الخميس 24 سبتمبر 2020...7 صفر 1442 الجريدة الورقية

تسليك المجارى السياسية

سياسة 299

لم تحمل الدعوة إلى حوار وطنى من قبل الرئيس محمد مرسى أى دلالات على تقدم من الممكن أن يتم التوصل إليه فيما يتعلق بالمطالب التى سبق وأن قدمتها المعارضة على مدار الثمانية أشهر الماضية.
اضافة اعلان

فحتى من قبل أن تنعقد جلسة الحوار، التى كالعادة لم تسفر عن شيء يحمل قدرًا من الأهمية، لم يتمكن الرئيس (وربما لم يرد) أن يطرح أى مغريات للطرف الآخر من الممكن أن تكون سببا يدفعه للحضور، حتى ولو من منطلق حسن النوايا.

ناهيك عن النتائج الكارثية التى خرج بها الحوار، والتى أوضحت أن بعض من المشاركين فيه ممن يمتلكون نية صادقة، وممن يعتقدون أنهم يقومون بواجب وطنى، وأنهم هناك لإيجاد مخرج للأزمة الحالية.. أن ما يقومون به مجرد حرث فى ماء.

بل ربما تكون هذه الدعوة التى لم تسفر عن شىء سوى بعض توصيات للهيئة العليا للانتخابات! ربما تكون سببا فى زيادة حالة الانسداد السياسى والمجتمعى التى تمر بها مصر الآن، وتعميقا للمقاطعة السياسية التى تعد الأولى من نوعها فى تاريخ مصر الحديث. فلأول مرة تصل القوى السياسية المعارضة للحاكم لدرجة المقاطعة التامة، فطوال تاريخ مصر الحديث حافظت المعارضة المصرية على درجة من الاتصال (تقلصت أو اتسعت) مع الرجل القابع فى القصر، الذى كان ملكا، وصار فيما بعد رئيسا.

حالة الانسداد تلك تتطلب بالضرورة إيجاد وسيلة فعالة للتخلص من مكوناتها وأسبابها، والتى من الممكن أن تأتى فى صورتين:
-إما أن تصل التفاعلات المكتومة بين المكونات والقوى الاجتماعية إلى أن تحدث انفجارا مفاجئًا يؤدى إلى الدفع للأمام، وهو ما نطلق عليه الثورة الشعبية الرأسية، أى التى تنطلق من القاعدة إلى القمة لتطيح بها.

-وإما أن تستسلم هذه القوى لفكرة التغيير بصورة تدريجية، ومن ثم معالجة هذا الانسداد على مراحل متباعدة، تؤدى كل مرحلة منها على حدى إلى إحداث تغيير جزئى يفضى فى النهاية إلى التغيير الكلى المطلوب.

-أو يأتى التغيير من داخل النظام بصورة مفاجئة أيضًا عن طريق أقوى مؤسساته وأكثرها استقلالية، متمثلة فى القوات المسلحة، وفى هذه الحالة تدخل عملية التغيير فى حالة من الضبابية يصعب معها التنبؤ بالمستقبل.

غير أن تلك الاحتمالات تتطلب بعضا من الوقت حتى تنضج الفكرة، وتظهر الصورة بوضوح لدى قطاعات كبيرة من المجتمع، الذى كان قد اختار الانتظار فى حالة النظام السابق لفترات طويلة، لأنه ببساطة لم يكن يعلم أن سمة انسداد فى شرايين الحياة السياسية قد حدث، وأن هناك سمة أمل فى إمكانية حدوث تغيير من الممكن أن تقوم به الجماهير.

بالضبط كما حدث مع سيدنا سليمان (عليه السلام) عندما عكف جنوده من الجن على بناء القصر العظيم الذى طلبه، تحت إشرافه ومتابعته، اعتقادا منهم أنه يراقبهم لأيام دون أن يعلموا أنه قد مات. كذلك فإن الجماهير والعامة فى مصر لم تكن لتقوم بثورة على النظام السابق لفترات طويلة اعتقادا منها أن النظام مازال بقوته وجبروته، من دون أن يصل إلى علمهم أنه فى حقيقة الأمر كان قد مات منذ وقت بعيد.

أما النظام الحالى فإنه (على العكس) يبدو ضعيفا لأنه مازال يبحث عن هويته ومن ثم فهو يدرك أنه لم يتمكن من الإمساك بخيوط اللعبة بعد، لذا فهو يعقد الأمل الآن على الوقت، وعلى طاقة واحتمال قوى المعارضة، وإذا ما كانت تمتلك النفس الطويل الذى يمكنها من الاستمرار فى الضغط على النظام بنفس القوة، أو أنها سوف تصاب بالملل السياسى، وتفقد قدرتها على تحريك الشارع ضده.