الخميس 26 نوفمبر 2020...11 ربيع الثاني 1442 الجريدة الورقية

حسن زايد يكتب.. أوجاعنا الاقتصادية

صحافة المواطن
حسن زايد

حسن زايد


بعيدًا عن المصطلحات الاقتصادية وتعقيداتها، وعن نوعية المذهب الاقتصادي الذي نتبعه، فهذه الأمور تشغل المتخصصين والمشتغلين بالاقتصاد دون غيرهم، أما ما يشغلنا نحن فهو ما لخصه لنا أحدهم في عبارة واحدة عند حديثه عن النمو الاقتصادي قائلًا: النمو الاقتصادي هو ما أشعر به في جيبي لا ما أراه في جيب غيري. 
اضافة اعلان

وأنا كمواطن أشعر بجيبي فارغًا ووجعي الاقتصادي قد بلغ مني نخاع العظام، ولا تجدي معي مسكنات طالما اعتدت عليها، فالحكومة بعد ثورة يونيو قد جاءت بخبرائها ومتخصصيها لتعالج الاختلالات الهيكلية، التي يعاني منها الاقتصاد المصري، ولن نقبل منها مسكنات باعتبارها حكومة مؤقتة أو تسيير أعمال أو حكومة سكرتارية لرئيس الجمهورية، فهي وإن كانت مؤقتة لأي من الاعتبارات السابقة فلا بد أن تعمل لدنياها كأنها ستعيش أبدًا حتى ولو "مشيت" غدًا. 

وما أراه من حكومتنا الرشيدة أنها تعمل باعتبارها حكومة راحلة الآن وليس غدًا؛ لأنها مصرة على العلاج بالمسكنات، ففي مواجهة موجات الغلاء الفاحش في السلع والخدمات ذهبت الحكومة إلى دفاتر غيرها القديمة لتقلب في صفحاتها لعلها تجد الحل السحري والعلاج الناجح من داء فحش الأسعار وجشع التجار، ويبدو أنها قد تعثرت في مرسوم بقانون يرجع تاريخه إلى قبيل منتصف القرن الماضي أيام الملك فاروق الأول، وهو المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين المنشور في الوقائع المصرية في 4/10/1945 م، وهو قانون يعالج ضمن أمور أخرى متعلقة بشئون التموين، ومسألة العقوبة المقررة على من يخالف التسعير الجبري. 
وبغض النظر عن المذهب الاقتصادي الذي تتبعه فكرة التسعير الجبري، فإنه قد جرى استدعاءها على عجل سواء للتهديد أو للتفعيل لمعالجة الفجوة بل الهوة الواسعة ما بين الأسعار ومستويات الدخول، والتي بلغت حد الضرب بقسوة في العظام، فلو جرى تطبيق فكرة التسعير الجبري ولو جزئيا على بعض السلع الضرورية، فإن ذلك سيؤدي حتمًا إلى خلق ما يسمى بالسوق السوداء، أي السوق التي تعمل بآليات خاصة تحت جنح الظلام بعيدًا عن أضواء المراقبة والتفتيش، وظهور مثل هذه السوق الموازية سيسحب حتمًا السلع المسعرة من الأسواق والهبوط بها تحت الأرض.
 وإزاء الحاجة الملحة للمستهلك لهذه السلع - لأن الطلب عليها غير مرن - سيضطر إلى دفع أي ثمن من أجل الحصول عليها، وإلا فلتتحمل عظامه عضة الجوع، وقد يقول قائل: إن أجهزة التفتيش والمراقبة في وزارة التموين ستنشط بقوة لمواجهة مثل هذا الموقف لو حدث بحيث لا تسمح بوجوده أو على الأقل اتساع رقعته. 

وهذا في ذاته كلام نظري؛ لأن أجهزة التفتيش والمراقبة بفرض سلامتها وإفلاتها من حالة الفساد التي عمت معظم الأجهزة في الدولة فيما قبل الثورة، فإن هذه الأجهزة ونتيجة تعطيلها المتعمد عن ممارسة دورها ونشاطها طوال الفترة الماضية تحتاج إلى دورات تدريبية مكثفة؛ حتى تكتسب القدرة على العمل من جديد، وهذا في ذاته يتطلب جهدًا ووقتًا ونفقات. 

وإلى أن يتم ذلك ستكون السوق السوداء قد تخلقت وولدت وشبت عن الطوق، وستجد التمويل اللازم من فئة القادرين على الشراء دون أن يعنيهم من يسحقون من غير القادرين كنتيجة طبيعية لقوى السوق الفاعلة على الأرض، فماذا تفعل الحكومة إذن لمواجهة هذه النتيجة السوداوية التي تتخلق نتيجة التسعير الجبري؟ لست خبيرًا اقتصاديا؛ كي أشخص الداء وأصف له الدواء، ولكني أتكلم باعتباري أحد المتضررين بعنف من تشخيص من يشخص. 

وأعتقد أننا طالما اعتمدنا نظام الاقتصاد الرأسمالي نظامًا اقتصاديا لنا فلا بد أن نتعامل معه بآلياته لا بآليات نظام غيره، فالنظام الرأسمالي نظام حر يخضع لقوى السوق وآلياته، وهناك آليات لمواجهة الأمراض الاقتصادية من تضخم وانكماش، فالتضخم معناه أن النقود العاملة في السوق زائدة عن الحد، فالمعروض من البضاعة أقل من المطلوب أو بعبارة أخرى الطلب أكثر من العرض، وهنا يتدخل البنك المركزي باستخدام آلية سعر الفائدة ـ بزيادة سعر الفائدة للمدخرات ـ بسحب النقود من الأسواق، وبالتالي تزيد معدلات الإدخار، وتتوفر أموال للاستثمار وتدور عجلة الإنتاج، ويزيد المعروض عن المطلوب فتنخفض الأسعار، ذلك كله مع فرض ثبات العوامل الأخرى. 

أو أن تقوم الدولة باستثمارات في مجال السلع الضرورية التي نحتاج إلى تخفيض أسعارها بحيث توفر هذه السلع في الأسواق بالكمية المناسبة ولو بسعر التكلفة، وذلك باستخدام أموال المساعدات العربية، فيحدث التوازن النسبي بين المطلوب والمعروض بما يؤدي إلى تخفيض مستوى الأسعار. أما أن تقوم الدولة بالترقيع عن طريق تقديم منح مالية إلى جانب المنح العينية للأسر الأكثر احتياجًاــ 

وهو تعبير فضفاض يفتح أبواب الفساد إلى جانب معاش الضمان الاجتماعي. والقول بإن تحديد الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور سيحل المعضلة الاقتصادية فهو كلام من لا يرغب في العمل عجزًا أو تهاونًا؛ لأن مشكلة الأجور في مصر هي مشكلة هيكلية في الأساس شأنها في ذلك شأن الاقتصاد. ونقول للحكومة: لقد ذهبت السكرة وجاءت الفكرة فشمري عن ساعدك بالخطط والسياسات لا بالترقيع ونثر الفتات حتى يشفى الاقتصاد المصري من أوجاعه، والسياسة هي قاطرة الاقتصاد فإن صلحت صلح الاقتصاد، وإن فسدت فسد الاقتصاد.