الأحد 5 يوليه 2020...14 ذو القعدة 1441 الجريدة الورقية

«فيتو» مع قاهر المستحيل.. حكاية محمد من «المانش» لتكريم الرئيس

أخبار مصر

هبة الله سيد - تصوير: أميرة سيد


ابتسامة حرة تداعب وجوه المارة في موقف "باصات" عبد المنعم رياض، حينما يطل برأسه من نافذة السيارة، تليها نظرة فاحصة على الكيس البلاستيكي الذي يحمله في يده، أخيرًا وجد "البسكوت" المفضل لديه، بصوت غير مفهوم يتلفظ بعبارات ممزوجة بالفرح، ويشرع في الطعام الذي يجعله صامتًا طوال الطريق، تدلف السيارة ناحية طريق النصر، يخرج أخيرًا عن صمته، محدثًا إيانا، "هنلف شمال ونكون عند مدرستي.. مبسوط إن بكرة الخميس علشان حصة التربية القومية"، يترجم والده معظم الكلمات عنه، ما زال الضحك يسيطر على المشهد داخل السيارة.

تقف السيارة بعد نحو ساعة من السير، يشير "محمد" بإصبعه ناحية اليسار قائلًا "بيتنا الجديد هنا"، في الجهة الخلفية لمنطقة المقابر بمدينة نصر، تقع مدرسة السباح المصري "محمد الحسيني" الذي حصد ميداليات ذهبية في إيطاليا، وخاض تجربة عبور بحر المانش سبتمبر الماضي.



التفاتة واحدة تجاه مدرسة الفتى ذو السبعة عشر عامًا، الذي قدر له أن يُولد وفي ملامحه علامات متلازمة "داون"، تؤكد قول الشاعر الفلسطيني "محمود درويش" حينما قال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، على هذه الأرض ما يستحق الأمل، الاستمرار والتأكيد على أن أحدهم كان هنا، صورة تحتل نصف حجم باب مبنى المدرسة الرئيسي، يحتضن فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي محمد، خلال مشاركته في منتدى الشباب الأخير في شرم الشيخ بداية الشهر الحالي، ويهديه درعًا، ليرد الآخر له الهدية مصحفًا.

يهرع محمد إلى الطابق الثاني، تاركًا إيانا نتأمل هذا المكان الذي خرج فيه هذا الطفل، الذي أراد أن يثبت أن "أولاد تسعة" لا يقدر مرض أو عرض على فصلهم الأشبه بـ"الأربارتهيد" أو الفصل العنصري، يصافح مُعلماته وزملاءه، متجهًا إلى فصله الذي تشرف عليه الدكتورة أماني سليم، لا يجد محمد أصدقاءه في الفصل، فيسرع إلى البحث عنهم في حجرة الموسيقى المنزوية في الطابق الأول، "البرنسيس وجو والكينج"، يلتقون محمد بحميمية فُطروا عليها، الكينج يجلس أمام البيانو، يعزف موسيقى أغنية "أهواك" للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، ينصت إليه أصدقاء "داون" باهتمام، وما إن ينتهي من معزوفته، يصفقون إليه، ويسارع محمد نحوه ضامًا إياه إلى صدره.

التشابه الكبير بين ملامحهم، وقلوبهم والابتسامة التي نادرًا ما تفارق وجوههم، تجعل "محمد" يدرك أنه على الرغم من السفر والترحال من دولة لأخرى لسنوات طويلة، فإنه لا يجد ضالته إلا هنا، وكأنه حنين إلى الذات التي قد يكتنفها الاغتراب واللاهوية، لحظة الانفصال عن عالم "جو والكينج والبرنسيس"!



في الحجرة المخصصة للدكتورة أماني سليم، كان لقاؤنا مع محمد الحسيني، وظله الذي لا يفارقه والده، في خلفية الكرسي الخاص بالمشرفة، تجد الصورة ذاتها المثبتة على زجاج مدخل المبنى، فالكل هناك في مدرسة محمد، توقف عندهم التاريخ لحظتها، حينما كرم الرئيس الطالب محمد.

يشرع "محمد" في نثر الميداليات الـ200 التي حصل عليها في بطولات خاضها منذ كان في السنوات الست الأولى من عمره، بكلمات وعبارات تغلفها البهجة، يتفوه "محمد" وهو يضع الميداليات وبجوارها الدروع التي حصل عليها من وزارة الداخلية والرئيس عبد الفتاح السيسي وغيرها، يساعده والده في مشهد لا يكتمل بدونه، فمنذ اللحظات الأولى في عمر محمد كانت يد الأب تضع لمساتها في كل تفصيلة، رغبة في جعله ينخرط في الحياة العادية، معوضة غياب الأم المستمر عنه، تزوغ عيناه ناحية الباب رغبة في الانطلاق إلى عالمه الأثير، تخبره المعلمة أنها حصة العربي، فيُفتر حماسه ويتجه نحو الميداليات ثانية، "أنا مبحبش العربي ده"، ويجلس ثانية.



