الجمعة 18 سبتمبر 2020...1 صفر 1442 الجريدة الورقية

دول الخليج تبتلع «مرارة» ترامب في سبيل استقرارها

خارج الحدود

DEUTSCHE WELLE


تصريحات متضاربة ولهفة لجمع المال ظلت أهم سمات سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حيال دول الخليج، فتاجر العقارات ضعيف الخبرة السياسية لم يرً في دور بلاده في المنطقة أكثر من جامع للمال في مقابل خدمات سياسية وعسكرية.

منذ سنوات بعيدة وحتى اليوم لم تتغير نظرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للخليج. فهو طالما رآها مجموعة من الدول تحوز قدرًا هائلًا من الثروة النفطية، وأن عليها أن تدفع مقابلا "لخدمات" الولايات المتحدة في حفظ أمن واستقرار هذه المنطقة.

اقرأ أيضًا: "ادفع لتبقى" – جنود ترامب مقابل أموال الخليج؟

في أحد اللقاءات السابقة طالب ترامب بالحصول على حصة ضخمة من بترول العراق في مقابل العملية الأمريكية التي أدت للإطاحة بنظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، لتتعدد التصريحات من هذا النوع لاحقًا:

كان آخر هذه التصريحات ما قاله من أن "الدول الخليجية لم تكن لتكون غنية لولا حماية الولايات المتحدة، ولا يمكن لنا أن نستمر في دفع التكلفة المرتفعة لتواجدنا العسكري في المنطقة"، وأن أمريكا دفعت أكثر من 7 تريليونات دولار، ولم تحصل على أي مقابل، مضيفًا أن "الدول الغنية جدًا في المنطقة ستدفع المزيد من الأموال في سوريا، ولن نستمر في الدفع".

وعقب جولته الخليجية عاد وغرد بشكل واضح وصريح حول الهدف من هذه الزيارة:

"أعدت مئات المليارات من الدولارات من الشرق الأوسط إلى أمريكا ما يعني وظائف وظائف وظائف".

رد الفعل الخليجي: غاب الرسمي وحضر الشعبي

لكن وعلى الجانب الآخر، كيف كان تعامل دول الخليج مع سياسة الولايات المتحدة الجديدة والتي لا تراها أكثر من أبار بترول وزكائب أموال؟ صمتت الدوائر الرسمية في دول الخليج على ما اعتبره البعض "إهانة صريحة" لها، فيما تركت رد الفعل لمثقفين عربًا وكأنها تخشى إغضاب ترامب من الرد على تصريحاته ورؤيته لدول المنطقة:

وفي هذا السياق يقول الدكتور غسان العطية رئيسُ المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية (مقره لندن) في مقابلة مع DW عربية: "للأسف دول الخليج توقن تمامًا بصحة تصريحات ترامب وتعلم أن استقرارها رهين برضا واشنطن عنها كما كانت بريطانيا في السابق والتي ساعدت على قيام واستقرار هذه الدول وحمايتها لفترة"، مؤكدًا على أن الدولة الوحيدة التي ابتعدت عن هذا الإطار هي سلطنة عمان التي "استطاعت أن تنأى بنفسها عن الصراعات العربية-العربية والعربية-الإيرانية والأمريكية-الإيرانية واستقرار عمان هو أكبر دليل على صحة هذه السياسة".

السياسة الأمريكية الجديدة في المنطقة: المال أولًا
كانت السياسة الأمريكية قبل ترامب وفيما يتعلق بدول الخليج أشبه بدور إطفائي الحرائق، فاستقرار المنطقة كان دومًا على أولويات أجندة السياسة الخارجية الأمريكية، يشمل ذلك استقرار العلاقات بين هذه الدول، بجانب مظلة الحماية من "التهديد الإيراني".

على أنه ومع تولي ترامب ذو العقلية التجارية المحضة وصاحب الخبرة المنعدمة في السياسة الدولية تغيرت الأمور بشكل جذري، وأصبحت سياسة واشنطن فيما يتعلق بالخليج هو تحصيل أكبر قدر ممكن من الأموال كنوع من التعويض الذي يراه ترامب واجبًا لتصحيح "أخطاء" رؤساء أمريكا السابقين، الذي يرى أنهم أهدروا الكثير من الأموال لاستقرار عروش ممالك وإمارات الخليج دون فائدة "مادية" تذكر يمكن أن تعود على الولايات المتحدة.

