الأحد 5 يوليه 2020...14 ذو القعدة 1441 الجريدة الورقية

التدخين .. العقوق .. الحرية المالية

صحافة المواطن

أحمد ناصر


"يمكنك أن تعيش فترة شبابك بلا مال، لكن لا يمكنك أن تمضي فترة الشيخوخة بدون مال" تينيسي ويليامز.

أتخيل كيف يكون حال العجائز من الأمة حال اختفى بر الوالدين من مجتمعاتنا؟، فإن الرجل، وكذا زوجته، قد يقضيان حياتهما لتوفير حياة كريمة لأبنائهما غير عابئين لما قد يخبئه لهما الزمن حال شيخوختهما من عقوق الأبناء والأهل والجيران بل والدولة التي قد خدماها أزهي سنوات عمرهما، ليتفاجأ الوالدان بتنصل الجميع منهما وقد صارا كهلين مريضين يحتاجان لمن يمد لهما يد العون.
وإن كان ذاك لمن سار في حياته سويًا لا يهدر ماله ولا ينفقه فيما يضر ولا ينفع، فماذا لو كان ممن يلوثون أرواحهم وأبدانهم بالخبائث من سجائر وماريجوانا ومخدرات وغيرها؟!

ولا يمكن لذي عين تبصر أن يغفل العقوق المتزايد في مجتمعاتنا التي تفخر بكونها إسلامية تلتزم النهج والشرع، وما يعقب العقوق من ضياع لحقوق لكبار السن بل وتمنيهم الموت في بعض الأحيان للحصول على الراحة من آلام الروح والجسد، ربما زرعوا ما يحصدونه من عقوق، لكنهم حقا لا يستحقون الإغفال والإهمال، إنهم بحاجة ماسَّة إلى يد حانية ترعاهم وتهتم لأمرهم ما بقي لهم من سنين قد تعد في أغلب الأحيان على أصابع اليد الواحدة.

وإن المرء يجني ما يزرع في رأسه من أفكار، فالذي أسرف على نفسه إنفاقًا لأجل لذة عابرة تضر ولا تنفع، قد يجني الحرمان طوال شيخوخته، فالمدخنون للسجائر والبانجو والحشيش والمدمنون للمخدرات – وهم بالملايين في مجتمعنا – يهدرون أموالًا لن يدركوا قيمتها حتى تعجز أجسادهم عن اكتسابها ثانية، ولو أنهم أنفقوها في عقولهم أو استثمروها فوفرت للشباب فرص عمل أو طوروا بها حياتهم وحياة من حولهم لأصبح المجتمع على حال أفضل ولحاصرنا الجوع والفقر والجهل من جوانبه، ولتجنب هؤلاء عقوق أبنائهم ومجتمعاتهم ولحصلوا على تقاعد يليق بهم، فماذا لو أخذوا من يومهم لغدهم ومن قوتهم لضعفهم ومن صحتهم لمرضهم ومن بعض مالهم الذي يملكونه اليوم ليؤسسوا لحريتهم المالية؟

بيد أن العادة سيدة الإنسان، وليس يفلت من براثنها غير ذي همة، ولقد رأيت أغلب الناس حولي منزوعي الإرادة، ضعيفي الهمة فيما يحتاج إلى عزم وصبر مما سيجعل حياتهم أجمل وأرقى وأيسر، ولقد تعود هؤلاء على السعادة الموهومة التي تمنحها لهم تلك الخبائث فأصبحوا لا يطيقون عنها بعدا ولا يقدرون على هجرها صبرًا.

