عاش محمد عبد العاطى حياة شديدة التواضع تزوّج من ابنة عمه محاسن عبد الدايم شرف -رحمها الله- وأنجب ثلاثة أبناء: عصام (خريج كلية الآداب، لغة عربية)، والعميد وسام، والعميد أحمد، وابنة وحيدة هى بسمة.

التحق بعد الحرب بوزارة الزراعة، وعمل فى الإدارة الزراعية بمنيا القمح، بعد حصوله على بكالوريوس الزراعة، كما كان عضوًا بالمجلس المحلى للمحافظة وعضوًا بالحزب الوطنى فى وقت لاحق.

ورغم مكانته، ظلّ متواضعًا زاهدًا فى التكريم، وكان يردّد دائمًا:”أنا جندى من جنود مصر.. والنصر ده نصر كل المصريين مش نصر فرد”.

يتحدث نجله عصام محمد عبد العاطى موظف بوزارة الثقافة عن والده بكلمات يغلب عليها الفخر والحنين:”أبى كان مؤمنًا بقضاء الله، أخفينا عنا مرضه بتليف الكبد حتى اشتد عليه وجرى نُقله إلى مستشفى جامعة الزقازيق ومكث هناك نحو 15 يومًا تقريبًا، وتُوفى فى الثالث والعشرين من رمضان.. كانت كلماته الأخيرة لأختى بسمة، وكانت وقتها فى الإعدادية، قالت له: (ما تيجى بقى البيت يا بابا تنوره، وحشتنا).. وبعدها بنصف ساعة فقط رحل بهدوء”.

ويضيف: “كان دائم التواصل مع الناس فى قريته، لا يتأخر عن أحد، وبيته كان مفتوحًا للجميع.

كان من أقرب أصدقائه الشاعر الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودي، الذى كتب له بعد وفاته قصيدة شهيرة بعنوان “الاسم المشطوب”.

بصمات خالدة فى القرية

لم يترك البطل إرثًا من الكلمات فحسب، بل ترك آثارًا ملموسة فى قريته، فقد ساهم فى رصف طريق المدرسة الابتدائية الذي كان ترابيًا، وأسس مركز شباب شيبة قش، وكان أول رئيس له، كما كوّن أول فريق كرة قدم بالقرية.

مطلب أبناء الشرقية

ويختتم نجله عصام محمد عبد العاطى حديثه قائلًا: “نتمنى من الدولة إطلاق اسم والدى على أحد ميادين منيا القمح أو إحدى المدارس، حتى تعرف الأجيال القادمة من هو محمد عبد العاطي.. الرجل الذى لم يطلب شيئًا لنفسه، لكنه منح مصر كل شيء.

كان عاشقًا للنادى الأهلى ومتعلقًا بالنجم صفوت عبد الحليم

يقول عبد العزيز محمد شرف أحد أقاربه: “كان يعتبره الجميع أبًا ومربيًا، قاد مركز الشباب لأكثر من 25 سنة، وكان عاشقًا للنادى الأهلى ومتعلقًا بالنجم صفوت عبد الحليم. ما كانش بيتأخر عن حد، وكان بيهتم بالشباب جدًا، يشجعهم على التعليم والرياضة والانتماء.”

ويضيف، إن البطل الراحل كان يُحب الملوخية بالأرانب، وكان لا يملّ من تناول اللحوم بكميات كبيرة، معتبرًا أن الأكل القوى “سرّ العافية”، كما كان يردد دائمًا.

وداع مهيب لبطل استثنائي

يروى الأهالى أن يوم جنازته كان من الأيام التى لا تُنسى فى تاريخ منيا القمح: “يوم جنازته كان مشهدا مهيبا، حضره أكثر من 15 ألف شخص من أنحاء الجمهورية، ومن بينهم أبطال حرب أكتوبر رفاق السلاح جاءوا لوداع صائد الدبابات الذى خلد اسمه فى ذاكرة الوطن”.

صائد الدبابات.. من الميدان إلى التاريخ

وُلد محمد عبد العاطى شرف فى 15 ديسمبر 1950، والتحق بالقوات المسلحة عام 1969، وتخصص فى الصواريخ المضادة للدبابات.

كان من أوائل من تدربوا على صاروخ “فهد”، أحد أقوى الصواريخ فى حينه، وتميز بكفاءته العالية ودقته فى الإصابة، حتى اختير ليقوم بعرض عملى أمام قائد سلاح المدفعية اللواء محمد سعيد الماحي.

وخلال معارك الفرقة 16 مشاة فى أكتوبر 1973، استطاع تدمير 23 دبابة إسرائيلية و3 مجنزرات فى واحدة من أكثر المواجهات بطولية فى تاريخ الجيوش الحديثة.

أُدرج اسمه فى الموسوعات العسكرية العالمية كأشهر صائد دبابات فى التاريخ، وتلقى تقديرًا من قادة الجيش والدولة، إلا أنه ظل على حاله: متواضعًا، بسيطًا، يضع الوطن فوق كل اعتبار.