وتبدو نتائج السياسات الأمريكية الجديدة في المنطقة شديدة الوضوح للعيان، فبدلًا من أن تقوم الولايات المتحدة بحل الأزمة الخليجية لعب ترامب على كافة الحبال وأوهم كل طرف بأنه يقف إلى جانبه بحسب ما يرى الدكتور غسان العطية الخبير السياسي لــ DW عربية، فتارة يتهم ترامب قطر بمساندة الإرهاب ويشيد بدور الإمارات والسعودية في مكافحته، ثم يلتقي أمير قطر فيشيد بمواقف الدوحة من محاربة الإرهاب، ومن ثم فهو يستميل كل طرف ليحصل منه على أكبر قدر من المكاسب، الأمر الذي تسبب في إطالة أمد الأزمة وازدياد تداعياتها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

كل يغني على ليلاه
في أول رد فعل على تصريحات ترامب الأخيرة، وبدلًا من يظهر بعض الغضب من تصريحات ترامب، قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إنه "يجب على قطر أن تدفع ثمن وجود القوات العسكرية الأمريكية في سوريا"، محولًا تصريحات الرئيس الأمريكي في اتجاه آخر تمامًا، فلماذا أخذ كل طرف السياسة الأمريكية الجديدة وكأنها تدافع عنه هو فقط ولسان حال كل طرف: لست أنا المعني بهذا الأمر وإنما الآخر؟

يقول الدكتور غسان العطية الخبير السياسي إن هذا التشظي في مواقف الدول الخليجية وصراعها الذي لا يبدو له أفق قريب للحل ساهم أكثر في إضعاف الجميع وهو ما أثر بشدة على لحمة دول الخليج والتي هي "للأسف رهينة القرار الأمريكي والذين بانقسامهم وخلافاتهم سمحوا لواشنطن باستغلالهم وبشدة، بل إن بعض هذه الدول توجهت إلى إسرائيل لتستقوي بها على الدول الأخرى لكسب أمريكا، ما سمح لترامب باستنزاف هذه الدول وزاد من صعوبة الوصول إلى حل للأزمة الخليجية".

ويضيف العطية أن "هذا الفشل السياسي لدول الخليج والانقسامات الخليجية-الخليجية كل هذا سيؤدي إلى فتح المجال للتطرف في المنطقة كما يدفع بدول الخليج إلى مزيد من التبعية لدول الجوار والدول الكبرى، وكل هذا يسمح بوجود بيئة صالحة لعودة التطرف في البلاد العربية".

مستقبل غير مبشر
يرى الدكتور غسان العطية رئيسُ المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية أنه "مع تسابق دول الخليج لعقد صفقات سلاح بمبالغ ضخمة مع الولايات المتحدة لضمان دعمها في مقابل الدول الخليجية الأخرى، إضافة إلى وضع الدول العربية التي كان يعول عليها سابقًا وأصبحت دولًا عرجاء واستغلال ترامب لهذا الوضع في ظل تهميش مؤسسات أمريكية عريقة كوزارة الخارجية والقرار السياسي الأمريكي الذي أصبح مصدر التعرف عليه تغريدات الرئيس الأمريكي، كل هذا لا يبشر أبدًا بأي حل على المدى القريب لأزمات المنطقة".

ويضيف العطية قائلا:"السياسة قصيرة النظر التي اعتمدها ترامب للحصول على أموال من الخليج ونسفه لما استقرت عليه السياسة الأمريكية سواء في المنطقة أو حتى على مستوى المعاهدات الدولية سيكون لها تبعات شديدة السلبية على المدى المتوسط والطويل وسيضع السياسة الأمريكية ككل موضع الشك وخصوصًا من حلفاء أمريكا التقليديين"، مختتمًا حديثه بالقول: "للأسف فإن هذا العقد وربما الذي يليه سيشهدان المزيد من غياب الرقم العربي من المعادلة لصالح دول الجوار تركيا وإيران، وبالتالي فهذه المنطقة سوف لن تشهد استقرارًا لسنوات إن لم تكن عقود".

اضافة اعلان
هذا المحتوى من موقع دوتش فيل اضغط هنا لعرض الموضوع بالكامل