الإثنين 10 أغسطس 2020...20 ذو الحجة 1441 الجريدة الورقية

أنا أفكر.. إذًا أنا مسجون!

صحافة المواطن
صورة تعبيرية

محمد محمود ثابت


جورج أوريل في رواية «1984»، ابتكر مصطلحا اسمه «الجريمة الفكرية»؛ أي أن الفكر يصبح جريمة يعاقب عليها القانون والمجتمع، قال: «جريمة تؤدي إلى الموت، بل إنها الموت نفسه» هذا ما قاله أورويل، وحدث مع أعتى عقول، تصدت ووقفت بجرأة وعزة أمام الجماعات الدينية؛ أربكتهم، سبّبت لهم صدمة، وكان صوت هذه العقول أعلى من صوت الرصاص، وأقوى من قضبان السجون؛ حفروا اسمهم في تاريخ الأمة، بينما لم ينتبه التاريخ لمن رفعوا لهم الخناجر والسيوف وكفّروهم.
اضافة اعلان

الآن، لن يذكر التاريخ اسم هذا القاضي الذي حكم بحبس إسلام بحيري، ولن ينتبه له، سيكتب التاريخ، أن هناك شابًا اسمه إسلام بحيري، سجنوه لأنه فكر، لأنه تجرأ وقال «لا للأصنام»، لأنه بحث واجتهد، فأصاب وأخطأ، والطبيعى أن يخطئ الإنسان الحر، أما الجبناء والمترددون، لا يخطئون، لأنهم يحسبونها ويعقلونها وينتظرون الثمن، بينما لا يحسبها الحر ولا يعقلها، ولا يلتفت إلى التخويف والترهيب والأصوات النائمة على بطنها، وفوقها عقول أخرى تقودها وتوجهها.

كل جريمة إسلام بحيري، أنه قال للمسلمين إن نبيكم ليس سفاحًا ولا ظالمًا، ولا نكح الموتى ولا النساء الصغيرات، قال لهم إن هناك كتبًا تقدسوها.. تصوّر نبيكم بأنه كان شهوانيًا و«صاحب مزاج»!، قال لهم إن بعض الٔائمة فرّقوا الأمة، وكفّروا بعضهم، وشرّعوا للقتل والاغتصاب، فقالوا له: «أنت كافر يا إسلام، أنت جاهل وزنديق، نحن أعطينا هؤلاء الٔائمة شيكًا على بياض، ولن نقول لهم إلا آمين»! هذه كل جريمته، أنه حاول أن يزيح القبح، ويستدعى العقل، فاستدعوه إلى المحكمة، وحاكموه، وقالوا له: «أنت تفكر.. إذن أنت مسجون»!.

هؤلاء الذين لا يقبلون الاختلاف، يجب أن نخاف منهم، ونكرههم، يجب أن نخاف من كل صوت يقول: «امنعوا هذا من الكتابة.. امنعوا هذا من الكلام»، لأنه لا يمكن أن يكون هناك صوتًا ورأيًا واحدًا، فالرأى لا يكون قويًا إلا بوجود آراء أخرى، أما أن تعلو وجهة نظر واحدة، لا تقبل النقاش، فهذا قمع وإرهاب للفكر أو إرهاب بلا فكر!.

نحن الآن يجب أن نتلمس القيود في أيدينا وفى أرجلنا وفى أفكارنا؛ لأننا لا ننعم بالحرية كما نتوّهم؛ هناك من يُصادر الفكر والرأى ويكمم الأفواه، هناك من يقف بالعصا ويرهب العقول، علينا أن نعيد النظر، لسنا أحرارًا كما نظن، وربما يكون إسلام ومن مثله أكثر حرية منا وراء القضبان، لأنهم قالوا وصرخوا ودفعوا الثمن، أما نحن، لا نقول ولا نهمس، نكتفى بالفُرجة؛ خائفون، مترددون، والمترددون لا يدخلون جنة ولا نارًا!