الجمعة 27 نوفمبر 2020...12 ربيع الثاني 1442 الجريدة الورقية

رسائل موجعة من ألمانيا إلى من يهمه الأمر في بلد الياسمين

خارج الحدود

DEUTSCHE WELLE


رسائل مؤثرة وأخرى موجعة من ألمانيا إلى بلد الياسمين..بعد عام على اعتداء برلين الإرهابي، ترتفع صرخات أمهات لم يطفئ الزمن لوعتهن..وشباب تونسي يبعث برسالة موجعة وغير تقليدية إلى طبقته السياسية.

جراح الاعتداء الإرهابي الذي نفذه التونسي أنيس العامري في ساحة ببرلين، لم تندمل بعد..من يستمع إلى رسالة فريدريكا أم أحد ضحايا الاعتداء، عبر القناة الثانية الألمانية ZDF يشعر بأن الأم المكلومة ما تزال تصارع من أجل أن تطفئ لوعتها، وهاهي تمد يدها إلى والدة قاتل ابنها عسى أن تجد ضالتها في اللقاء معها.

بينما أنحت والدة لوكاس سائق الشاحنة التي سرقها العامري ونفذ بها إعتداءه، باللائمة على السياسيين في برلين. البولندية السيدة جانينا أوربان هاجمت بملء حنجرتها المستشارة أنجيلا ميركل واتهمتها بالمسئولية المباشرة عن سقوط إبنها في الاعتداء دهسا بشاحنة على سوق لعيد الميلاد، لا بل إنها اعتبرت أن "يدي ميركل ملطختان بدم إبنها".

وبعيدا عن ساحة برايتشايد البرلينية التي تجري فيها اليوم الثلاثاء مراسم تكريم لأرواح ضحايا الاعتداء الاثنى عشرة الذين قتلوا والعشرات الذين أصيبوا، هناك في مدينة الوسلاتية(وسط تونس) ما تزال أسرة أنيس العامري تعيش غصة الحادثة التي غيرت مجرى حياة الأسرة التونسية البسيطة، كما تؤكد نورالهدى(نورة) والدة أنيس في مقابلة مع DW عربية. ولأنها ما تزال تبحث عن شيء ما يطفئ لوعتها، فهي بدورها تمد يدها إلى أمهات ضحايا الاعتداء الذي نفذه ابنها، وتتمنى لقاء السيدة فريدريكا "في أي مكان" -كما تقول- ألمانيا أو تونس، المهم اللقاء والتصافح لأنها"أم تشعر بما تشعر أم فقدت فلذة كبدها".

هل اندملت جراح اعتداء برلين؟
مشاعر الأمهات ورسائلهن المحملة بالتضامن والرغبة في تجاوز الألم العميق، ورغم بلاغتها في تجسيد الأبعاد الإنسانية التي تتسم بها أوضاع الأشخاص المعنيين بشكل مباشر بالحادث سواء كانوا من أسر الضحايا أو أسرة المعتدي، تبدو كشجرة تغطي وراءها غابة كثيفة من المشكلات والأسئلة التي لم تتوقف منذ عام..حيث بدأت بمسلسل التحقيقات الأمنية والقضائية في ألمانيا والتي لم تكتمل حلقاتها إلى اليوم بل تنكشف في كل مرة حلقة جديدة تسلط الضوء على ثغرة أمنية أو استخباراتية أو إدارية في منظومة القوانين والمؤسسات الألمانية الغارقة حتى العنق في ملفات اللاجئين.

والآن باتت أصوات أسر الضحايا ترتفع وطالت المستشارة ميركل التي تحاول تهدئة الغضب بتعهدات جديدة ببذل أقصى الجهود من أجل تقديم المساعدة لأسر الضحايا.

وبخلاف الأجواء في الأسابيع وحتى الأشهر التي أعقبت حادثة الاعتداء، خفت حدة الانتقادات الموجهة لتونس من قبل وسائل الإعلام الألمانية..قبل يومين من الذكرى الأولى للحادثة تداولت وسائل الإعلام الألمانية خبر تقديم مساعدات ألمانية جديدة لتونس بقيمة 34 مليون يورو لتأمين حدودها مع ليبيا، وتتضمن تزويد تونس بأنظمة رادار متحركة وكاميرات واسعة المجال وأجهزة مراقبة إلكترونية، وذلك لوقف تهريب أسلحة وإرهابيين إليها من ليبيا.

كما يشكل حضور السفير التونسي أحمد شفرة في مراسم تخليد أرواح الضحايا التي أقيمت الثلاثاء في برلين، إشارة على أن الجانبين الألماني والتونسي قد طويا التجاذبات حول ملف الحادثة..

فقد سرت خلال عام مرير مياه تحت الجسر بين البلدين، تبادلت فيها المستشارة ميركل ورئيس الوزراء يوسف الشاهد الزيارات، وتم تفكيك بعض الملفات وخصوصا منها المتعلقة بالهجرة غير الشرعية وإحكام تنسيق التعاون في المسائل المتصلة بالعناصر المشتبهة بالإرهاب.

ورغم حدة الانتقادات التي وجهتها وسائل الإعلام الألمانية لما اعتبرته "تقصيرا تونسيا" في قضية العامري، إلا أن برلين بعثت برسائل دعم متواصل للديمقراطية الناشئة في تونس وإقتصادها الضعيف، وحتى السياح الألمان بدءوا في العودة إلى تونس التي يحلو لهم تسميتها بــ"جنة الألمان السياحية"، اذ سجل المكتب الوطني التونسي للسياحة أن معدل عودة السياح الألمان خلال هذا العام بلغت نسبة 42 في المائة مقارنة بعام 2016، وهي نسبة قياسية منذ أحداث الثورة سنة 2011.