ولو قدر لأحد هؤلاء أن يسافر عبر الزمن ليرى كيف قد يئول حاله إذا وهن عظمه وتمكن منه الضعف والشيب ولم يرحمه ولد أو قريب أو مجتمع وأصبح في أمس الحاجة لقرش من آلاف القروش التي ينفقها يوميًا فيما يضره، لدفعه الألم الذي حتمًا سيراه إن لم يرتدع إلى كسر نمط العادة والتسامي فوق الرغبات المحرمة، ولأقلع لفوره عن تلك الخبائث ولجمع القرش فوق القرش والدرهم فوق الدرهم ليبني منها إمبراطورية حريته المالية التي تجعله في وقت ضعفه وشيبته في غير حاجة إلى ولد أو قريب أو مجتمع.

لكن ماذا تعني الحرية المالية؟
إن الحرية المالية في أبسط معانيها هي أن يكون لدى المرء مجموعة من الأصول المالية – الاستثمارات والمشروعات صغيرة كانت أو ضخمة – تدر عليه دخلًا شهريًا يبقى على نمط حياته الذي يعيشه حال عمله وذلك دون الاضطرار للعمل حتى مع القدرة عليه.
وللتوضيح أكثر، فإذا تقاضى أحدهم حال عمله خمسة آلاف جنيه تجعله يعيش نمط حياة معينة توفره تلك الآلاف، فإنه من المفترض أن يكون لديه مجموعه من الاستثمارات – حال كبرت سنه – تزوده بتلك الخمسة آلاف دون الحاجة إلى أن يعمل بنفسه ليتحصل عليها أو ينتظر من يمنحه إياها وإن كان أحد أبنائه، وإنما تدرها عليه مشروعاته التي بناها حال شبابه وقوته كأرباح شهرية.

وقتها لن يحتاج لرحمة المجتمع الذي لم يعد يدرك معنى الرحمة، ولا لشفقة ولد أو قريب بشيبته، بالإضافة إلى أنه يسهم في تطوير المجتمع من خلال مشروعاته تلك، وذلك مما يحسن صورته الذاتية أمام ذاته فيحفظ فخره بذاته التي بنى مجدها على مدار حياته حتى يلقى ربه.
الأمثلة والنماذج التي استطاعت أن تدخر ما لا يقل عن 10% من دخلها الشهري ولفترة زمنية طويلة، ثم استثمروها في مشروعات تدر ربحًا بمتوسط 20-30% سنويًا مستفيدين من خاصية الربح المركب، قد تمكنوا من تحقيق حريتهم المالية.

بل دعني أقول إن الذي سيتوقف عن التدخين والإدمان الذي يستهلك في أيامنا هذه، على أقل تقدير، ما لا يقل عن 25% من الدخل الشهري للطبقات الفقيرة وهي الغالب الأعم من الشعب، لهو أجدر أن يحقق حريته المالية في غضون عشر سنوات على الأكثر، المهم في الأمر أن ينفذ المرء ببصره إلى مستقبله الخاص ليفعل في حاضره ما يشكر نفسه في مستقبله لأنه فعله، وإن الذي يتخاذل عن فعل ما لابد منه لسوف يجني الحسرة والندامة في وقت لا ينفعه فيه إلا ما قدم.

إن الفقر البادي على أمتنا، هو في المقام الأول في نظري فقر ترتيب للأولويات وفقر أفكار وطموحات، ولا أغفل الفقر الذي يتعرض له المواطن، فالذي ينفق ماله ليقتل به نفسه بشراء تلك الخبائث فإنه يضعها على قمة هرم أولوياته قبل نفسه وأولاده وزوجه وأبويه، بل والمجتمع، وغالبًا ما تجد ذلك المدمن أو المدخن متذمرا من حياته التي حُق لها أن تتذمر منه، فليس العيب في الحياة بل العيب والخلل في أفكارنا وأولوياتنا.

وهذه همسة حب مني في نفس كل مسرف على نفسه في هذا الأمر.
ألا عد فالحياة حياتك، والنقود نقودك، والصحة صحتك، والأهل أهلك، ادخر الآن لتسعد في الغد، استثمر ما تدخره حينما تقلع عن تلك الخبائث لتتحرر في شيخوختك ولتكفي نفسك ذل الحاجة ومُرَّ العقوق.