الإثنين 13 يوليه 2020...22 ذو القعدة 1441 الجريدة الورقية

التعايش مع الإلحاد.. التيارات التقدمية.. كل يغني على ليلاه.. توصيف الملحدين بالمرضى النفسيين "مشكلة".. والنقاش الأهم

ملفات وحوارات 19_2019-636857396050169297-16

أحمد فوزى سالم

دائما ما ينظر إلى الإلحاد من وجهة نظر الأديان وخاصة "الإبراهيمية" من وجهة نظر دينية ونفسية ‏واجتماعية، وغالبا لا تناقش وسائل الإعلام في البلدان الإسلامية ظاهرة الإلحاد التي تزايدت بشدة خلال ‏السنوات الماضية إلا من خلال مجموعة من الخطباء والمشايخ المتخصصين في الشريعة الإسلامية.

 

‏ولكن ليس مألوفًا التعامل مع الإلحاد باعتباره موضوعًا للتفكير والنقاش ‏في اللغة العربية يُعرف بالإلحاد، الشخص الذي حاد عن الحق وطعن فيه، وأشرك بالله، وهو بالتأكيد ‏تعريف قديم وله دلالات أنشأها المؤمنون للحكم على الذين أنكروا الإله ورفضوا التسليم بالحاكمية.

 

الإلحاد واللادينية

 

ولكن ‏مع تطور الحياة والحداثة والعصرنة، لم يتطور المصطلح ولا التعريفات اللغوية له، ولهذا غالبا لا يفرق علماء الدين بين "الإلحاد" و"اللادينية" على سبيل المثال، مع أن هنين الموقفين ‏مختلفان، فالإلحاد هو إنكار قطعي للألوهية في حين أن اللادينية تعني ببساطة أن غير المتدين لا يزال ‏حائرا، ولا يملك إجابة نهائية حول ما تطرحه الأديان من عقائد وشرائع.

 

ولهذا يترك عقله للبحث عن ‏إجابة لما يطرحه على نفسه وعلى غيره من أسئلة دون أن يصل إلى حل، وفي الواقع الحديث، أصبح من الصعب فهم موضوع الإلحاد دون رؤية علمية موضوعية، وليس من ‏خلال الرؤى الدينية فقط، حتى لا يصبح الحل قائمًا على تجهيل المجتمع وتجنيده وتعبئته ضد مظاهر ‏الاختلاف.

 

وينعكس ذلك على زيادة الظاهرة وليس العكس كما هو الحال الآن، وانصرف الشباب أكثر إلى البحث بأنفسهم بعيدا عن حصرهم من المشايخ والإسلاميين في ‏زاوية الارتباك الديني والاضطراب النفسي والاجتماعي، والحكم على أفكارهم من خلال العاطفة الدينية ‏التي تُغيب التفكير والبحث العلمي الرصين من وجهة نظرهم. ‏

 

الإلحاد قديمًا


البحث في تاريخ الظاهرة، يجعلنا ندرك أن الإلحاد دائما كان متواجدًا بجانب الإيمان منذ العصور القديمة، ‏ما يعني أنه سيبقى إلى الأبد في المجتمعات البشرية بحسب أحمد عَصيد الكاتب والشاعر والناشط ‏الحقوقي المغربي.

 

ويرى عصيد أنها ظاهرة تزداد أكثر بين فئة القراء والمتعطشين إلى المعرفة التي ‏تحركهم وتدفعهم إلى السؤال الدائم الذي قد ينتهي بالبعض إلى "الإلحاد" على حد قوله.

 

ويعتبر عصيد أن الطريقة التي تناقش بها المؤتمرات الإسلامية ظاهرة الإلحاد، لا تخرج عن توصيات تبرز ‏قناعتين، الأولى هي أن الملحدين لا يعرفون شيئًا عن الدين، ولو علموا لكانوا انضموا إلى المؤمنين به، ‏وبالتالي من وجهة نظرهم أن الملحد ضعيف الإيمان، والثانية أن الملحدين يعانون من مشكلات نفسية ‏بسبب عدم اليقين بوجود إله وحياة بعد الموت.

 

ويؤكد الحقوقي المغربي أن هذه الرؤى تمثل حالة من التبسيط السطحي، وهو سبب عدم فهم المشكلة ‏المطروحة أصلا، فالملحدون لا يتجاهلون الدين، بل يتخذون مواقفهم من الإيمان بعد البحث المكثف في ‏الديانات المختلفة، ودراسة نصوصها ومقارنتها.

 

وبالتالي عندما يتم مناقشتهم من وجهة نظر الإسلام فقط فهذا يزيد الأزمة ولا يحلها، خاصة أن الكثيرين ‏من المشايخ والملتزمين الذين يدخلون مثل هذه المناظرات، يغلب عليهم طابع الشعبوية الدينية، ‏ولا يتمتعون بالمعرفة الكافية بالأديان الأخرى، وهذا يتسبب في زيادة قناعة الملحدين بما يعلنونه من ‏أفكار، ويضاعف ثقتهم بالمعرفة التي حصلوها والتي يسعون إلى تحصيلها في نفس السياق.

 

مرضى نفسيين

 

ويكشف الحقوقي المغربي، أن إصرار علماء الدين، والتيارات الدينية على توصيف الملحدين باعتبارهم ‏مرضى نفسيين مردود عليها عند الملحدين أيضا، والذين يرون الفتاوى التي تبعث على الخوف الشديد ‏من عذاب القبر، وتلك التي تحكىّ بالبكاء المرير على المنابر من الرعب الذي ينبغي الخوف منه من مصير ‏الناس بعد الموت إلى حد فقدان النوم بالنسبة للبعض، هو عندهم يمثل نوعًا من الأرق النفسي الذي ينبغي ‏البحث له عن علاج عند الأطباء المتخصصين.