نصف الكأس الأخرى
وإذا كانت مؤشرات التحسن في أجواء العلاقات بين ألمانيا وتونس قائمة، فإنها سيكون من باب المغالطة إغفال النصف الآخر من الكأس، وخصوصا ما يتعلق منها بنظرة الألمان إلى تونس.

حادثة اعتداء برلين، لم تندمل بعد في مشاعر ووعي الألمان، ومن يرصد النقاشات التي شهدتها الانتخابات الأخيرة يسجل إلى أي حد شكلت قضايا الهجرة والأمن عبئا على المستشارة ميركل وأحزاب الائتلاف الحكومي، التي خرجت بخسائر انتخابية فادحة، ما تزال لحد الآن بعد ثلاثة أشهر من الاقتراع، تكابد لتخفيف خسائرها..

وتحت وطأة الخوف من الإرهاب والقلق من مشكلات انتشار الجريمة والاعتداءات المختلفة المرتبطة باللاجئين أو المهاجرين غير الشرعيين، باتت نظرة فئات مؤثرة في المجتمع الألماني تتسم على الأقل بالمزيد من الحذر عندما يتعلق الأمر بالحديث عن دعم التنمية والديمقراطية في تونس.

خلال لقاء جمع أكاديميين ونشطاء من المجتمع المدني، تونسيين وألمان، بمدينة كولونيا الأسبوع الماضي، رأى عدد منهم أن الديمقراطية الناشئة في تونس تواجهها تحديات جمة، وفي مقدمتها الفجوة الكبيرة بين انتظارات الشباب وبين أولويات الطبقة السياسية، كما تقول البروفيسورة زابينه دامير غايلزدورف رئيسة قسم الدراسات الشرقية بكلية الفلسفة في جامعة كولونيا. ولا تنحصر الفجوة في مستوى التصورات والأفكار بل في المسافة التي تتسع بين الشباب ومؤسسات الدولة وخصوصا المنتخبة ديمقراطيا.

ومن جهته يعتقد الدكتور عبد اللطيف الحناشي أستاذ تاريخ الفكر السياسي المعاصر بجامعة منوبة في تونس، أن الانتقال الديمقراطي في تونس تحاصره المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في مقدمتها بطالة الشباب وتفشي الفساد وانتشار الجريمة والعنف والإرهاب، إضافة إلى معظلة هيمنة الشيوخ على القيادة وضعف ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب التي يفترض أن تكون أداة فعالة في النظام الديمقراطي.

رسائل موجعة من ألمانيا

وبسبب ضعف أداء الطبقة السياسية، فان الديمقراطية الناشئة في تونس تفتقد بوصلة توجهها نحو "مشروع وطني كبير"تتحقق في ظله إصلاحات كبيرة للتعليم والثقافة والاقتصاد، كما يقول الدكتور الحناشي.

ومن المفارقات أن ألمانيا البلد الذي يتصدر الدول الأوروبية الداعمة لتونس الجديدة، تعرض في مثل هذا اليوم من العام الماضي لضربة إرهابية على إحدى معالمه الرمزية جدا: سوق عيد الميلاد بأشهر كنيسة في العاصمة برلين، وبدل أن يعمل الساسة التونسيون على التأكيد على أن مرتكب الاعتداء هو من إنتاج ما تفرخه بعض السجون الأوروبية(إيطاليا) من ضروب الجريمة والتطرف، وبأن يُظهروا عنايتهم بمشكلات المهاجرين التونسيين وأبنائهم في ألمانيا، فقد أخفقوا (الساسة التونسيون)مرة أخرى في الامتحان.

وليس أبلغ في التعبير عن هذه الخيبة من نتائج الانتخابات الجزئية حول مقعد ألمانيا بمجلس نواب الشعب التونسي التي أعلنت يوم 17 ديسمبر الحالي، حيث لم يتجاوز معدل المشاركة فيها 5 في المائة من مجموع الناخبين المسجلين بألمانيا.

ومُني حزب نداء تونس الحاكم بهزيمة مدوية، وحتى الفائز بالمقعد لم يكن ممن يقيمون في ألمانيا، بل هو المدون الإسلامي ياسين العياري المقيم بفرنسا، تمكن من الفوز إعتمادا على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تتجاوز نسبة الأصوات التي أوصلته إلى قبة البرلمان التونسي، 1(واحد) في المائة!

ففي ذكرى مرور سبع سنوات على شرارة الثورة التونسية التي أشعلها البائع المتجول محمد البوعزيزي من سيدي بوزيد، في 17 ديسمبر، وجه الشباب التونسي رسالة موجعة جديدة للطبقة السياسية التونسية وهذه المرة من ألمانيا، وليس حتى من مناطق تونسية مهمشة مثل سيدي بوزيد والقصرين وقفصة وجندوبة وأحزمة الفقر التي تحيط بالعاصمة وكبريات المدن، تلك المناطق والبلدات والأحياء التي يطفح اليوم الكيل بشبابها الذي بدأ حلمه بكسر أغلاله من نظام الاستبداد والفساد.

هذا المحتوى من موقع دوتش فيل اضغط هنا لعرض الموضوع بالكاملاضافة اعلان