الثلاثاء 11 أغسطس 2020...21 ذو الحجة 1441 الجريدة الورقية

24 عاما يبحث عن أهله.. رحلة محمود من دار الأيتام إلى عذاب فقدان الأسرة

أخبار مصر

أحمد صلاح


«الإنسان اجتماعي بطبعه».. حقيقة ثابتة أرخها ابن خلدون في إحدى مقدماته.. فلا أحد منا يقدر على المضي قدما في حياته دون الآخرين.. يلجأ أحدنا إلى الآخر طلبا للمساعدة.. ينشد شخصا من غيره تقديم النصيحة أو مد يد العون.. دائما ما كانت الأسرة هي خير معين وأقرب متكأ يصبو إليه الشخص مهرولا حين تضيق به السبل وينهكه السعى.. هي – كما قال أسلافنا - «عزوة وسند».

لا يعرف محمود جذوره أو كيف جاء إلى الحياة، ولماذا تركه أهله، يطرح على نفسه أسئلة كثيرة، هل تركني أهلي؟ هل تم اختطافي منهم؟: «كل اللي أعرفه عن نفسى إنه تم العثور عليا وأنا لسه رضيع عمر أسبوع أو يمكن أكبر حاجة بسيطة، تقريبا بتاريخ 4/1995 وتم تحويلى للدار عن طريق قسم الأزبكية، وده اللى أنا فهمته لأن شهادة ميلادى تابعة لنفس القسم حولونى لدار في المعادى ودى اللى قضيت كل عمرى فيها من وقتها لغاية دلوقتى".


اضافة اعلان

«أنا عندي 24 سنة، عايش حياتي كلها في دار أيتام وبدور على أهلي ونفسي يبقى ليا سند في الدنيا، أنا مسامح أهلي مسامحهم على كل حاجة أنا بس نفسي ألاقي ضهر أتسند عليه وعيلة وأب وأم»، محمود عبد الله شاب عشريني قضى حياته بين جدران أحد دور الأيتام في حي المعادي، مؤخرا بدأ رحلة البحث عن أسرته.

يقول محمود: «لما كبرت ولقيت إن في كتير من الشباب اللى كانوا معايا قدروا يلاقوا أهلهم وعشت معاهم قصص كتير مكنتش أتوقعها ولا أتخيلها، وقتها اترجيت من ربنا إنى أنا كمان ألاقى أهلي، ماهو أكيد أنا كمان ليا أهل الله أعلم ضعت منهم ازاى أو يمكن اتخطفت منهم ويمكن يكونوا عاوزنى زى ما أنا عاوزهم يكونوا سند ليا في الدنيا يهتموا بيا وأهتم بيهم ومكملش بقيه حياتى كده معرفش أنا أصلا مين».

محمود عبدالله، الطالب في السنة الرابعة بكلية الإدارة ونظم المعلومات: «أحاول أن أجد أسرتي، أنا أحتاج إليهم، مررت بتجارب قاسية وبأيام مريرة كنت أحتاج فيها إلى حضن أرتمي فيه وأبكي، أحيانا أصرخ وأحيانا الرضا يتملكني».


التحق محمود بعدد من الوظائف في مراحل الدراسة المختلفة، لا يجد حرجا من العمل وبذل الجهد من أجل الحصول على لقمة عيش حلال، لا ينغص حياته سوى غياب عائلته عنه: «كنا في المرحلة الإعدادية وقتها كان هناك حفلة تخرج للطلبة يحضر فيها ذويهم، كان الجميع يأتي أهله ويصطحبوهم معهم إلا أنا كنت أجلس وحيدا دون مرافق لي، كنت أشعر بحزن شديد وأتساءل لماذا أنا الوحيد الذي لم تأت عائلتي لاصطحابي؟ متى أرى عائلتي في أحد الأيام؟ 

حينها لم يأخذ الأمر حيزا كبيرا في حياته، اعتاد محمود أن يعيش حياته «كتابا مغلقا»، لا يخبر أحدا عن سره الأعظم، خوفا من نظرات السخرية والتنمر من قبل أقرانه: «بعد أن بدأت في الاستقلالية والاعتماد على نفسي والانتقال إلى شقة سكنية بعيدة عن الدار، بدأت أشعر بالوحدة الشديدة، أمضي فترات طويلة حزينا منكفئا على ذاتي أطرح أسئلة كثيرة عن مستقبلي، ماذا يمكن أن يحدث، لو حدث أن مرضت يوما ما، من سيهتم بأمري وهل سأجد هناك من يسأل عني".


لم يعد ارتباطه بالدار مثلما كان، بات الأمر روتينيا بين حين وآخر يذهب لزيارة «أم رشا» إحدى العاملات المسؤولات عنه منذ الصغر، يراها محمود أنها أحن امرأة في العالم، كانت تمثل له مشاعر الأمومة الكاملة، يقول محمود: «منذ أن تفتحت عيناي لم أجد أمامي سوى الدادة أم رشا، أشعر تجاهها بمشاعر رائعة، أتمنى من الله أن يطيل عمرها وأن يرزقها خيرا عما منحته لي من محبة ودفء».

يقف غياب الأهل عائقا أمام محمود في حياته لعل أثره النفسي أكثر من أثره المادي، يشعر دائما بالاحتياج إلى عائلة ينضم إليها في المناسبات، يفكر كثيرا عندما يحين وقت الزواج كيف سيذهب إلى أهل عروسته دون أهله، كيف سيقنعهم أنه لا ذنب له أنه خلق وجد نفسه في دار أيتام.

منذ نحو عام أو أكثر، بدأ محمود في رحلة بحث عن أسرته، شجعه أحد أصدقائه للبحث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كان الأمر يحتاج إلى كثير من الشجاعة، لا يعرف المحيطون به حقيقة كونه من دار أيتام، لا يعرف سره الأعظم الذي تمكن من الاحتفاظ به لسنوات إلا دائرة صغيرة من حوله، أخيرا قرر الإفشاء عن سره، وكتب عبر عدد من المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي: «قبل أن أكتب أهلت نفسي لردود الأفعال الإيجابية والسلبية، وبالفعل وجدت إجابات محترمة وداعمة وأخرى سلبية ومسيئة، لكن الأمر لم ولن يوقفني في البحث عن عائلتي».

يعيش محمود الآن مع أصدقاء له في إحدى الشقق السكنية، في المناسبات يسافر كل طالب منهم إلى عائلته لقضاء أول أيام الشهر الكريم برفقة عائلته ويبقى محمود وحيدا.