 

ويضيف الباحث: "يرفض الملحدون هذه التصنيفات في التعامل معهم، خاصة أن هناك من يجعل من الدين ‏واحة للإرهاب والتفجير ويرتكب من خلاله كل أنواع الجرائم ضد المخالف له، ولديهم مئات الأمثلة لأناس ‏جعلوا من الدين أحد أسباب إهانة الآخر والحض على قتله وتشويهه".

 

ويرى عصيد أهمية مناقشة الملحد ــ لو هناك ضرورة لذلك ــ بطريقة علمية، فوضعه دائما على ‏‏"شازلونج" الطبيب النفسي، يجعله يلجأ في المقابل إلى المقارنة بين سلوكياته ومعتقداته وسلوك ‏المؤمنين بالله حد التطرف، لدرجة أنهم ينكرون أي مختلف عنهم ويسعون لإيذائه، وهذا له تعريفات ‏كثيرة في الطب النفسي، وبالتالي ستذهب القضية بعيدا عن مسارها الحقيقي.


يتفق إسلام مصطفى، الكاتب والباحث المصري في التراث الإسلامي مع المغربي أحمد عصيد، ويؤكد أن ‏تحليل مشكلة الإلحاد في البلاد العربية تتم دائمًا بعيدًا عن سببها الرئيسي والأساسي، ولذلك تلقى على ‏عاتق الطب النفسي.

 

ويستغرب مصطفى، ويؤكد أنه لم يجد إلى الآن أي كتاب نفسي يتحدث عن الإلحاد كمرض، أو حتى يذكره ‏من الأساس، ويضيف: فيما مضى كان يوصف المتطرف الذي يهاجم كنيسة بأنه مختل عقليًا، ولكن اتضح ‏الآن أن من يقوم بذلك متطرفون في الدين.

 

 

التراث البشري

 

ويعتبر "إسلام" أن مشكلة الإلحاد تكمن فيما أنتجه التراث البشري من نصوص، إما تفسيرية للنص ‏المقدس بعيدة تماما عن روح النص التي تدعو للتسامح والمحبة، أو بسبب بعض الأحكام الفقهية التي ‏تحض على الكراهية والتطرف، أو الأحاديث المنسوبة زورًا للنبي صلى الله عليه وسلم، والتي تخالف القرآن الكريم، أو ما ‏ورد في كتب السير والتراجم من روايات مسيئة للرسول الكريم.

 

ويكمل: مع كل هذا يخرج رجال دين يدافعون تارة عن تلك النصوص، ويعتبرون أن قارئها هو الذي أخطئ ‏الفهم، وأحيانا ينكرون وجودها أصلا ويمارسون نوعا من التضليل للعامة، لذا لا يجد البعض مفرًا من ترك ‏الدين برمته، ولا يعترف بوجود إله خالق عظيم للكون، ويمكن القول إن قضية الإلحاد تطرح تساؤلات قوية في البحث عن معنى الدولة المدنية الحديثة، وما هي ‏أساسها وأركانها بعدما تجاهلت هذه الأسئلة أغلب القوى السياسية بعد اندلاع ثورة 25 يناير.

 

وانتهى ‏الأمر إلى صراع غير مسبوق، حسمه الجيش والرئيس السيسي نزولا على رغبة الإرادة الشعبية في 30 ‏يونيو 2013، ولهذا تتشدد الآن بعض التيارات الفكرية والسياسية التقدمية التي انتشرت بشدة خلال السنوات الماضية، ‏في رفض هذه المناقشات بالأساس، ويطالبون في المقابل ببناء دولة عصرية تقف على الحياد بين جميع ‏الأطياف والقناعات.

 

ومن وجهة نظر هذه التيارات، لا يتعلق الأمن والاستقرار والرفاهية في المجتمعات بالإيمان والإلحاد، ‏فالعقائد الشخصية لسنا بحاجة إلى أي نقاش فيها، ويكفي أن يحترم كل منا الآخر في اختياراته، وما ‏يستحق أن يثار بالفعل في الواقع، هو الأسئلة التي تتعلق بالسلطة والنظام العام وتقاليد المجتمع، والبحث ‏الجاد عن حلول لمشاكلنا وصراعاتنا في الحياة الاجتماعية والسياسية وليس الأديان والمعتقدات.

 

وترى التيارات السياسية والفكرية التقدمية، أن موجة الإلحاد الحالية لا تهدد مصالح أحد، بل الظاهرة التي ‏ستهدد الناس وحرياتهم والأوطان أصلا، هي محاولة البعض لفرض وصاية دينية على المجتمع والدولة، ‏وبهذه الطريقة تتحول العقيدة الدينية ــ التي أصبحت في الدول الحديثة "قضية شخصية" ــ سوط مفزع ‏للحفاظ على النظام العام ومراقبته والسيطرة عليه، بما سيعيدنا في النهاية إلى حكم الإسلاميين ‏بالمستقبل، ولما لا، والمجتمع يتم تأهيله دائما، للتمسك بالوصاية الدينية عليه، والحجر على العقول ‏بداعي الإلحاد.

 

نقلًا عن العدد الورقي...