"أنا اجتهدت واتمرنت كويس وربنا كرمني.. أنا بحب مصر وبعمل كل مجهودي علشان أرفع رأسها.. قعدت أتمرن في البسين كل يوم، لحد ما جه ميعاد البطولة، أخدت مركز أول وتاني"، عبارات في ظاهرها حينما تطلع عليها في إحدى الصحف أو عبر شاشات الحاسوب، تشعر كأنها تخرج من فم شخص طبيعي لا يعاني أي مرض أو متلازمة، حتى إنك قد تنسى ملامح محمد التي يتفرد بها من هم في مثل حالته، وتجد شابًا يافعًا يجلس أمامك، في عينيه تسكن محبة وإخلاص لوطنه، "محمد بيقدس علم مصر"، هكذا لخص الحسيني والد محمد شعور ابنه نحو بلده.

في البداية استجمع والده ذاكرة سبعة عشر عاما، يوم حان موعد الولادة الأولى لزوجته في إحدى الليالي الرمضانية لشتاء الألفية الجديدة، كأي أب شرقي فرح حينما أخبروه أنه أنجب ولدًا، أخذ يحمد الله على كرمه، لتمر عشر دقائق ويخرج الطبيب يخبره أن الولد مريض بمتلازمة "داون"، "يومها-بحسب الوالد- جريت على المسجد بعيط، بس قولت هعمل إيه خلاص دي حكمة ربنا، وإن لم ترضَ بقضائه أخرج من تحت سمائه".



يومها قرر "الحسيني" ألا يستسلم للقدر تمام الاستسلام، "وهو عنده 6 سنين، كان بيلعب ألعاب قوى زي الرمح والجري والجُلة، خليته يروح مع إخوته يتدرب سباحة، تفوق عليهم ودخل مسابقة نظمها نادي الصيد وحصل على الذهبية"، وفي عام 2016 سافر محمد بصحبة فريق ذوي القدرات الخاصة، وحصد في المسابقة دي 3 ميداليات ذهبية وواحدة فضة"، علاوة على خوضه ثلاث بطولات دولية بها 200 لاعب على مستوى روسيا وكندا ودول أوروبا، وحصد ثلاث ميداليات ذهبية، تلاها واقعة "فرد" علم مصر في قناة السويس يوم افتتاحها عام 2015، كان طوله 5 كيلو مترات، في غضون ثلاث ساعات ونصف الساعة، كان العلم قد غطى خليج المياه، وينوي محمد أن يكرر التجربة ذاتها في احتفالية عيد الشرطة المقبلة، بتغطية النيل بعلم مصر.

لم يكن هذا فحسب ما حققه محمد من إنجاز في رياضة السباحة، فقد أثبت للعالم أجمع وليس مصر فقط أنه يتفوق على السباحين الأسوياء الذين نظموا مسابقة منذ شهرين للسباحة لمسافة من 2 إلى 10 كيلو مترات، في حين عبر هو مسافة 16 كيلو متر في بحر المانش في مدة سبع ساعات، وفي ظروف إصابته بتوقف في عضلات قدمه، جراء البرودة الشديدة، فضلًا عن التيارات المعاكسة، استمر في التصدي لها قرابة ساعة، واقفًا في موقعه، مما دفعه للخروج من المسابقة.

 حينما يتحدث محمد عن تجربة عبور المانش، تتسمع الابتسامة ملء شدقيه، يتفاخر بما حققه لمصر ولاسمها في الخارج، مما جعل بعض الدول تعرض على والده أن يحترف لديها ويتجنس بجنسيتها، إلا أنه يرفض ذلك على الرغم من التعنت الذي يواجهه في مصر، القابضة عادة على كل حلم وليد!!



"وزير الشباب والرياضة مفكرش مرة يرفع التليفون يسأل عن محمد الذي يعتبر أول مصري من ذوي القدرات الخاصة يخوض تجربة عبور المانش، ويسجل الإنجاز باسم مصر قبل محمد، حتى الميداليات والدروع التي حصل عليها كانت من وزارة الداخلية وسيادة الرئيس، الجامعة الأمريكية في الإمارات عرضت علينا أن يتم دعم محمد بعد عودته من المانش وحَفزته، في حين إني بشقى علشان أعمله دمج داخل بلده، لسه لحد الآن ناس في وزارات التربية والتعليم والشباب لا يعرفون شيئًا عن محمد إلا بعد تكريم الرئيس له في منتدى الشباب" هكذا تحدث والد محمد".

"الثقة" كانت كلمة السر وراء تشكيل محمد، فمنذ كان صغيرًا زرع والده داخله هو وأخوته، أنهم جميعًا واحد، وعليهم أن يحترموه، ولا يعاملونه على أنه "نشاذ" أو قادم من المريخ، "لازم يعرف إن كلمته مهابة وتمشي وسط إخواته"، فضلًا عن جعله منذ البداية يحتك مع الأطفال الأسوياء، يصبح ندًا بند معهم، لا فضل لهم عليه، "أصريت إنه يدخل مدرسة أسوياء مش لذوي القدرات الخاصة.. وهنا في المدرسة خصصوا قسما لهم، خرجت هذا البطل الواثق في ذاته، لدرجة أنه كان يسير في منتدى الشباب يقول أنا محمد المصري لست محمد الحسيني، كنت رافض أن يطلق عليه بركة العيلة، جعلته طفلا يعيش طفولة طبيعية جدًا كغيره من الأطفال"، حتى أصبح بين ليلة وضحاها فخرا لعائلته، يتحدث عنه إخوته في كل مجلس، يقف الجميع حوله لالتقاط "السيلفي".